ريشة وقلم

المستشرقون في الفن التشكيلي

المستشرقون في الفن التشكيلي



ازدهرت بحوث الغرب لتاريخ الشرق بكافة تفاصيله وجوانب حياته من آداب، وعلوم، ولغات وآثار ومعتقدات في القرن السابع عشر ميلادي، حيث كان الشرق آنذاك يشع نوراً وحضارة من أقصاه إلى أدناه، في حين كان الغرب غارقاً في بحور الجهل والخرافة. وقد أثمر عن هذا التيار صياغة وتشكيل مفهوم غربي جديد عن الشرق والحضارة الإسلامية ومع أن الباحثين فيه كانوا من أماكن متفرقة من أوروبا إلى أنهم كانوا كشعب خاص به توحد أمام هذا العلم رغم أصوله وتشعباته ونتائجه.
وعلى الرغم من أن السجال كثر حول هذه الموجة على اعتبار أنها تبشيرية واستعمارية بحتة بسبب انفتاح الحضارة الغربية على الشرقية والتوغل بها، إلى أنها تركت بصمة مميزة على صعيد الفن التشكيلي من خلال تركيز بعض الفنانين الأوروبيين على ملامح الحضارة الشرقية وشخوصها وأنماط حياتها اليومية، وتحديداً في المدن التي استقبلت هؤلاء الفنانين كبلاد الشام والقاهرة والمغرب العربي، فيما تأثر البعض الآخر بحكايات ألف ليلة وليلة التي كانت تحكيها شهرزاد واستلهم من خلالها أفكاراً للوحاته صنفت فيما بعد كمصدر من المصادر المهمة الذي وثقت جمالية الفن ببعد مختلف عن المعتاد وتحديداً على تخوم القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
استحوذ النزوع نحو تصوير عالم الشرق بشقيه الوجداني والمادي على اهتمام المدارس الفنية الأوروبية من سائر أنواعها كالواقعية، التكعيبية والتجريدية، وعلى هذا الأساس تبنت تفاصيلها وحاكتها بطريقتها الخاصة فأعطتها طابعاً ومعايير من نوع خاص، فعلى سبيل الذكر فرنسا غزت كل الفنون كالنحت والعمارة والفنون الزخرفية إلا أنها بدت جلية في فن التصوير الزيتي حيث دخل العنصر الشرقي فيها منذ عام 1924 وأظهر مراحل تطوره في البورتريه، واللوحة التاريخية، والمنظر الطبيعي، والطبيعة الصامتة، والحياة والبيئة، ولاحقاً في الثلاثينيات وتحديداً خلال عصر التنوير كان له مكانة في أدب عدة كتّاب مثل فيكتور هوجو، جيراري نيرفال، لامارتين وغيرهم، فترك أثراً طيباً في نظر الحضارة الغربية وغيرها بعد أن كانت الفكرة المأخوذة عن الشرق تأخذ منحى همجياً بعض الشيء.
غطت موضوعات المستشرقين الفنية أغلب مظاهر البيئة الشرقية؛ فهي لم تقتصر على حياة السلاطين والأمراء وسيدات القصور العثمانية فحسب، بل امتدت للأزقة والأحياء والصحارى والجمال والأحصنة وأسواق العبيد والآثار والسجاد والفخاريات حتى الأزياء الشعبية والآلات الموسيقية محاولين بذلك التعمق وإظهار مواطن الجمال فيها قدر الإمكان. أما العمارة الإسلامية فقد كان لها نصيب الأسد من اهتمامهم، فانكبوا جاهدين على نقل خصائصها المتميزة والفريدة قدر الإمكان وتجسد ذلك بإبراز قبب المساجد والمآذن، ناهيك عن النقوش الهندسية والفسيفساء والمشربيات المحفورة والأبواب المزخرفة.


نابليون بونابرت والشرق: 
عرف عن نابليون بونابرت هوسه بسحر الشرق وكنوزه، وذلك بعد تأثره بكتابات عالم المصريات والإسلاميات للفرنسي كلود سافاري، الذي عاش في مصر وتعلم العربية وترجم القرآن الكريم ولخص دراساته في كتابي (حياة محمد) و (رسائل عن مصر). وكان قد أمر بتوزيع كتاب (رسائل من مصر) الذي صدر عام 1786 على جنوده ليشحذ هممهم ويبث فيهم روح الحماس نحو العالم الذي يغزونه، ويقال إن حملته كانت غريبة بعض الشيء؛ إذ كانت تضم ما يقارب 175 عالماً في الرياضيات والحيوان والكيمياء والفلك والرسم والنحت إلى جانب الموسيقيين والأدباء والأطباء فكانوا يشكلون كتيبة خاصة لا تقل أهمية عن الجيش ذاته.
نقل نابليون إلى فرنسا الكثير من مظاهر العمارة الشرقية التي بدت واضحة في استخدام الأرابيسك في تزيين جدران القصور، كذلك الأعمدة المستمدة من الحضارة الفرعونية في مصر، إضافة إلى اقتناء الأواني الخشبية والنحاسية والسجاد الإسلامي.


البلدان العربية في عيون المستشرقين: 
مصر: نتيجة للحملة الفرنسية التي شنها نابليون على مصر ( 1801-1799) افتتن الفنانون والرحالة بنفائس هذه البلد ورسموا كل شبر منها من الإسكندرية إلى أسوان وسيناء وصولاً إلى بلاد النوبة، وتعمقوا بالحضارة المصرية وآثارها الفرعونية فكان أبو الهول والأهرامات والمعابد والأعمدة المنقوشة بالكتابات الهيروغلوفية ونهر النيل في طليعة أعمالهم، إضافة إلى الجامع الأزهر ومآذن القاهرة ومسجد السلطان حسان والأحياء المصرية والعشوائيات القديمة. 
فلسطين وبلاد الشام: أكد لوحات الفنانين والمؤرخون الغرب على نسب البلد العربي العريق الذي تعود جذوره إلى خمسة آلاف عام يوم سكن العرب اليبوسيون والكنعانيون القدامى أرض فلسطين، وبدا واضحاً في أعمالهم الهوية الإسلامية لهذا البلد وترسيخ أجواء التعايش والمؤاخاة والتسامح الديني بين مسيحيي ومسلمي شعبها، فهم يدركون أنها مهد الديانات السماوية الثلاث، وكل شبر فيها ينم عن روحانية عالية، فتصدر الأقصى الشريف وقبة الصخرة والحائط الغربي أشهر أعمالهم كما قاموا برسم مدنها المختلفة مثل حيفا ويافا وبيت لحم وعكا وغزة وطبريا عاكسين طبيعتها الخلابة إضافة إلى أريحا الملقبة بمدينة النخيل، والتي كانت تشكل أهمية تاريخية للأنبياء والفاتحين والغزاة.
أما عن باقي بلاد الشام كلبنان فكانوا يسمونه أرض العسل والبخور لطابعه الفريد الذي تركه في أذهانهم بآثاره الفينيقية وجباله الشامخة وغابات الأرز وهياكل بعلبك ونهر الليطاني وبساتينه، وكان للأردن وبترائه ونهره ووديانه وسهوله الخضراء حضور قوي في لوحاتهم، إلى جانب سوريا التي كانت هامة من هامات الجمال الشرقي بنظرهم بقصرها الشهير قصر العظم والجامع الأموي وأمكنتها الشهيرة مثل حلب وقلعتها والساحل السوري على امتداده والحارات الشامية بطقوسها المقدسة المتوارثة أباً عن جد، والعراق عشتار الجمال وبأسواقها وباعتها المتجولين وجامع الأزبكية وجامع الميدان بقبته الزرقاء.
الجزائر: كان للجزائر مكانة مهمة وحساسة عند الغرب، وتحديداً فرنسا، التي كانت لها أطماع استعمارية، فحرصت على توظيف التشكيليين وحثهم على السفر إليها عن طريق تقديم الكثير من المغريات المادية وتسهيل إقامتهم فيها، وكان الغرض من ذلك تكليفهم بمهمة رسم الصور الإيضاحية المتعلقة بالمعارك التي خاضها الجيش الفرنسي ضد المقاومة الجزائرية، حيث كانت هذه الصور تستعمل لإيضاح المعارك وترفق مع التقارير التي كان يبعثها القادة العسكريون الموجودون في أراضي المعركة، وللأسف قاموا بتوظيف كامل لقواهم الفنية والخيالية لإظهار مدى تمكن الجيش الفرنسي من فنون القتال في حين أحبطوا من دور عناصر المقاومة الجزائرية وصوروها بالضعف وقلة الحيلة أمام جيوشهم العتيدة.
الشعائر الدينية والحج في عيون المستشرقين: برع المستشرقون بتصوير الشعائر الدينية للمسلمين محاولين إظهارها بكامل قداستها وروحانيتها كإقامة الصلوات بخشوع والتعبد في المساجد، إلى جانب ذلك بدا واضحاً اهتمامهم بطقوس شهر رمضان المبارك وإظهار زينته وأضوائه وبهجة قدومه، عداك عن ذلك تناولهم للحج ورحلاته ورسم القوافل خارجة من مصر وسط الأهازيج ومظاهر الفرح متجهين إلى البيت الحرام من كل فج عميق متحملين حرارة الشمس وبعد المسافات بعزيمة وهمة لا تخبو طمعاً في مرضاة ربهم والجدير بالذكر أن تعمق بعضهم بهذه التفاصيل ونهلهم منها مواضيع للوحاتهم ساهم في اعتناق نسبة لا بأس بها منهم الدين الإسلامي.
جرت محاولات حثيثة لتجميع كافة أعمال الاستشراق المتفرقة بين عدد كبير من المتاحف العالمية والمجموعات الفنية وأبصرت عشرة مجلدات منها النور في نهاية القرن الماضي، وحوت رسوماً مميزة لفنانين من كافة أقطار أوروبا كألمانيا وإيطاليا والولايات المتحدة الأميركية وكان من أشهرهم:
كارل هاج:
"على هؤلاء الذين يبحثون عن مادة مثيرة يستلهمونها في فنونهم أن يتجهوا إلى القاهرة، ويجب أن يعلموا أن هناك قاهرة واحدة في العالم أجمع". كانت هذه عبارة شهيرة لكارل هاج الفنان الألماني المستشرق الذي بهره جمال وبهاء مصر. ولد كارل في ألمانيا عام 1820 وتدرب في أكاديمية الفنون الجميلة في نوزمبرغ في ميونيخ، وكان متخصصاً في الرسم ذي الطابع المعماري، ثم لاحقاً انتسب إلى الجمعية الملكية لرسامي اللوحات المائية في إنجلترا، ليرتحل بعدها إلى الشرق ويكرس جل موضوعاته حوله ومن أبرز أعماله: 
"حالة تأهب"، "الخطر في الصحراء"، "عائلة بدوية في وادي موسى".
بنجامان كونستان: ولد جوزيف بنجامان كونستان عام 1845 في باريس، توفيت أمه وعمره سنتان، ارتاد عام 1860 مدرسة الفنون الجميلة بباريس وأصبح فيما بعد مدرساً للفنون الجميلة، وتخصص في فنون الديكور، وصمم سقف فندق مدينة باريس والمسرح الوطني للأوبرا، ورسم عدة لوحات جدارية في جامعة السوربون وتخصص بالفن الشرقي لاحقاً، أبدع العديد من اللوحات منها "دخول السلطان محمد الثاني إلى قسطنطينية" و"الليل العربي".
جوليو روزاتي: رسام إيطالي ولد عام 1858 في روما، درس الفنون التشكيلية في سان لوكادي، تخصص في الفن الشرقي منذ نعومة أظفاره، صنف من أشهر فنانيه خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، ولوحاته عموماً تصف واقع الحياة في المغرب، ومن أشهر لوحاته "بائع السجاد" ،"سوق عربي".
جان ليون جيروم: نحات ورسام فرنسي معروف، وكان من أبرز الفنانين الذين تركوا بصمة مهمة في الفن الشرقي، ولد عام 1824، في شبابه زار إيطاليا وجاب مدناً عديدة منها مثل فلورنسا والفاتيكان وروما وتعمق أثناءها بالحضارة الإيطالية وتاريخها، وفي عام 1854 سافر إلى تركيا ومنها إلى مصر، وكان مولعاً بالآثار المصرية، فقام برسمها برؤيته الخاصة، بعد ذلك بمدة التقى بالخديوي إسماعيل، وبعد أن عاد إلى فرنسا أرسل ألبوماً له يضم جميع أعماله التي قام بها أثناء وجوده بالأراضي المصرية، من أشهر أعماله: "بونابرت يطل على أبو الهول"، "بائع السجاد في القاهرة".
بصورة عامة وبنظرة شمولية يمكننا القول أن الغرب أبدع بنقل صور واقعية عن الشرق بصرف النظر عن المآخذ السلبية التي ذكرناها، من خلال أعمالهم برؤية خاصة مظهرين بإسهاب شديد كل تفاصيلهم وقيمهم وتقاليدهم خلال العصور السالفة، وخلدوه كمنظومة تتلألأ عراقة وأصالة عبر العصور والأزمنة. 
 

 

التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم