ريشة وقلم

وسائل الهروب من الواقع!

وسائل الهروب من الواقع!


تأملات كريمة


ألقت كريمةُ بنفسها على المقعد في الركن المنزوي من المقهى.. هي اليوم ليست على ما يرام؛ لأن نتائجها الدراسية في شهادة نهاية العام الدراسي لم تكن على ما يُرام!
لمَ تؤثر عليها النتيجة هكذا؟ لا تدري.. عبثًا تحاول أن تقنع نفسها أنّ مجرد أرقام على ورقة ليست هي التقييمَ الحقيقيّ لها، عبثًا تحاول أن تتذكر إنجازاتِها وقدراتِها في المجالات الأخرى، عبثًا تحاول أن تُثمّن العلمَ الذي تعلمته بغضّ النظر عن العلامات التي حصدتها.. ولكن لا فائدة، إنه موروث أربعة عشر عامًا قضتها على مقاعد الدراسة، زرعت في داخلها أن النجاح كله، والمستقبل كله.. في هذه الشهادة!
صوت مقاعد تُسحب؛ إنهما شابّان جلسا على الطاولة التي أمامها. تذكرت أنها تحتاج إلى أن يكون بجانبها أحدٌ ما... ليت صديقتها رشا معها الآن، لكنها تقضي إجازتها مع عائلتها في دولة أخرى.
لا شيء يمكنه تعويض تلك العلاقة الجميلة المُسمّاة بـ(الصداقة) أبدًا، مهما كانت علاقتك مع عائلتك متينة ومترابطة. إنهما شيئان مختلفان. أنت مع عائلتك تكون بين أشخاص تألفهم ويألفونك.. أشخاص من عالمك نفسه، يشعرون بشعورك، فتأخذ منهم المساندةَ، والحبّ، والأمان. ومع أصدقائك تخرج إلى عالمٍ آخر، شخص تربّى في بيت مختلف تمامًا، وله ظروفه المختلفة، فيتّسع أفقك، وتأخذ منهم القوةَ، والودّ، والجمال. الأمر يُشبه قابِسَين توصلهما بك من الجانبين، فتكتمل طاقتك حدَّ الانتعاش!
وتذكرَتْ كيف تكون روحُها منطلقةً وهي تجالس صديقاتها.. يحكين في أي شيء، ويضحكن على أي شيء، البشاشة تملأ وجوههنّ، و.. 
رفعت نظرها إلى الشابين الصديقين؛ لترى فيهما تلك المعاني التي تتكلم عنها، وترصد انعكاسات سعادتهما على وجهيهما، ولكن.. ما هذا؟ صُدم ذوقها من البون الشاسع بين ما كان في خيالها، وكآبةِ الصورة التي تراها الآن.. كل ما رأته هو رأسان ينحنيان نحو الأسفل، وأعين حبيسة شاشةٍ بين يديّ كل واحد منهما!
للحظةٍ لم تستوعب.. ثم راحت تفكر في هذه الظاهرة التي باتت مستساغة تمامًا، تحاول فهم أسبابها: حين تجلس سميرة مع ليلى فإنها تتواصل مع سهى عبر الهاتف، وحين تجلس مع سهى فإنها تتواصل مع ليلى، وحين يكون الأب في العمل فإنه يتواصل مع زوجته، وحين يكون مع زوجته فإنه يتواصل مع زميله في العمل. وحين تجلس المرأة مع أبنائها فإنها تتواصل مع أمها، وحين تجلس مع أمها فإنها تتواصل مع أبنائها. هل هي فعلاً وسائل (تواصل اجتماعي)، أم إننا حوّلناها إلى وسائل هروب من الواقع؟
وأخذت تتأمل فيما حولها.. تمارس هوايتها الأثيرة. هذا أب يجلس مع عائلته التي لاشكّ تفتقده كثيرًا بعد أن أخذت الشركات الخاصة في التباري بساعات عملٍ أطول. يجلس معهم جسدًا ويفتقدونه حضورًا أبويًّا حميمًا. يثرثرون حوله ويتضاحكون.. فيكتفي بغمغمة توهِمهم أنه معهم، على حين يواصل اندماجه التام مع جهازه.
تلك شابة تجلس مع أمها التي وجدت نفسها فجأةً خارج إطار الاهتمام والذاكرة. أعطتهم عمرها فأعطوها فضلة أوقاتهم. تجلس معها إرضاءً لضميرها، على حين تقضي وقتها غارقة في عالمها الخاص حيث هاتفها المحمول، وتكتفي أمها منها بمطالعةِ وجهِها بحبّ.
حرّكت كريمة رأسها يمنةً ويسرةً، نافضةً عنها هذه التأملات التي تزيدها ضيقًا على ضيقها، وتناولت هاتفها تغوص في تطبيقاته المختلفة.. حيث اللاتفكير!

 

التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم