صحتك تهمنا

التمرينات السريعة المتقطعة وحقيقتها

التمرينات السريعة المتقطعة وحقيقتها



أحياناً تشاهد صديقاً لك لم تشاهده منذ فترة طويلة وتراه قد أحدث تحولاً مدهشاً في جسده؛ حيث تخلص من كتل الدهون والترهلات التي كانت تصاحبه في مناطق جسمه كافة، ولاسيما في منطقة البطن والجذع والحوض والصدر، وقد حلت محلها عضلات قوية تعمل بكفاءة وتساعد على استهلاك كميات السكر والدهون العالية التي كانت تتراكم في شرايينه بعد كل وجبة.
كان صديقي حسن يعاني من مرض السكري من النوع الثاني، الذي اكتسبه بالوراثة، وبدأ حسن وكأنه تائه في رحلة البحث عن حلول لمعاناته المزمنة مع مرض السكري، طبعاً الحلول والنصائح كلها كانت تتمحور حول تعديل النظام الغذائي والالتزام بحمية خاصة لمرضى السكري، إضافة إلى ممارسة التمرينات والأنشطة البدنية الهوائية ذات الشدة المنخفضة والمتوسطة والتي كانت بالنسبة لحسن مملة وغير مجدية، وتحتاج إلى وقت والتزام، إضافة إلى الأدوية التي كانت تشعره بالتعب والإرهاق. 
وكانت المفاجأة وراء سر فقدانه للدهون والتوقف عن استخدام أدوية السكري بكل أشكالها، في تعديل نمط حياته، واللجوء إلى ممارسة التمرينات والأنشطة البدنية، ولكن بشكل قصير وفعال وسرعة وشدة عالية قدر المستطاع وبطريقة صحيحة وسليمة تفادياً لحدوث أي إصابات أو مشاكل صحية.
فالسر الذي ساعد حسن على التخلص من الدهون والتغلب على السكري من النوع الثاني يكمن في التمرينات البدنية المكثفة لفترات قصيرة، حيث تعد بديلاً آمناً وفعالاً وبديلاً عن التمرينات التقليدية لاسيما لمن يرغب في خفض الدهون وتعزيز الصحة ولا يملك الوقت، وسوف يساعد أداؤها على تبني أسلوب حياة صحي أكثر، والجميل في تلك التمرينات المكثفة أنه من الممكن ممارستها في أي مكان (المنزل، المكتب، ...) دون تخطيط مسبق ويمكنك أداؤها وأنت أمام التلفاز تتابع برنامجك المفضل.
السبب الذي دفعني لكتابة هذه المقالة أن هناك العديد من النظريات في علم فسيولوجية الجهد البدني قد تغيرت بناء على ما أثبتته نتائج الدراسات والأبحاث العلمية المحكمة، إضافة إلى أننا أصبحنا في هذا العصر حبيسي المكتب والأجهزة الإلكترونية ونعيش على كبسة زر دون أي حركة، وكما هو معروف فإن هذا النمط الخامل يؤدي إلى الإصابة بالعديد من الأمراض والمشاكل الصحية، وهي ما يطلق عليها أمراض قلة الحركة (السكري من النوع الثاني، السمنة، ضغط الدم، أمراض القلب وتصلب الشرايين، هشاشة العظام، السرطان) لأن طبيعة التكوين الفسيولوجي للجسم البشري تخضع لمبدأ وقاعدة فسيولوجية "قلة الاستخدام تؤدي إلى فقدان الوظيفة" us it or lose it ".
كلنا يعلم أنه لكي نحقق مميزات حرق الدهون بالجسم وخفض الوزن علينا ممارسة أنشطة بدنية معتدلة إلى متوسطة الشدة، مثل (الأيروبيكس) أو ممارسة أنشطة بدنية هوائية مثل الجري الخفيف والمشي لساعات ولكن إلى أي مدى يعد هذا الادعاء صحيحاً حقاً؟
في المقابل تشير الدراسات إلى أن ركوب الدراجة لبضع دقائق وبشدة عالية قد يسهم في تقليل عوامل خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني، وكذلك خفض دهون الجسم، ولاسيما الدهون الحشوية المحيطة في منطقة البطن (الكرش).
يقول عالم الاقتصاد جون ماينادر: "عندما تتغير الحقائق أغير رأيي"، فعندما تجرب هذه التمرينات حتماً سوف تغير رأيك؛ فالتمرينات التقليدية باتت مضيعة للوقت في عصر السرعة، إن ممارسة التمرينات المكثفة لفترات قصيرة حتماً ستقدم لكم العديد من الفوائد عند مقارنتها مع التمرينات التقليدية. 
كيف تؤدّي التمرينات المكثفة، وما الفرق الذي تحدثه مقارنة مع التمرينات التقليدية؟
أظهرت معظم الدراسات أن التمرينات المكثفة تؤدّي إلى ما يأتي:
•تحسن وترفع لياقتك البدنية بشكل أفضل، وبوقت أقصر من التمرينات التقليدية.
•خفض نسبة الشحوم بالجسم، ولاسيما الدهون الحشوية (دهون البطن).
•سوف تحسن من حساسيتك للأنسولين أكثر من التمرينات التقليدية، لأنها تؤدي إلى تقوية العضلات مما يسهم في تحسين استجابة العضلات للأنسولين لأن العضلات تعد أكبر مستهلك للسكر.
•تساعد على زيادة الكتلة العضلية في الجزء العلوي والسفلي من الجسم من خلال زيادة عدد المايتوكندريا (بيوت الطاقة، أفران الحرق) وبالتالي خسارة الدهون وفقدان الوزن بشكل أسرع. 
•رفع معدل التمثيل الغذائي في فترات الراحة (سوف تحرق دهون جسمك حتى وأنت نائم).
أحد الأسباب التي تجعل التمرينات المكثفة تحدث تغيرات كبيرة وجوهرية في وقت قصير هو تأثير التمرينات العالية الشدة على مقدراتك، والمقدرات هي مصانع القوة الأساسية في جسمك، فهي تعمل على تحويل المواد الخام مثل الأوكسجين (O2) والجلوكوز إلى حزم صغيرة من الطاقة تسمى ثلاثي فسفات الأدنوسين (ATP)، وهذه الطاقة تستخدم لتقوية الجسم كما أنها تساهم بتضخم عضلة القلب فتصبح أكبر وأكثر كفاءة واقتصادية بالعمل.
ومع ذلك فالتمرينات البدنية شأنها شأن الحميات الغذائية؛ فهي محاطة بالعديد من المفاهيم والادعاءات الخاطئة، فهناك فجوة كبيرة وتباين واضح ما بين علم التمرينات البدنية وما يحدث فعلياً داخل الصالات الرياضية، وبناء على ما أظهرته الدراسات والأبحاث سوف نجيب عن أهم التساؤلات المتعلقة بحقيقة التمرينات الرياضية.
•كيف نستطيع أن نكتسب اللياقة البدنية خلال دقائق معدودة؟
•لماذا يستفيد بعضهم من ممارسة التمرينات البدنية أكثر من غيره؟
•لماذا نادراً ما تؤدي ممارسة التمرينات الرياضية منخفضة الشدة مثل (المشي، والجري ...) إلى إنقاص الوزن؟
إن التساؤل الأخير قد يبدو أكثر طرحاً وإثارة للدهشة وتثبيطاً للعزيمة، لأن السواد الأعظم من البشر ينضم إلى المراكز الرياضية، ويبدأ ممارسة التمرينات البدنية على أجهزة المشي (السير المتحرك أو الدراجة الثابتة) إيماناً بأن هذه التمرينات سوف تساعدهم في إنقاص الكيلوجرامات الزائدة وخفض الوزن والتخلص من الدهون والترهلات. 
من خبراتي الشخصية كنت أتمنى لو أن الأمور كانت بهذه البساطة، فكل يوم تثبت لنا الدراسات أن ممارسة التمرينات الرياضية التقليدية منخفضة الشدة مثل (المشي والهرولة) نادراً ما تؤدي إلى إنقاص الوزن وتقوية العضلات، في المقابل فهي جيدة ومفيدة للصحة العامة وتعزيز صحة العظام وتحسين جودة النوم الليلي وتحسين المزاج...
كيف تعمل التمرينات المكثفة على حرق الدهون؟
•عندما تزيد من شدة التدريب، فإنك تبني كتلة عضلية أكبر وأكثر نشاطاً في القيام بالتمثيل الغذائي، ونظراً لأن العضلات تجيد حرق الدهون (كل كيلوجرام من العضلات يحرق يومياً ما يعدل 100 سعر حراري حتى في حال الاسترخاء، بينما لا تحرق الدهون شيئاً يذكر) فإن إجمالي استهلاك السعرات الحرارية يرتفع لديك، وهذا يحدث في الأساس لأن التمرينات المكثفة تجعل خلايا العضلات تصنع عدداً أكبر من المتقدرات الجديدة وهي مصانع القوة التي تحول الدهون إلى طاقة وحرارة، والمتقدرات لا تعمل على حرق الدهون فحسب عندما تمارس التمرينات ولكنها تستمر في القيام بذلك لبعض الوقت عندما تسترد عضلاتك عافيتها في وقت الراحة.
•يؤدي جهد التمثيل الذاتي الذي سببته التمرينات المكثفة أيضاً إلى زيادة كبيرة في توليد الكاتيكولامينات؛ وهي هرمونات مثل الأدرنالين والنور أدرينالين، والتي تؤدي إلى حرق الدهون بصورة أعلى بكثير، حيث ترتفع نسبة الأدرنالين والنور أدرينالين إلى 1450% بعد جلسة من التمرينات المكثفة ويصبح حجم الاستجابة أكبر بكثير مما تحدثه التمرينات المعتادة (التقليدية) مثل المشي والهرولة أو ركوب الدراجة. 
•لماذا تؤدي التمرينات المكثفة إلى التخلص من الدهون في منطقة البطن (الكرش)؟ إن أحد الأسباب أن هناك عدداً من مستقبلات الكاتيكولامينات في دهون البطن أكثر من الدهون الموجودة تحت الجلد، ولهذا عندما تحصل على دفعة من الكاتيكولامينات بعد ممارسة التمرينات المكثفة، فإنها تستهدف دهون البطن فيزيد حرق الدهون من مخزون دهون الحشوية.
•كما تنشط الكاتيكولامينات الدهون البنية التي تقوم بحرق السعرات الحرارية وعندما تنشط تفرز الدهون البنية قدراً أكبر من الطاقة بحوالي 300 مرة من أي عضو آخر من الجسم.
•كما أثبتت الدراسات أن التمرينات المكثفة تقلل الشهية لتناول الطعام بطرق لا تفعلها التمرينات التقليدية منخفضة الشدة، وتفسير ذلك يعود إلى أن التمرينات المكثفة تعمل على كبح عمل هرمون الجوع (الجريلين) وتنشط عمل هرمون الشبع (اللبتين).
ولكن البعض يعتقد بأن هناك مخاوف جسيمة متعلقة بممارسة التمرينات المكثفة عالية الشدة، وهو أنها تسبب أزمات قلبية أو سكتة دماغية، ولكن الحقيقة أن الدراسات العلمية أظهرت أن التمرينات المكثفة سوف تقلل من خطر حدوث ذلك كما أنها تساعد أيضاً على التعافي بسرعة أكبر بعد التعرض للأزمات القلبية، حين يتم أداؤها بأسلوب علمي صحيح وتحت إشراف مختصين ومؤهلين بهذا النوع من التمرينات. 

الطاقة المصروفة أثناء بعض الأنشطة البدنية التقليدية والسريعة المكثفة 

 

التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم