وجوه

حصة آل مالك

حصة آل مالك


المدير التنفيذي لقطاع النقل البحري في دولة الإمارات العربية المتحدة في الهيئة الاتحادية للمواصلات البرية والبحرية


رحت أرقبها منصتة لحديثها عن مسيرتها المهنية من الخطوة الأولى وهي تختار دراسة الهندسة المعمارية، لم يكن ببالها أنها ستقترب من هذا العالم الذي لا ألفة بينه وبين الأيادي الناعمة كل هذا القرب، لكنها اختارته وأحبته فأبدعت به، هي شخصية تستحق أن ترفع لها القبعة لشدة ذكائها باتخاذ قراراتها، واثقة من إمكاناتها ودؤوبة على تنميتها بالدراسة والعمل لتسخيرها بحرفية لخدمة بلادها بتفانٍ لا محدود، ولم يشبع تطلعاتها إلا المستويات العالمية، تلك هي ضيفة مرامي الأستاذة حصة آل مالك، المدير التنفيذي لقطاع النقل البحري في دولة الإمارات العربية المتحدة في الهيئة الاتحادية للمواصلات البرية والبحرية، وأول سيدة إماراتية تحصل على شهادة الماجستير بتخصص التخطيط الحضري بالدولة – تخطيط الطرق من الجامعة الأمريكية بالشارقة، بعد تميّزها علمياً وعملياً كمهندسة معمارية من جامعة الإمارات، فلنتأمل ونتذوق حلاوة النجاح عبر الحوار التالي..
 
• لِم هندسة العمارة مجال عمل تتجنبه الأيادي الناعمة في الغالب؟
هي أحد أنواع الفنون رغم أن مجتمع إمارة رأس الخيمة حيث نشأت لم يألف ذلك ويستهجن عمل الفتاة في ميدان البناء، وكنت ثالث مهندسة تلتحق بالعمل بوزارة الأشغال العامة فرع رأس الخيمة، وقد تغير المسمى حالياً لوزارة تطوير البنية التحتية، اندفاعنا لا يتماشى وتصور زملائنا الذكور بمحدودية إمكانات المرأة وبالتالي محدودية دائرة التكليفات، كالنزول لمواقع البناء، الإشراف على صب الخرسانة وتعذر الاختلاط مع العمال، ولم يرق لنا هذا الواقع وسعينا لتغييره بمعية المهندستين مريم عبد الكريم، إيمان جكة المنصوري رحمها الله، وتوحد صوتنا أمام ما يكلف به زملاؤنا المهندسون الذكور، وأثبتنا لهم قدراتنا وطورنا إمكاناتنا حتى وصلنا مرحلة تقدير جودة الأداء (الأيزو). 
وكان لتزامن انعقاد المؤتمر السنوي للتخطيط الحضري لدائرة التخطيط الحضري بإمارة الشارقة، بنفس موعد حفل تخرجي من الجامعة الذي تخلفت عنه لمرض والدتي مؤثرة عنه حضور جلسات المؤتمر، فأحببت دراسة مفهومه، والتحقت في السنة التالية بالجامعة الأمريكية بالشارقة لافتتاحها برنامج الماجستير في "التخطيط الحضري وتخطيط الطرق".
 
• هل توقعت مواجهة التحديات؟ وكيف واجهتها؟
توقعت لكني نجحت لثقة ومساندة أهلي كعناء والدتي بدراستي للماجستير إذ سبقتني لاستئجار مسكن لنا في دبي، فكانت توصلني مع السائق كل يوم للجامعة بالشارقة مساءً بعد انتهاء دوامنا الصباحي ثم تذهب لدبي بمعية إخوتي الصغار بعد عودتهم من المدارس لتشرف على واجباتهم الدراسية ثم نعود معاً لرأس الخيمة بعد انتهاء محاضراتي بالجامعة، كان عناء مضنياً تكبدته والدتي وإخوتي وهم أطفال من أجل دراستي.
كذلك كل من وثق بإمكاناتي بالعمل ومنهم مدرائي ففي مرحلة مشروع التخرج أطلق أول مشروع للشيخ خليفة بن زايد لإعادة تطوير المناطق النائية بالدولة والتي نسميها اليوم النامية، وكنت الوحيدة العاملة بالوزارة والمتخصصة بالتخطيط الحضري، ورشحني مديري المهندس عبد الله القرصي، مدير المنطقة الشمالية بوزارة تطوير البنية التحتية، لإدارة المشروع لثقته بإمكاناتي رغم أني كنت طالبة ماجستير بعد، فهيأ لي بذلك فرصة ثمينة لممارسة ما كنت أدرسه نظرياً وقبل التخرج، كانت مهمة صعبة وتطلب ذلك مني جهداً مهولاً لحصر كافة القرى الصغيرة النائية وسكانها، لأن المشروع أطلق قبل أن تتم عملية التعداد السكاني، فبالتعاون مع مختلف الوزارات تم الحصول على المعلومات، لوضع معايير خاصة بنا على أساسها يمكن إعادة تطوير تلك المناطق، وحظيت بفريق متعاون بتميز من الوزارة ممن عملوا ليلاً ونهار لإنجاز المهمة.  
 
• صعوبة طابع العمل الجغرافي ما بين القرى النائية ألم يثنِ عزيمتك عن العمل؟
بل حفزني وهذا ما عنيته بعمل معيار خاص بنا لتطويرها، فقد حصرنا كل مجموعة من القرى المتقاربة وحددنا قرية مركزية من بينها هي الأكبر، وتم ربط قرى كل مجموعة بطرق مواصلات مع القرية المركزية وبدأنا تنفيذ كل المراكز الخدمية المطلوبة وكأننا عملنا (Seven Satellite City )، واندفعنا لتنفيذ المشاريع الخدمية والمرافق حسب حاجة كل قرية، وكانت فرصة طيبة للتعرف على قرى ومناطق لم نكن نسمع بها من قبل ببلادنا، وبعد النجاح بهذا التكليف نقلت بناء على طلب معالي الشيخ حمدان بن مبارك آل نهيان، لمكتب معالي الوزير بدبي كمدير لإدارة الطرق الاتحادية إضافة لإدارة المشروع السالف الذكر، وقد تقدمت باقتراحات بناءة للعمل بنفس الوقت على البناء المعماري والروابط الاجتماعية، بتهيئة فرص اقتصادية للعمل بنفس القرى بالتعاون مع الوزارات الأخرى، وأعددت دراسة بذلك وعرضتها على أصحاب المعالي السادة الوزراء وقد تمت الموافقة على اعتمادها وإدراجها ضمن الاستراتيجية الاتحادية. 
 
• كيف تتلمسين ثقة القيادة بأدائك؟
بعام 2008 كلفت بإدارة الطرق الاتحادية وكان هذا خير دليل بثقة القيادة بأدائي، وكانت المرة الأولى التي تكلف بها امرأة بهذه الإدارة فكان التحدي الثاني، لكثرة المعوقات ولطبيعة المناطق وما يواجه فتح الطرق وتوغلها بين القرى النائية، أحرص على تنفيذ كل مشروع أكلف به بالدقة والوقت دون أي تأخير، ولأنني لست تقليدية فلا أرتضي بالمستوى المقبول لكني أطمح للتميز كاقتراحي لبرنامج لإدارة الأصول وتصميم آلية لديمومة صيانة الطرق المنفذة، فعملت على البرنامج لأربع سنوات بالتعاون مع شركة إسبانية وبأمر من سمو الشيخ حمدان بن مبارك آل نهيان تم تبني البرنامج، وقد تمت المنافسة بهذا البرنامج وتم اختياره كأفضل مشروع على المستوى العالمي. وجاءت ترقيتي لمنصب وكيل مساعد بوزارة الشؤون والأشغال الاتحادية كمؤشر آخر لثقة القيادة بي، وقد أثنى معالي الوزير عبد الله بلحيف النعيمي على تصميمي هذا البرنامج أمام زملائي مؤكداً تفانيّ بصياغته، رغم أنه عند إعلان الفوز العالمي كنت قد انتقلت للهيئة الاتحادية للمواصلات البرية و البحرية.
 
• ومبادرات تخدم الفرد مباشرة ضمن جهودك بتطوير البنية التحتية؟
كانت سنة 2012 مليئة بالأنشطة المفعمة بروح الابتكار رغم أنه حينها لم يكن هذا المفهوم متبلوراً رسمياً، وذلك عندما شغلت منصب مدير إدارة التخطيط الحضري، والجميل بعملنا هذا أن الابتكار لا ينقطع بتغير الشخص المبتكر لمبادرة ما، بل من يخلفه يكمل ما بدأه الفريق الأول وهكذا فالابتكار سيستمر ويزيد. تكليفي بهذا المنصب كان تحدياً أكبر لقدراتي كمهندسة ومتخصصة بالتخطيط الحضري، فسعيت لتسخير معرفتي الأكاديمية لخدمة المجتمع وخرجت بمعية فريق عمل بمبادرة لخدمة ذوي الاحتياجات الخاصة أو ممن يتعرض لحوادث مؤسفة تجعله معوقاً لبقية حياته، وذلك بإجراء تحويرات معينة بمساكنهم لمساعدتهم على الحركة بحرية فيها، وعملنا على موضوع الاستدامة للمباني والطرق، وأفتخر بابتكاري الأهم بعمل نظام لأكبر قاعدة بيانات مستديمة التحديث، تمكنا به ربط قاعدة بيانات الوزارة بكافة قطاعات الدولة، وبالتالي فبيانات الوزارة ستحدث آلياً لدى أي تحديث يتم بأي قطاع بالدولة، وقد حصل المشروع على موافقة وتأييد مجلس الوزراء الموقر.
 
• وما هو طموحك بالمحطة الحالية؟
إن كل منصب وظيفي أكلف به هو فرصة وتحدّ لقدراتي، ففي كل مرة أسعى لأن أضيف وأبتكر وأكتسب خبرة، ثم أعاود لأسخر ذلك هذا بفرصة وتحد جديد وهكذا، واليوم أكرر نفس الشيء بالمهمة التي كلفت بها كمدير تنفيذي لقطاع النقل البحري، وهي تجربة جديدة تستحق الغوص بعوالمها، بعد أن قضيت عدة سنوات بمجال الطرق البرية وأكسبتني خبرة غنية وعندما خُيّرت بين إدارة الطرق البرية أو البحرية، فآثرت الطرق البحرية لطبيعتي بحب التحدي فمنحت الفرصة، والحمد لله وفقت بها.
 
• ما التغيير الذي طرأ على مجمل مهامك بهذا التغيير؟
إدارة القطاع البحري ضاعف مسؤوليتي المهنية لأنه نطاق عالمي وليس محلياً، كذلك لأهمية هذا القطاع فيكاد أن يكون ثاني أهم قطاع اقتصادي بالدولة، فالمسألة لا تنحصر بسفينة وميناء، لأن تمويلها، تأمينها، تعليم العاملين عليها، تزويدها بالوقود، إصلاحها وتحميلها كل ذلك يحتاج لدعم مختلف القطاعات بالدولة، وأي قرار بخصوصها سيمس سمعة الدولة وتأثيره دولي وليس محلياً، فعند تكليفي بهذه المهمة بدأت بدراسة واقع هذا القطاع بنظرة شمولية متكاملة وبدعم من معالي الوزير وممن سبقونا بالقطاع، ولأهميته ارتأيت أن العمل على تطوير هذا القطاع لا يمكن أن يكون بمعزل عن تعزيز مكانته دولياً، فبدأنا مع المنظمة البحرية الدولية التي بدأت حينها بتقييم الدول ومدى التزامها بالاتفاقيات الدولية وارتباطها بالعمل المؤسسي، فطلبنا إدراجنا للتقييم رغم عدم جاهزيتنا بعد، فبدأنا العمل على مجموعة كبيرة من الملفات وكان ضغط العمل يفوق التصور لتشعبه ولارتباط الموانئ بكل التشكيلات الإدارية بالدولة، ولما جاء فريق منظمة البحرية الدولية لتقييم ملف القطاع البحري بالدولة وعلى مدى أربعة أيام، وكانت نتيجة التقييم مشرفة جداً جداً وتفوقنا بها على دول عريقة بهذا المجال، وعليه طلب منا أن نقدم تجربتنا كنموذج مميز للوطن العربي أجمع لرفده بالدعم الفني والخبرة المميزة، وسعيت بإدارة هذا القطاع بمستويين: الأول بتعزيز المكانة الدولية لهذا القطاع بين المنظمات البحرية والثاني توفير الممكنات الداخلية، وهذا التوجه نقل موانئ الإمارات من المحلية للعالمية كسمعة وكأداء، وبات القطاع البحري بدولة الإمارات ككتلة واحدة وموانئ كل الإمارات تحت لواء دولة الإمارات بالمحفل العالمي.
 
• آخر مبادرة تعتبرينها وثبة بملف الطرق البحرية الإماراتية؟
كانت بفوزنا في المنافسة العالمية مع مائة واثنتين وسبعين دولة أعضاء المنظمة البحرية العالمية، وحصلنا على مقعد ضمن الفئة (B) لنكون من بين الأربعين دولة صانعة القرار بعد أن كنا من متلقي القرار، ودخولنا جاء قوياً وذلك لأننا نافسنا على الفئة (B) وليس (C)، من منطلق ثقتنا بقدرات وإمكانات موانئنا وتأثيرها الاقتصادي عالمياً، وهذه المبادرات كلها تحظى بالدعم اللامحدود من معالي الوزير عبد الله بلحيف النعيمي مساندنا بكل خطوة، كذلك بكفاءة الأستاذة عائشة بو سميط بالتسويق الإعلامي عالمياً لهذا الملف وبجهود جميع الشركاء من موانئ وسلطات بحرية بالدولة.  
التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم