ناس وحكايات

من نافذة مقهى الحي

من نافذة مقهى الحي


تأملات كريمة


الجو في غرفة كريمة أصبح خانقًا جدًّا؛ إن توتّر ما قبل الامتحانات هذا يكاد يصيبها بالجنون، فلا هي التي لا تحمل همّ الامتحان ودرجاتِه فتجلس مرتاحة البال بانتظار النتيجة المزرية حتمًا، ولا هي المجتهدة التي تقضي وقتها في الدراسة والبحث فتجلس مرتاحة البال بانتظار النتيجة المشرّفة حتمًا! إنها ببساطة تحمل همّ الامتحان، لكنها لا تطيق الاستعداد له! وبالتالي فإن أفضل شيء هو أن تُزجي الوقت بانتظار انقضاء هذه اللحظات العصيبة. أين؟ في ذلك المقهى الشعبي الذي تفضّله؛ إن أجواءه البسيطة الخالية من التكلّف تتيح لها رؤية الناس على طبيعتهم.. تراقب حركاتهم، تصرفاتهم، تعابير وجوههم وانحناءات خطوطه في مشاعرهم المختلفة. إنها تعتبر أن هذه هي إحدى هواياتها المفضلة! ليست فضولاً ولا اقتحامًا لحياة الناس، بل قربًا منهم ومن مشاعرهم الإنسانية في صورتها (الخام)، بدلاً من تلك المشاعر المصطنعة التي جرى عليها ألف تعديل وتعديل قبل أن تخرج للعلن في صورة منشور على إحدى صفحات التواصل الاجتماعي. 
لذا.. وبعد نصف ساعة، كانت كريمة هناك. المقهى حافلٌ اليوم، أصوات سحب الكراسي، قعقعة الملاعق، صراخ طفل هنا، وضحكة عالية هناك..
هذه أمٌّ تحاول جاهدة أن تجعل ابنها يجلس على كرسيّه، في حين يرى هو أنه من الظلم ومن المجحف بحقه أن يترك كل هذه الأشياء القابلة للاستكشاف ويجلس دونما عمل! هناك طاولة يستقلها زوجان.. لا شكّ أنهما متزوجان حديثًا إذ إنهما لايزالان يمارسان تلك الحركات التي يظنان أن على كل المتزوجين حديثًا أن يمارسوها، حتى إن الزوجة قامت بقطع الخبز بالشوكة والسكين!
(كراااش) صوت ارتطام وتحطّم يقطع على كريمة تأمّلاتها. التفتت -كما التفتت جميع روّاد المقهى- إلى مصدر الصوت، كانت النادلة تقف وقد تجلّى الخوف في عينيها وغادر الدم وجهها، لقد سقط منها فنجان القهوة وهي تحاول تقديمه لضيفها، واندلق جزء من قهوته على بنطاله.
نظرت كريمةُ إلى عيني النادلة، وتذكرت كيف كانتا دامعتين الأسبوع الماضي وهي تحكي لها عن الصعوبات التي تواجهها. قالت لها إنها تُعيل أمها المريضة، مما يضطرها للسهر أحيانًا للعناية بها، وقد تأخرت عن عملها مرتين بسبب ذلك، كوفئت عليهما بإنذارين صارمي اللهجة، وهذا يعني أن أي تقصير أو تأخير آخر كفيل بحرمانها من العمل.
انتقل خوف النادلة إلى كريمة وهي تتذكر كل هذا، وشعرت أن حواسها قد تعطلت عن العمل بانتظار ردة فعل الضيف، إنها تدرك تمامًا أن مستقبل النادلة كله، بل وحياة أمها كذلك يتوقفان على ردة الفعل هذه!
تسمّرت عيناها عليه.. تترجاه بصمتٍ أن يغفر.. أن يسامح.. أن يكون كريمًا.. أرجوك، لا تزد عذاباتها، يا إلهي! ما الذي سيحل بتلك المسكينة إن غضب الآن أو اشتكاها لرئيسها أو..
ما هذا؟ إن ملامح الرجل تأخذ ذلك المنحنى السلس الجميل نحو الابتسامة.. نعم، ابتسامة صافية يهديها لتلك النادلة، ويقول: (لا بأس.. لا بأس)، يزول معها توتّر الجو كله.. والخوف كله.. والعذاب الذي كان قادمًا.. كله!
زفرت بارتياح.. ودفنت وجهها بين كفّيها، وطوال طريق عودتها كانت تفكر: يا إلهي! أيكون لردّات فعلنا غير المحسوبة كل هذا القدر من التحكم بمصائر الآخرين؟ هل تراني فعلتها ذات مرة بأحدهم؟ يا ربّ.. احمني من أن أفعل ذلك.. ياربّ!

 

التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم