ريشة وقلم

المضامين الروحية الدافقة

المضامين الروحية الدافقة


تعود إلى واجهة الثقافات المعاصرة


في المشهد العالمي المتماوج بعد العولمة والتطورات التقنية والتكنولوجية المحملة بالمعرفة المتعددة، أضحى العالم يتحرك في مسارات تداخلية متشابكة ولم تعد الثقافات تنعزل، وإن انعزلت فهي الخاسرة كوكبياً، وهذا كان من شأنه تغيير نمط الثقافة والقناعات والعقائد السائدة، فبدأ التوجه نحو الدين والتدين بأشكال جديدة وصعود الجماعات الروحية والانعتاق من السياق الديني التقليدي باتجاه آفاق خيارات دينية التي يصوغها الأفراد بأنفسهم ولو بالجمع بين عناصر من ديانات ومذاهب متعددة. 
وبالارتباط بما تقدم كان لانهيار النظم الشيوعية في القسم الشرقي من أوروبا الأثر البالغ على المشهد الديني بشكل مؤكد، وأضحى العامل الإسلامي الأكثر حضوراً في المعادلة الأوروبية. 

الدين 
يلبي حاجات الإنسان الطبيعية

هنالك وجهة نظر تقول إنه في الوقت الذي تسود فيه النزعات الوضعية في مجتمعات الغرب "العلمانية" فإن الدين كمفهوم وإحساس ومشاعر لا يزال قائماً في وجه كل التحديات، وإذا كان فرويد قد اعتبر الدين مجرد وهم وأن على العالم أن يتجه بقوة نحو العلمانية فإن ثمة من المفكرين المعاصرين من يرى أن الدين لا يمر بمرحلة تراجع أو انكماش تهدد وجوده وأن كل ما يحدث هو عملية مراجعة لإعادة تشكيل بعض الجوانب التي ترتبط بالظروف المتغيرة دون المساس بالثوابت، وأن هذه الحركات الإحيائية تهدد العلمانية التي لا تلبي حاجات الإنسان الطبيعية مثلما يفعل الدين، وأن الدول الشيوعية السابقة تشهد الآن عودة إلى الدين الذي لم يندثر تماماً في أي وقت من الأوقات أو تحت أي ظروف مناوئة؛ ففي عام 2006 وبعد خمس عشرة سنة من سقوط الاتحاد السوفييتي تبين أن أربعة وثمانين في المائة من سكان روسيا كانوا يؤمنون دائماً بالله بينما لم يعترف سوى ستة عشر فقط بأنهم لا دينيون. 
كما أنه يمكن ملاحظة أن التيارات الدينية تستحوذ الآن بطريقة متزايدة على الحكم في كثير من دول العالم بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية حيث يتمتع اليمين الديني المحافظ بوجود سياسي قوي. 
وحركات الإحياء الديني امتدت إلى الشعوب والمجتمعات القبلية التي فقدت دياناتها الوطنية وتحولت إلى المسيحية تحت وطأة الاستعمار وتأثير الإرساليات والكنائس الغربية في إفريقيا بالذات وما ترتب على ذلك من ضياع الهوية الثقافية وفقدان القيم الأخلاقية الأصيلة. 


 أشكال جديدة من التدين: 
الشعور بالملل والخواء الفكري ما يدفع الناس في أوروبا للعودة إلى الدين والبحث عن الدفء للتعويض عن "برودة المجتمع" الذي يعاني من تفشي النزعات الفردية؛ فبهذا تتضح أهمية المضامينِ "الدافئة" والأبعاد الروحيَّة في ما تقدِّمه المجموعات والحركات والمؤسسات الدينيَّة الهامشية، والتي تحقِّق حضوراً متنامياً. إذ إن هذه الفئات الناشطة بشكل مُتنامٍ لا تُقدِّم في الغالب إلى جانب خدماتها الرُّوحيَّة قيماً أو تعاليم سلوكيّة، بالمفهومِ التقليديِّ، ما يجعلها لا تزاحم علمانيةَ المجتمع وماديّته في واقع الأمر. بل إنها تبدو مرشّحةً لأن تُوَفِّر للمجتمع دعماً روحياً؛ يَشُدّ من عَضُدِهِ ويحفِّزه على الاستمرار في تدوير عجلته. 
ولعلَّ هذه المعادلة تشبه عملية توزيع أدوار ضِمْنِيَّةٍ، تبدو مثيرة للتأمل. فالحركات والجماعات والمؤسسات الروحيَّة تزعم أنها تتولى خدمةَ مسعى ملء الفراغ الرُّوحي الذي يعانيه إنسان المادية، بينما تفيد كثير من هذه الحركات والمؤسسات من آليات المجتمع الماديِّ في كسب الأتباع وجني الأرباح وتوسيع أرضيتها وخدماتها، بل إنها تبدو أحياناً مجرد نسخ روحية من الشركات متعددة الجنسية.
وبالرغم من ذلك فإن السؤال يبقى مطروحاً، فإلى أي مدىً ستكون هذه المعادلة، على فرضيّة التسليم بوجودها، مُؤَهّلة للصّمود لتبقى قائمة في زوايا المشهد الديني والاجتماعي في أوروبا مستقبلاً؟!
بنظرة أعمق؛ قد نجد أنّ "الوصفة الروحية" التي تأتي ضمن دعوات ومؤسسات دينيّة أشمل رؤيةً لا تبدو مرغوباً بها، خاصةً مع النظر إليها بوصفها مزاحمة لنظام "مجتمع الحداثة" وبرنامجه؛ عبر ما تطرحه من قيم وتعاليم.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد. فقد عرفَت المجتمعات الأوروبيّة في السنوات الأخيرة ظواهر جديدة نسبيّاً، ذات مضامين أو إيحاءات دينيّة، بدت غالباً امتداداً للبحث عن إرواء التعطُّش الروحي ودافعية الانتماء إلى دين. ولم يتوقف الأمر عند انتعاش الفرق والجماعات الدينية التي تنطوي على طقوس غريبة لا تخلو من الهوس أحياناً؛ بل امتد إلى التقدير المتزايِد للديانة البوذية، والإقبال على اليوغا، المستوحاة من التراث الفلسفي الهندوسي والبوذي.
وازدهرت خلال ذلك النشاطات الاقتصادية والترويجية المرتبطة بالجانب الروحي؛ كالسياحة الروحية للمعابد البوذية والمعالم الدينية الهندوسيّة، علاوة على الرحلات والبرامج التي تَعِدُ المنخرطين فيها بالتوازن الروحي، فضلاً عن الرواج الكبير الذي تحظى به الكتب المتعلقة بالجوانب الروحية، والتي باتت تتصدَّر أركان أكثر المبيعات في متاجر الكتب الأوروبية.
ويبدو أنّ الاهتمام بالتنبؤات والخرافة والشعوذة والتنجيم يحقق ازدهاراً اخترق معه أوساط النخب ذاتها، وهو ما قد يكشف في ثناياه عن قلق كامن من المستقبل، وعن حالة من البحث عن إجابات على أسئلة غائرة في أعماقِ النفس الإنسانية.
وفي هذا الاتجاهِ أيضاً؛ استمر الإقبال على التصوّف والفرق الصوفيَّة الإسلامية من بين من يعتنقون الإسلام ديناً جديداً لهم في المجتمعات الأوروبيّة، فضلاً عمَّن يلتحقون بمجموعات تمارس طقوساً صوفيّة دون اشتراط اعتناق الإسلام بالضّرورة.
وفي ظل هذا؛ تتبلور ظاهرة الإيمان بـ"خليط ديني"، وهي الظاهرة التي تقوم على الأخذ من كل دين بطرف، وتجميع جزئيات دينيّة متفرقة وغير متجانسة في إطار موحّد، ثمّ محاولة الانتماء إليها وتعريف الذات من خلالها، بِوصْفِها ما يشبه المعتقد، أو بتعبير الكاتب الألماني ديتليف بولاك "كلٌّ يمزج بذاته خليطه الديني، الذي يتم تجميعه من تقاليد دينية مختلفة في ما بينها تماماً". 
وربما شجعت على ذلك، بصفة غير مباشرة، مساعي التقريب بين الأديان، ولفت الاهتمامِ للقواسم المشتركة بينها، وتعليم حصص التعددية الدينية، كمادة الآداب أو الأخلاق في المدارس العامة في العديد من الدول الأوروبية بديلاً عن الحصص القائمة على أحادية المادة الدينية. في هذا السياق تماماً تلفت الانتباه أطروحات وآراء كالتي يتبنّاها عالم اللاهوت السويسري هانز كُنْغ، فهو يذهب إلى حد السعي إلى بلورة هوية أخلاقية كوكبية مشتركة تقوم على التقارب الديني، وهو ما يفهمه بعضهم على أنه محاولة لبعث دين عالمي مشترك مستوحى من الأديان والثقافات والقيم السائدة في عالم اليوم.


عوامل عودة الدين في الثقافات المعاصرة: 
 إن عوامل عودة الدين تختلف باختلاف السياقات والانتماءات الحضارية ويمكن إحصاء بعضها في: 
-التهديد الذي باتت تمثله بعض الأخطار الغامضة التي تظهر كما لو كانت غير مسبوقة ولا مثيل لها في تاريخ الإنسانية (الخوف من اندلاع حرب ذرية، التمظهر الجديد للعلاقات الدولية المتوترة، القلق من التغيرات الإيكولوجية الممكنة، التلاعب بالهندسة الوراثية).  - فقدان معنى الوجود أو الإحساس بالملل العميق الذي يصاحب الإقبال الجنوني على الاستهلاك. 
- انخساف المحرمات الفلسفية الموجهة ضد الدين وتفكك الأنساق الكبرى التي رافقت تطور علم التقنية والتنظيم الاجتماعي الحديث. 
- تخلي الفلسفة والفكر النقدي بصفة عامة عن مفهوم الأساس، والعجز في المقابل عن إعطاء معنى للوجود، أي المعنى الذي يتم البحث عنه في الوجود، فما تشهده الفلسفة في فروعها ومساءلاتها التي نقرؤها اليوم في دروسها تكاد تكون موصولة عضوياً بالعلوم سواء التجريبية منها أم الاجتماعية، فأزمة علم الطبيعة النيوتيني كان قد أفرز الابستومولوجيا المعاصرة مع غاستون باشلار وجورج كونغلام، وإنجازات اللسانيات أثمرت فلسفة اللغة مع فتجنشتين ورودلف كارناب وغيرهم. 
الإحياء العالمي للأديان: الموجة العالمية للعودة إلى الدين بعد عملية الاتصال الاحتكاك بين الثقافات والأديان بصورة متزايدة أثارت العديد من الأفكار والكتابات، وهذا ما حدا بمؤلفي كتاب " god back " – إبريل 2009 -  ادريان ولدريدج وجون مايكل ثويت - وله عنوان فرعي هو الإحياء العالمي للإيمان يغير العالم – أن يذهبا إلى أن الدين يتلاءم تماماً مع التحديث والحداثة بكل أشكالها وصورها وأبعادها ويستطيع التعايش مع متطلباتها واتجاهاتها العديدة والمعقدة. 
وجدير بالإشارة إلى أنه رغم أن الدين والحداثة طريقتان مختلفتان إلا أنهما متكاملان في النظر إلى الأشياء.  

التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم