في ضيافة مرامي

الشاعر كريم العراقي: مواقف الإمارات الإنسانية هونت علينا مرارة الغربة

الشاعر كريم العراقي: مواقف الإمارات الإنسانية هونت علينا مرارة الغربة



حل بمجلس عائلة مرامي ضيف القصيدة والكَلم... بفيض أفراحها ونزيف الألم، لم تُنسَ صرخته بمرارة لمعاناة أطفال العراق بقصيدته "تَذّكرْ" التي حققت جائزة اليونيسيف عندما أبدع بغنائها الفنان كاظم الساهر، وعنه قالت الإعلامية والشاعرة البحرينية بروين حبيب عن مشاركته بمهرجان المربد بالبصرة: "إن المربد كان بحاجة لخيّال وها هو قد جاء خيّاله". هو أديب شمولي شاعر وكاتب قصص مسرحية، وقد نال العديد من الجوائز ومنها جائزة الشاعر الروسي "بوشكين" عن فيلم (عريس ولكن)، "يدعو الله أن يُنعم عليه بنعمة التواضع كلما تزاحم الناس للتصوير معه واحتضانهم له أينما حضر وكأنه الأخ والابن والصوت المعبر سواء بقصائده الوطنية أو الوجدانية، وما أكثر ما أطربنا بها الفنان المتألق كاظم الساهر وغيره من الفنانين العراقيين والعرب، إنه أسير حب العراق الشاعر كريم العراقي الذي التقيناه بالحوار التالي. 
 
• كم هو طول عشرتك بكريم العراقي الشاعر؟
قد تعود صحبتنا إلى العقد الأول من حياتي أي قبل بلوغي العاشرة بقليل، عندما راودتني الرغبة بكتابة ما يشبه الإعلانات التلفزيونية مغذياً مفرداتها بمستلزات واجباتي المدرسية كالمبراة والممحاة والقلم فكانت أولى قصائدي كترنيمة بسيطة، لأني بدأت بترديدها بنغم من خواطري ضابطاً الإيقاع بالضرب على حقيبتي ليردد أصدقائي اللحن معي، وأنا دون العاشرة بدأت القراءة والعمل بإحدى المقاهي في العطل المدرسية، مصغياً للأغاني التي كان يصدح بها المذياع لإمتاع روادها وسرعان ما كنت أحفظها وأرددها، وبدأ الزبائن يطالبوني بغناء الأغاني الشعبية مما رسخ لديّ مهارة ضبط الإيقاع والوزن للألحان، وأخذني الفن لعالمه، وكنت أحرص على قراءة المجلات المتخصة فيه، وحتى (العيدية) كنت أشتري بها الكتب كالقصص المقتطعة من ألف ليلة وليلة مثل الزير سالم، وأعود لقراءتها بأسلوبي لأصدقائي الأطفال منمّياً أسلوبي بالصياغة والكتابة، فبات الإيقاع، الوزن، اللحن والحكاية هي أقرب المفردات لقلبي رغم المواجهة السلبية من الأقارب لدرجة الاستهزاء، وكل ذلك كان بدافع ذاتي دون أي توصية من أحد.
 
• وهل جاءت الشهرة بزمن مبكر أيضاً، وكيف تبلورت هواياتك لمهنة؟
نعم عُرفت سريعاً كمؤلف للأغاني وكانت البداية في المرحلة الإعدادية بأغنية للأطفال (يا شميسة) وغنتها المطربة مي أكرم بتلحين خزعل مهدي، وأحبَّ الأغنيةَ الكبارُ قبل الصغار، وفاقتها شهرة أغنية (جنة جنة والله يا وطنا) وهذه انتشرت بعموم الوطن العربي، ومتواصلاً بكتابتي للقصائد الفصحى والشعبية والحر والقصة، وأدين بالشكر لأستاذي الدكتور حسن الشرع الذي كان قد خصص لي عشرة دقائق أسبوعياً بدرس المطالعة لقراءة كل جديد من كتاباتي، وهذه اللفتة زادتني جرأة وتجاوزت بذلك الخجل الذي كان يتملكني. ونصحني أستاذي بالتركيز على الكتابة لتنوعي الموسع بها، ولكني لم أتمكن لأن هذا التنوع ظل ملازماً لي، وحتى هذا اليوم أنجزت اثنين وعشرين فيلماً سينمائياً وآخرها فيلم (شباب شياب) للمخرج ياسر الياسري الذي عُرض قريباً بكل دور السينما الإماراتية، وسبق أن عرض لي ببغداد ثلاثة أفلام منها (عريس ولكن)، (الخياط المرح) وهو للأطفال.
 
• هل حققت الموهبة والقراءة كل هذا التميّز؟
الموهبة أولاً، فالقراءة لها الفضل الأكبر، لكن معاناتي والتجارب المؤلمة في حياتي أعطتني مؤونة داعمة لأفكار متنوعة وعميقة الأبعاد، فما أصاب بلادنا من ظروف قاسية جداً انعكس على المجتمع ومصيره، ومنها طول الفترة الزمنية التي قضيتها بالخدمة العسكرية ولثمان سنوات ومنذ عام 1980، تعرفت خلالها على الصديق كاظم الساهر الذي كان بالمسرح العسكري وأنا بالبرامج العسكرية، كنا نلتقي خلال وجودنا بالإذاعة وكان يومها ببداية مشواره الفني بينما كنت قد سبقته بشوط كبير، وقد سجلت في تلك الفترة أربع أغانٍ للمطرب المشهور سعدون جابر، ومنها الأغنية الرياضية (هلا بيك هلا)، و(أمي يا أم الوفا) ألحان الفنان بليغ حمدي، ثم أغنية (خسرتك يا حبيبي) لصلاح عبد الغفور، وكتبت لكافة المطربين العراقيين أشهر الأغاني، لكني بنفس الوقت كنت متابعاً لخطوات كاظم الساهر وكنت أرى فيه التميّز ليس فقط بصوته بل بأدبه وخلقه العالي. 
 
• كيف تطورت العلاقة لتنتج هذا الثنائي المبدع؟
بعد أن غنى كاظم الساهر أغنيته الجريئة الشهيرة (الحية) والتي منعت لمفرداتها الجديدة المختلفة عن طابع الأغنية العراقية الرومانسية حسب قرار لجنة إجازة الأغاني، وتلمست فيه خامة الصوت المبدع، يومها كنت قد التقيته بمقهى الإذاعة ووعدته بأني سأخرجه من هذه المرحلة بعد منع أغنيته وبهذا الوعد بدأت مسيرتنا الثنائية المميزة. وبحكم تميزي بكتابة مقدمات المسلسلات منها مسلسل "الأيام العصيبة" جاءني تكليف لكتابة مقدمة مسلسل (ناديا) للمخرج القدير صلاح كرم والمؤلف معاذ يوسف وألحان جعفر الخفاف، فاقترحت على المخرج إمكانية غناء المقدمة من قبل مطرب شاب أعجبت به وهو كاظم الساهر لأول مرة أقترح اسم المطرب لمقدمة مسلسل، بينما كان المخرج متحمساً لرياض أحمد أو محمود أنور الأكثر شهرة يومها، فاشترط سماعه وهو يؤدي المقدمة لقبول الترشيح، وجاءت النتيجة رائعة بأداء المقدمة ليحقق بها كاظم الساهر النجاح الساحق جماهيرياً وأعقبته مباشرة بترشيحي له لأداء مقدمة مسلسل الكنز بطولة الفنان خليل شوقي وبدأت الرحلة مع الفنان كاظم الساهر. جزاء لهذا كُرم الفنان كاظم الساهر بأول سفراته الفنية لعمان بتوجيه الدعوة لي للبقاء معه لمدة أسبوع واحد وإذ بالأسبوع يمتد لأكثر من عشرين سنة برحلة تغرب عن الوطن ولهذا اليوم. 
 
• كيف صار التناغم بين الكلمة واللحن والصوت الشجي؟
التقينا معاً بمشوار فني صعب شهد وشاهد كل منا دموع الآخر، وتألمنا لآهات بعضنا، كتبنا كلمات الأغاني بأقسى المواقف، ففي يوم كنا معاً وأنا أكتب قصيدة (ها يا عرب) بملجأ الصالحية والقصف فوقنا على أشده، وقصيدة (تذكر) التي نال عليها كاظم الساهر جائزة اليونسيف وجميعها من ألحانه وغنائه، جاء فيها:
تذكْر كلما صلْيت ليل.. ملايين تلوك الصخرَ خبزا.. على جسر الجراح مشت وتمشي.. وتلبّس جلدها وتموتُ عزاً... تذكر قبل أن تغفو على أي وسادة... أينام الليل من ذبحوا بلاده؟
فإنما بكتاباتي وبصوت صديقي الفنان كاظم الساهر أوصلنا تأوهات شعبي للضمائر الحية
وتنوعت كتاباتي له بين موال الغربة الذي يعشقه الشاعر الكبير نزار قباني، وتحديداً موال (يا دنيا أنت اللي حرمتيني من أهلي)، الذي خصني برسالة بخط يده وضعتها بمقدمة ديواني الشعري الذي طبع بالإمارات عام ألفين بعنوان (أغاني وحكايات)، حيث كان قد أعلمني بشغفه بهذا الموال الذي كان يذكره بحبيبته وزوجته الراحلة بلقيس.
 
• وكيف هو طعم الحياة بعيداً عن العراق؟
مواقف الإمارات الإنسانية هونت علينا مرارة الغربة؛ فمثلاً يوم فوز الفريق العراقي بكأس شباب آسيا عام 2007، وبالرغم من أن الحرب في العراق كانت بأوج مراحلها، لكن فريقه نجح في تحقيق الفوز المشرّف، ولكن ظروف الحرب جعلت الاحتفال بالفوز صعباً، لتأتي إنسانية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد لتعوض الفريق وتكرمه، حيث قام سموه بالإيعاز للفريق بأن يعتبر الإمارات بلده الثاني ويحتفل فيها بفوزه، وكتبت بهذه المناسبة أغنية (جيب الكأس جيبَ) لأشكر فيها الإمارات شعباً وقيادة على موقفهم النبيل هذا.
كما أن أغنية "تذكر" تشهد لموقف عظيم ومشرف تاريخياً لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد حفظه الله ورعاه، فحال سماعه لها أوعز بإرسال سفينة محملة بالأدوية لأطفال العراق. ولم يكن هذا الموقف بغريب على الإمارات وعلى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد الذي سئل بأقسى مراحل حرب العراق فأجاب قائلاً: "إن العراق في عقولنا وضمائرنا ويكفينا فخراً أنه من العراق انطلقت أوزان الشعر".
 
• كيف عبرت عن انتمائك للعراق وأنت بعيد عن ديارك؟
بالكلمة الصادقة النابعة من القلب وبكل مناسبة عشتها بعيداً عنه، بالفرح تارة، وبالحزن مرات أنادي ضد الحروب والقتل بغير ذنب للأبرياء، وأصرخ بقصائدي مندداً بسرقة ثرواته وحقوقه بغير وجه حق، مترنماً بصباحات أطفاله المختطفة وتجويعهم وهم أبناء خير وعز، وقصيدتي (الشمس شمسي والعراق عراقي) أضحت غنوة على لسان كل العراقيين، بل شعاراً خُطت كلماته عالياً بمطار بغداد الدولي، في أحلك المواقف كتبت للعراق وأنا تحت القصف بمواقع القتال أو بملاجئه، وصلت كلماتي لكل عراقي شريف حتى أن التصوير معي أصبح مبتغى كل من يصادفني كلما سرت في شوارع بغداد، وأذكر أنني صادفت امرأة مسنة في الدنمارك وصرخت من أعلى السلم المتحرك في أحد مراكز التسوق قائلة: "إلى متى يا كريم العراقي يبقى العراق جريحاً وما زلت تمنينا بقصائدك بالفرج"؟، أجبتها بحسرة: "حجية ما بيدي شيء لننتظر الفرج من الله". جدت بكتاباتي عنه وبكل موقف حتى بدائرة الهجرة بالسويد فبينما كنت ملزماً بالارتباك لتلقي قرار اللجنة التي تجهل تاريخي ومكانتي في بلادي، فإذا بأحد المنتظرين معي يباغتني بالسؤال قائلاً: "كريم العراقي مهاجر، فمن بقي بالعراق؟"، فأثار فيّ الموقف الشجن وكتبت عنه قصيدة (في دائرة الهجرة).
بالأمس رأيته في دائرة الهجرة رأيته...
المتعب الجريح مدمن الحروب رأيته...
 رآه كل الناس حاملاً أوراقه...
تقدم العراق طالباً مرحمة اللجوء..
صار العراق خارج العراق
مخلفاً وراءه النيران والدخان
مخلفاً وراءه جمجمة الحضارة..
فإن مشاعري نحو العراق كعنصر سريع الاشتعال لدرجة أني أحصيت قصائدي عنه تبين أنها أكثر من قصائدي الوجدانية.
 
• ما هي مستجداتك بالكتابة والشعر؟
أقوم حالياً بتجميع قصائدي غير المنشورة مستنجداً بأصدقائي ليرسلوها لي لأني لم أحتفظ بأغلبها لإصدارها بمؤلف لتوثيقها  كتابة وتسجيلها بصوتي كما يتطلب زمان اليوم، وكتابتي لديوانين بآن واحد إضافة لكتابتي لقصائد قصيرة تتماشى مع متطلبات مواقع التواصل الاجتماعي والحداثة.
ولا يفوتني أن أذكر جدي الذي كان يعمل حارساً ببستان على دجلة، بالكثير من العرفان لِما استلهمته منه ومن حكاياته ومنها اعتزازي بالتاريخ.
 
التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم