ريشة وقلم

الغربة... والإبداع

الغربة... والإبداع



ما تأثير الغربة على المبدع والكاتب، نفسيته، تفكيره، مشاعره، عواطفه، حنينه، وإبداعه؟
وكيف يتعامل المبدع مع إبداعاته من خلال ابتعاده عن وسطه الأساس الذي كان منه يستقي نتاجه الإبداعي، عندما كان يتأثر بواقع اجتماعي له انعكاساته الإبداعية على فنه وأدبه وفكره؟
 هل الغربة تؤثر إيجاباً أم سلباً على المبدع؟ هل ينكفئ المبدع عن الإبداع نتيجة ضعف الاحتكاك الاجتماعي مع أفراد شعبه بسبب البرد الاجتماعي والطقسي في بلدان المهجر؟ أم إن الغربة تشعل فيه براكين الحنين وتطلق العنان لأحصنة الإبداع كي تحلق في فضاءات الجمال والإبداع اللا متناهية؟ 
فيما يلي أجوبة عدد من المبدعين والكتاب الذين سكنوا الغربة واحترقوا بنار عذابها ومعاناتها، علّنا نستشف من خلال أجوبتهم مدى العلاقة التفاعلية بين المبدعين والمغتربات التي يسكنون فيها. 
 
بداية جديدة 
تتحدث الروائية والكاتبة الليبية رزان نعيم المغربي من هولندا قائلة: يقول الشاعر الهولندي ابن روتردام: "إذا أتى كل أحد من مكان ما، فهذا يعني لا يوجد غرباء".
هذه العبارة وجدتها منقوشة على جدار أحد الأبنية مقابل محطة الترام القريبة من مدرستي التي أتعلم فيها اللغة الهولندية، وربما نكون كلنا غرباء في لحظة ما ومكان ما، ولأن السؤال حول الأدب وغربة الكتاب المكانية بمعنى انتقاله طوعاً أو قسراً إلى بيئة أجنبية لغة وثقافة، وما هو أثرها على نصه؟ 
قبل وصولي المنفى، كنت أستعد له قبل عام ونصف، ذهنياً ونفسياً بسبب حجم الغربة التي عشتها في بلدي، حيث لم تعد تتسع لي ولغيري من كتّاب آخرين فضّلوا مغادرتها، الواقع أننا حينما نغادر مكرهين أو لرغبة دفينة في أن نرحل! 
وأُسمي هذا الانتقال أو الهجرة، المنفى، وليس الغربة، الغربة تشعر بها وأنت في بيتك ووطنك وبين أهلك واصطلح عليها تسمية الاغتراب عن المحيط، بينما المنفى اختيار شخصي للانتماء إلى بيئة تمنحك ما يشبهك وما تريده منه، الحرية مثلاً التي هي شرط الإبداع، الحماية والأمان الذي تفتقده، والتقدير لإنسانيتك.
وتضيف المغربي: المنفى كلمة لها وقع يثير مشاعر الصقيع لوهلة، رغم ما يمنحك إياه من شروط إنسانية مكتملة لكي تبدع وتبدأ حياتك من جديد، إلا أنه يعني أنك منذ الآن بت تعي فقدانك الكبير، لكل ما تخليت عنه، فنجان قهوتك قبل أن ترتشفه كاملاً، وقطتك التي بحثت لها عن بيت يأويها في غيابك، خزانة ملابسك التي حملت منها ما يلزمك للأيام الأولى ونسيت معطفك الذي سيدفئ عظامك في برد المنافي القارص، أمكنة تحبها مقاهي وشواطئ وأصدقاء تأبى أن تودعهم، تسير دون أن تنظر إلى الخلف، فكل بداية جديدة تحتاج من القوة والشجاعة الكثير، والنظر إلى الوراء يعني أن هشاشتنا تغلبت على شجاعتنا. 
الكتابة في المنفى تصبح مختلفة بالطبع، ليس بسبب الحنين ولا بسبب قسوة البدايات الجديدة التي سحبت منك كل ما عملت من أجله في بلادك، ولكن لأن التجربة جديدة، وكل تجربة للمبدع إضافة حقيقية، تعمل على إعادة صياغة أفكاره لتنتج ما يشبه التجربة. 
وعود على بدء، نحن نعيش في عصر الاتصالات، لهذا مفهوم الغربة اندثر معها، نحن نتواصل مع أهلنا والعالم كله بكبسة زر وبشكل مجاني، نعرف ما يجري بأدق التفاصيل، لهذا يمكن للكتابة أن تنهل من الضفتين على حد سواء، من الوطن ومن البلد الجديد. 
 
تمازج الغربة والاغتراب
أما القاص والكاتب المسرحي السوري أحمد إسماعيل – ألمانيا - فيقول: 
لا يزال الكاتب والمبدع عموماً، متعلقاً بوطنه الذي غادره، وبذكرياته، وبماضيه، وفي المقابل، لا يستطع المبدع المغترب إقامة علاقة سوية مع المكان الذي لجأ إليه، فهو ومذ غادر وطنه، أصبح كالمشنوق، معلقاً بين سماء الوطن الذي غادره جسداً، وأرض غريبة يسكنها بلا روح، في حالة فريدة من تمازج الغربة والاغتراب. 
 
أدب مهجري جديد
 ويقول الشاعر والناقد السوري محمد المطرود – ألمانيا :
يتأثر المنتج الثقافي بكل ما يحدث للإنسان أياً كان، ولدى أي منج ثقافي محاكمة وقلق واستنفار دائم للذات لتتلمس جروحها، وتتفاوت نسب التأثير والتأثر من شخص إلى سواه، فبعضهم يركن إلى التعلل بالمظلومية ويصبح هذا أقصى ما يفعله، وبعضهم يحول الفهم الآنف الذي ذكرته إلى مادة خام يحولها إلى فعل مواجهة وتحدٍ، ولهذا شخصياً لا يمكنني الحديث عن (سلبي / إيجابي) كثنائية إلا من زاوية حادة وذكية باعتبار الطرفين مهمين بوجود كائن مبدع، غير عاطل، غير واهم، يستطيع التعامل مع المفردتين كحالتين صحيتين تتواجدان على الدوام في جميعنا، المختلف هنا هو قدرة الواحد منا على إزاحة السيئ وإحلال الجيد مكانه. 
أخيراً فإن الحنين أوجد أدباً مهجرياً استفاد من روح قائله وروح المكان الجديد الذي أنتمي إليه.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

 

التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم