ريشة وقلم

انشر المقطع !

انشر المقطع !



على مقعدها الأثير في المقهى تجلس كريمة تقلّب هاتفها المحمول، تُحاول اللحاق بقطار المقاطع المرّرة الذي لا يتوقف، حتى أصبحت واحدة من أمنياتها –الكثيرة- في الحياة أن تفتح هاتفها فلا تجد فيه أكثر من عشرة مقاطع ينظرون إليها بتحدٍّ وتشفٍّ!. يبدو أن الناس لم يعد لها عمل في الحياة سوى تبادل المقاطع.
بدأت المشاهدة بملل، هذا مقطع يحثّ فيه الداعيةُ على صلاة الضحى، ثم يختمه بدعاءٍ لمن نشر المقطع. الثاني كان مشهدًا تمثيليًّا عن برّ الوالدين، ينتهي بجملة كبيرة تقول: ساعِد الوالدَين..انشر المقطع. التالي كان يذمّ السلوك الاستهلاكيّ ويدعو إلى الحرص والحكمة في الإنفاق، نظرت كريمة إلى مُرسلِه فوجدت أنها صديقتها المعروفة بالبذخ والمباهاة.. ضحكت بسخرية: لاشكّ أنها لم تشاهد ما مرّرتْهُ لي! ورمت الهاتف جانبًا.
ما الذي أصاب الناس؟ مَن الأولى والأهمّ: انشر أم طبّق؟ لقد غدت الدعوة إلى النشر وكأنها الغاية من كل ما نسمع ونقرأ؛ مما سبّب هذا البون الشاسع بين سلوك الناس المُلمّع على وسائل التواصل الاجتماعي، وسلوكهم الحقيقي. إنها ترى في التمرير خدعة نفسية كبيرة؛ فهو يُسكت ضميرنا باعتبارنا فعلنا ما علينا وانتهى الأمر، على حين أننا لم نطبّق حرفًا مما سمعناه! نعم.."الدالّ على الخير كفاعله" ولكن ما الذي يحدث حين نتحول كلنا إلى (الدالّ)! من سيكون الفاعل؟
تركت الهاتف بضَجرٍ، وأجالت النظر فيما حولها، و..يا للروعة! الطاولةُ التي أمامها يستقلّها طفلٌ صغيرٌ. ما الذي تفعله بها رؤية الأطفال؟ فجأةً.. يتلوّن كل شيءٍ حولها، وتشعر بالكون قد قرّر أن ينزِعَ رداءَه الرّتيب، ويتزركشَ بالبهجة والفرح!
 إذن، فلتترك كل شيء، ولْتستمتع ما أمْكَنها بهذا الطفل. إنه يجلس بجانب أمه التي يبدو أنها جاءت برفقة صديقاتها، يتلفّت يمنةً ويسرة ويحرك يديه ورجليه، لا يكاد يهدأ وهو يبحث عن شيءٍ جديد يُغري نهمَه ورغبته الفطرية في الاستكشاف والمتعة. لا غرو؛ فعمره لا يكاد يتجاوز العام والنصف كما قدّرَتْه كريمة. ها هي عيناه تلتمعان وهو يرى الأطباق تُصفّ على الطاولة أمامهم بمختلف الألوان والأشكال، يصرخ من فرط الانفعال، ثم يتناول ملعقةً ويجرّب ما يحدث حين يضربها على الأطباق المختلفة. كانت الفرحة تغشاه حتى غدا وكأنّه صورةٌ حيّةٌ للسعادة على صورة كائنٍ حيّ! أخذ يضحك من أعماق قلبه وهو يرى قطرات الصلصة الحمراء تتناثر أمامه بفعل ضربته. أغراه المحيطُ الثريّ حوله إلى أن يُعاود الكرّة مع طبق الشوربة هذه المرّة. كانت كريمةُ تتابعه وقد انتقلت لها عدوى سعادته وشغفه، فباتت وكأنها تستكشف كل شيء معه لأول مرة. نعم..كانت قد انغمست معه تمامًا حتى إنها لم تنتبه إلى نظرات صديقاتِ الأمّ المتقززة وتعليقاتهم المستاءة، ولا إلى وجه الأمّ المتضرّج إحراجًا، ثم إلى يدها التي امتدت لتُفرغ كل توترها وضيقها في ضربةٍ على يدِ هذا الكائن البريء!
نعم..لم تنتبه إلا عندما اهتزت الصورة أمامها فجأة، ورأت التحولات الدراماتيكية في وجه الطفل. طار كل أثرٍ للسعادة، وعلَتْه لحظة صدمةٍ لم يستوعب فيها ما حدث ولا لماذا حدث، ثم تغضّن الوجه الجميل بكل ملامح الحزن والقهر، وانفجر في بكاءٍ مرير. 
وكأنما أحدٌ أمسك قلب كريمة واعتصره بين يديه، شعرت بغصة كبيرة ورغبة في أن تصرخ: بأيّ ذنب ضُربت؟ إن هذا الطفل لا يمكنه أبدًا أن يفهم ما الخطأ الذي ارتكبه، ولماذا استحق هذا الألم، ولماذا تحوّل مصدر الأمان والحنان لديه -الأم- إلى مصدر للقسوة والألم؟ لن يفهم أننا نُبيح لأنفسنا أن نغتصب السعادة من أطفالنا فقط من أجل أن نحمي أنفسنا من بعض الإحراج!
لم تحتمل كريمةُ أن تبقى جالسةً أكثر، فقامت تتحامل على نفسها، خرجت من المقهى لتتنفس القهر بعيدًا.. بعيدًا عن عينَي طفلٍ مكسور. وقبل أن تخرج، رنّ هاتفها معلنًا وصول منشور جديد على الواتس أب، فتحته على عجل فرأته منشورًا تربويًّا يحذّر من ضرب الأطفال، نظرت تلقائيًّا إلى تلك الأم، ولوت شفتيها في سخرية:لا أستبعد أن تكون هذه الأمّ قد ساهمت في تمريره يومًا ما!

التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم