موضوعات

التأثير العربي على شعر التروبادور

التأثير العربي على شعر التروبادور


في أوروبا القرون الوسطى


لطالما تجول الفرسان التروبادور في جنوب فرنسا وشمال إسبانيا، متغنين بالشعر العاطفي الذي يناجي المرأة المحبوبة ويمجدها ويعلن لها الفارس التروبادوري من خلال شعره استعداده للموت من أجل الحصول على نظرة منها أو لفتة أو منديل، فالشعر العاطفي للتروبادور والذي تميز بعذريته وعفته التي تجعلنا نتذكر مناجاة قيس بن الملوح لليلى أو جميل بن معمر لبثينة، هذا الشعر الذي انتشر في القرون الوسطى بين القرن الحادي عشر والثالث عشر الميلادي في جنوب فرنسا (مقاطعة البروفانس) وشمال إسبانيا ثم في إيطاليا وفيما بعد في ألمانيا وإنجلترا، والذي سمي بالتروبادور، كان أول شعر ينظم باللغات الأوروبية المحلية وليس باللغة اللاتينية، ومثّل ثورة ثقافية كبرى في أوروبا القرون الوسطى، حيث ابتكر التروبادور شكلاً جديداً في الحب الفروسي الذي جعلوا منه جزءاً لا يتجزأ من الفروسية، حيث لا حب فروسياً من دون الشعر، فهنا العلاقة الجدلية ذات الأوجه الثلاثة والتي صنعت ظاهرة شعر الفرسان التروبادور وهي الحب والشعر والفروسية.
 والتروبادور بأشعارهم المحلية اللغة نظموا أول شعر تمرد على اللغة اللاتينية المقدسة لغة الدين والأدب في القرون الوسطى. 
وقد التزم التروبادور في أشعارهم بقافية، بينما لم تعرف القافية في اللغات الأوروبية قبل التروبادور، والشاعر مع التروبادور أصبح وجوده حقيقة؛ فهو رجل يمشي ويعيش بين الناس ولم يعد أسطورة يتناقلونها ولا يشاهدونها كما كان شعراء الإغريق والرومان. 
ومع التروبادور تحول العشق في أوروبا القرون الوسطى إلى إحساس جميل يسعد به الرجل ويشقى ويتفاخر به، بينما اعتبر قبل التروبادور مرضاً وداءً خطيراً ينفر منه المجتمع الأوروبي، ولطالما بحث الأطباء عن طريقة للقضاء على هذا المرض.
ويعد التعرف على المرأة المحبوبة هدف الشاعر التروبادور، وكلما كثرت العوائق أمام الوصول إليها (مثل زوج أو أب قاسٍ أو عفة المرأة الصارمة) زاد الحب تأججاً ولهيباً، وقد تناولت أشعار التروبادور -إضافة إلى الحب- الرثاء والتغني بعودة الربيع والغيرة ومديح السيدة العذراء وغيرها.
ويجمع الكثير من الباحثين العرب والأوروبيين على وضوح التأثير العربي بشعر التروبادور، حيث يعود أصل الكلمة (التروبادور) إلى طرب، أي غناء كما يطلق عليه في الأندلس وأضيفت لها الكلمة اللاتينية التي تشكل اسم الفاعل، فأصبحت الكلمة تعني المغني، ويرى بعض الباحثين أن كلمة تروبادور ما هي إلا تحريف لـ(دور الطرب) مع تقديم الصفة على الموصوف كما يحدث عادة في اللغات اللاتينية. 
 ويبدو تأثير الموشحات الأندلسية وقصيدة الزجل التي كانت شائعة في العصر الأندلسي واضحاً في شعر التروبادور، حيث كانوا يقيمون بينهم ما يشبه السجال الهجائي القريب من حلقات الزجل في الشعر العربي الشعبي، ويعتمد شعراء التروبادور في غناء قصائدهم على الغناء المنفرد مع مرافقة الغناء بالعزف على آلة موسيقية وترية. 
وفي هذا يقول الباحث التاريخي الفرنسي ميشيل فيهير: ابتكر التروبادور طريقتهم وأسلوبهم لبلوغ منتهى الحب الفروسي مازجين بين مفهوم الحب الفروسي الذي عرفه فرسان بريتانيا الفرنسية وتميز به الأرسطقراطيون آنذاك والحب الصوفي الذي عرفه الشعراء العرب الذين عاشوا في الأندلس.
ويقول المؤرخ الفرنسي الكبير (هنري مارو): إن التأثير العربي على حضارة الشعوب الرومانية لم يقف فقط عند حد الفنون الجميلة التي كان التأثر فيها واضحاً وإنما امتد كذلك إلى الموسيقى والشعر.
 
 
 
 
التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم