في ضيافة مرامي

هنادي صالح اليافعي:

هنادي صالح اليافعي: "أمي" تعبها فاق تعبي لأكون ما أنا عليه...


مديرة إدارة سلامة الطفل


لم تتكل على طموحها فقط للنجاح، ولكن الأهم من ذلك هو تخطيطها لتحقيق الطموح، وقد أثبتت ضيفة مرامي الأستاذة هنادي اليافعي مديرة إدارة المجلس الأعلى لشؤون الأسرة ورئيسة اللجنة التنظيمية لحملة سلامة الطفل، جدارتها بذلك، بل وعرفت ما المطلوب منها بكل مرحلة وخططت لتحقيقه، فحتى بعد أن تبوأت منصباً وظيفياً مميزاً مديرَةَ إدارة المجلس الأعلى لشؤون الأسرة، لم تتوانَ بالعودة لمقاعد الدراسة الجامعية من جديد لنيل الدبلوم المهني لحماية الطفل عند شعورها بالحاجة للارتقاء بمعرفتها العلمية بعد تكليفها بترؤس حملة سلامة الطفل، وكما قال نابليون: "الإرادة القوية تقصر المسافات"، وها هي تنعم بثمرة نجاحها وهي لم تزل في بواكير شبابها، فلنقرأ قصتها مع النجاح عبر الحوار التالي.
 
•بمن تمثلتِ كقدوةٍ أبهرتك مسيرتُها عن قُرب؟
خبرت معنى الشغف بالعلم والدراسة من أسرتي ككل ووالدتي (شيخة محمد السوقي) تحديداً، التي اضطرت للتوقف عن الدراسة لزواجها بسن الثانية عشرة لتلبية متطلبات البيت والأسرة، ولكن شغف التعلم بقي كامناً في داخلها ولم ينطفئ وعاد للتوهج ولو بعد سنين عديدة، إذ عادت للدراسة المتوسطة وتخرجت من الثانوية والتحقت بكلية الحقوق وحققت ما كانت تتمناه، فكان ذاك دافعاً أمامي للاجتهاد فتخرجت من كليات التقنية العليا لدراسة (Graphic design) بكلية الإعلام وتخرجت بمرتبة امتياز، وقد تداخل مع هذا الحافز دعم الدولة ومساندتها لأبنائها بشتى السبل والإمكانات اللامحدودة للمضي بمسيرتهم العلمية، كل هذه الإيجابيات أسهمت بصقل شخصيتي وتغذية طموحي لأحقق ما حققته وسأحققه بمشيئة الله.
 
• إلى أين أخذك تخصصك العلمي بكلية الإعلام؟
رغم أني بدأت العمل بتخصصي العلمي تصميم الجرافيك ووفقت بوجود قسم متكامل وذلك بنادي سيدات الشارقة بعد عملي بنادي سيدات دبي، ولكن لم يعد التخصص العلمي قادراً على فرض مسار مهني معين على المرء، فالسبل الكفيلة بتطوير المهارات والتخصصات المعرفية المتنوعة باتت ممكنة بوجود الطموح والإرادة، لذا بعد أن رُشحت لمنصب مدير إدارة المجلس الأعلى لشؤون الأسرة ارتأيت أنها فرصة وتحدٍّ عليّ الاجتهاد لخوضه، ولم أفوت أي طريقة أو وسيلة لتعلم متطلبات التكليف سواء من الناس المحيطين بي في المكان نفسه، أو الرؤساء الموقرين ممن سبقوني بالإدارة  في المجلس ممن لهم بصمة واضحة في تطوير إدارات المجلس في السنوات السابقة، مثل الأستاذة صالحة غابش التي غمرتني بتعاونها الكريم معي، والأستاذة موضي الشامسي، وبتعاون الجميع معي وكأنهم عائلتي الثانية سارت الأمور أفضل ما يكون ثم أوكلت لي مهمة رئاسة اللجنة المنظمة لسلامة الطفل.
 
•كيف تدبرت الأمور بشأن التكليف الثاني الذي أدخلك عالماً ثانياً، عالم الطفل؟
لي ثقة أكيدة بأن التعلم ليس له محطة توقف، وقطاره سائر دون توقف؛ فالاحتياجات التعليمية تتولد فينا يومياً ما حيينا. فلم يكن لي أي خبرة بالتعامل مع الطفل سوى خبرتي بتربية أطفالي واجتهادي الشخصي بقراءة الكتب المختصة بالطفل كأم، ورغم تخوفي بداية إلا أنني أحببت المهمة ورأيت فيها فرصة ستثري خبراتي المهنية خصوصاً، ولأكون أهلاً للثقة التي منحتني إياها سمو الشيخة جواهر منذ البداية، هذا أعطاني حافزاً لتولي المهام، خصوصاً أنني أيضاً أم لثلاثة أطفال (سارة ١١ سنة، محمد ٩ سنوات، وشيخة ٦ سنوات)، وأعلم مدى حرص الأم لتوفير الحماية لأطفالها بشتى الطرق، فلا أنظر لوظيفتي على أنها التزام ينتهي بانتهاء الدوام الرسمي، ولا أتقيد بتنفيذ متطلبات العمل ضمن ساعات العمل الرسمي، ولكني أتحمل مسؤولية مجتمعية للحفاظ على كل طفل على أرض بلادي في أي وقت، فبدأ العمل بتشكيل لجان وفرق خارجية للعمل وحددت مهامها ونشاطاتها وكيفية تنفيذ الزيارات الميدانية، إعداد المواد العلمية المعتمدة فيها، الإشراف عليها وتقيمها؛ وبدأنا العمل وبتعاون مستمر مع الأستاذة موزة الخيال - مديرة تطوير الأعمال لفروع نادي سيدات الشارقة، التي عملت معي في البداية كمستشارة بالحملة والوجود معي في معظم الزيارات الميدانية بإمارة الشارقة، المنطقة الوسطى والشرقية، خصوصاً أن مهام الحملة تتطلب تأسيس الكثير من العلاقات مع الجهات المحلية، فأسعدني العمل بهذا الجو وبالأكثر سعدت بما كنا نحققه يوماً بعد يوم، ولزيادة معرفتي بهذا التخصص تقدمت للحصول على الدبلوم المهني لحماية الطفل بجامعة الشارقة الذي كان من إعداد دائرة الخدمات الاجتماعية  وتخرجت منه بمعدل امتياز، وقد تولدت لدي رغبة لتنمية قدراتي العلمية بتخصص يتعلق بالطفولة وأنا عازمة على نيل الدكتوراه في يوم من الأيام بإذن الله، وآمل أن يكون كل العاملين معي متأثرين بشغف التعلم ومنهجيته لأنها أهم متطلبات التقدم بالعمل وتحقيق أفضل الإنجازات.
 
•كيف تولدت فكرة حملة سلامة الطفل التي توليتم رئاستها؟
الفكرة من بنات أفكار سمو الشيخة جواهر القاسمي بعام 2011، فقد عودنا صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان القاسمي وقرينته سمو الشيخة جواهر القاسمي على تبني مثل هكذا أفكار للاهتمام بالأطفال وكل ما يتعلق بالأسرة، وهي حملة توعوية بالكامل وتهدف لضمان سلامة كل الأطفال المقيمين على أرض الشارقة ومنذ الولادة وحتى سن الثامنة عشرة، وهي تهدف لتوعية أولياء الأمور كذلك لدورهم الكبير بتحقيق أهداف الحملة، وتشتمل الحملة على مبادرات توعوية بكل ما يختص بسلامة الطفل، سواء كانت جسدية أو نفسية، صحية، اجتماعية أو ثقافية؛ لأنها ستشتمل على كل ما يخص سلامة الطفل بالشارقة أو بأي إمارة أخرى يكون لنا القدرة في تعزيز الوعي فيه، وأول مبادرة تضمنتها الحملة كانت التوعية لاستخدام مقاعد السيارات للأطفال وذلك عام 2011، وعليه فإن سمو الشيخة جواهر القاسمي كانت من الأوائل الذين حثوا على أهمية وجود قانون يحمي الطفل في المركبة ويلزم الأهالي باستخدام مقاعد السيارات للأطفال، وذلك بمخاطبات رسمية مع وزارة الداخلية بأهمية وجود قانون يحمي الطفل بالمركبة بتوفير مقاعد وحزام الأمان للطفل، وتحقق إصدار هذا القانون في الشهر السابع من عام 2017 وقد وزع ألف كرسي مجاني للأسر الفقيرة والمستشفيات كأول دعم لتنفيذ المبادرة، وبعد صدور القانون تم توزيع ثلاثمائة كرسي لتعزيز مكتسبات القانون، وكان مستوى تفاعل عموم الأسر مع القانون إيجابياً ومبشراً بالخير.
 
•وكيف توالت مبادرات حملة سلامة الطفل؟
جاءت المبادرة الثانية التي تخص الإساءة الجسدية للأطفال، وقد استهدفنا بهذه المبادرة واحداً وثلاثون ألف طفل وأولياء أمورهم خلال سنة وقمنا بتنفيذ اثنين وتسعين فعالية مختلفة؛ إذاعية، ورش عمل، ومحاضرات، سينما للأطفال وخطب الجمعة، وقد ضُمنت كل هذه الفعاليات بتقرير قُدم لسمو الشيخة جواهر القاسمي وأبدت ملاحظاتها البناءة لتعزيز أثر هذه المبادرة، ورفعت توصيات للجهات التي عملت معنا لتنفيذ المبادرة، والتي تقدر بثماني عشرة جهة، منها دائرة الخدمات الاجتماعية، الشرطة المجتمعية التابعة لقيادة شرطة الشارقة، جامعة الشارقة، مؤسسة دبي لرعاية الأطفال والنساء ووزارة الداخلية، ولكل مبادرة جهات خاصة يمكن أن نتعامل معها لتتعاون معنا حسب تخصصها.
 
•كيف يتم اختيار هذه المبادرات؟
يأتي اختيارها وفقاً لمتطلبات المجتمع ووفقاً لدراسات وإحصائيات من الجهات المعنية كالقيادة العامة لشرطة الشارقة وضرورات المبادرة، فهذا العام تم تبني مبادرة الأمن الإلكتروني للأطفال، وتأتي أهمية هذه المبادرة بعدما أمست أجهزة المحمول والأجهزة اللوحية الذكية بمتناول الأطفال بدرجة كبيرة، فنحن لسنا ضد هذا وليس باستطاعتنا منعه لكن بإمكاننا تعزيز الوعي لدى أولياء الأمور للمتابعة وتوجيه الطفل، حيث إن الطفل بعمر سبع سنوات قادر على استيعاب النصيحة وفهمها وتقبلها وبهذا السياق نفذنا أكثر من ثلاثمائة وخمسين ورشة بإمارة الشارقة، ويسعدنا أننا إلى الآن نتلقى طلبات لتنفيذ الورش من جهات اتحادية أو مداس لتنفيذ مثل هذه الورش.
وقد تم تقديم الورشة المعتمدة عن هذه المبادرة بهيئة لعبة ثلاثية الأبعاد، فبدخول بوابة هذه اللعبة الإلكترونية ستقودهم لعالم مليء بالنصح والتوجيه الإلكتروني، لكن بشكل غير مباشر، وبوجود المحاضر في الورشة سيساعدهم على تخطي مراحل اللعبة منذ اختيار كلمة سرية لولوج عوالم اللعبة، ومن خلال اللعبة سيتعرضون لمواقف مختلفة تكسبهم مهارات وتوجههم للتصرف السليم مثل كيفية التعامل مع شخص غريب يريد التحدث معهم.
 
•كيف جاء اختيار لعبة إلكترونية للتوعية السلوكية لدى الطفل؟
لعبة سالم من تصميم هيئة تنظيم قطاع الاتصالات التي تعتبر شريكاً مساهماً في تنفيذ المبادرة، حيث كانت منهجيتنا بالتوجه للطفل باستخدام مواد تحاكي طبيعته وميوله بحيث يتم إيصال المعلومة للطفل بطريقة شاملة. وابتعدنا عن طرح المعلومة للطفل بالأسلوب التقليدي كالمحاضرات، وذلك عملاً بتوجيهات سمو الشيخة جواهر القاسمي بعدم دفع الطفل للملل بطريقة توصيل المعلومات له بل بالعكس علينا اعتماد الطرق الكفيلة بشد انتباهه، و "سالم" يمثل الشخصية الإماراتية الإلكترونية التي تم تصميمها من قبل الهيئة، ونحن ماضون بتنفيذ ورش إلكترونية مماثلة تخدم نفس الغرض لإدخال الطفل بطريقة آمنة وبوعي كافي إلى عالم الإلكترونيات ومن أول خطوة، لثبوت فاعليتها ولتجاوب الأطفال معها بشدة.
 
•هل فكرتم بتسويق هذه اللعبة كما تسوق قصص الأطفال التوجيهية؟
نعم لقد راودتنا هذه الفكرة والآن بالتعاون مع هيئة تنظيم الاتصالات نعمل على ترويج شخصية "سالم" الإلكترونية، لأن هذه الشخصية لا يقتصر امتلاكها للعبة فقط بل لديها مكتبة نموذجية وأشياء أخرى تتعلق بمقتنيات الطفل وجميعها يمكن الدخول إليها عبر موقع إلكتروني خاص بها. والمشرّف بالموضوع أن كل هذه المبادرات وسبل تنفيذها هي جهود وطنية وكلها تستهدف الطفل سواء كان إماراتياً أم من أي جنسية أخرى يقيم بالإمارات، ونحن الآن بصدد اختيار مبادرة جديدة للعام القادم وقد تكون عن "سلامة الطفل في المنزل" من الحوادث.
 
•كيفية الحصول على التغذية الرجعية لتقييم هذه المبادرات؟
لدينا ثلاث مراحل لتقييم المبادرة وهي؛ ما قبل وما بعد وفي الوسط تكون الورشة، وذلك لمعرفة مدى استفادة الطفل بملاحظة تغيّر الأجوبة لديه، ففي حالة الإساءة الجسدية زاد الوعي لدى الأطفال بنسبة 15% لدى الفئات المستهدفة التي قدر عددها بثلاثة آلاف طالب، والتقييم الوسطي يتضمن تقييم الورشة حال انتهائها باستبيانات مخصصة لهذا الغرض.
 
•في نهاية الحوار، ما الذي تودين أن تقوليه للسيدة الوالدة؟
لا أجد أي تعبير كلامي يوفي "أُمي" حقها للشكر والامتنان، فربما تعبها يفوق تعبي لأكون ما أنا عليه، فقد تحملت الكثير من الجهد بكل مرحلة من مراحل دراستي بدءاً بمهمة توصيلي للمدرسة والكلية بدبي وإعادتي للبيت، إعانتي بتنفيذ المشاريع الدراسية والسهر معي لوقت متأخر ليلاً لإنجازها، ليس لي فقط بل كانت الصدر الحنون مع أطفالي عند انشغالي عنهم بالعمل أو الدراسة، وجهدها ما زال متواصلاً معنا، "أمي" هي الأم والأخت وشريكتي في كل جهد ومن حقها نصيب كبير من نجاحي.. ليحفظها الله ويرعاها.   
التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم