ريشة وقلم

الرسام العالمي فـان غـوخ

الرسام العالمي فـان غـوخ


صراع في ساحة الألوان


أطوارٌ غريبة، وأحداثٌ أشبه بالأساطير نحتت تذكارها في سيرة التشكيلي الشهير فان غوخ، هذا الفنان العالمي البارع، الذي أنهى حياته بين الريشة والألوان، حين استفاق الناس عليه وهو يتلوى من جراء طلق ناري أصاب به نفسه عندما كان يرسم لوحته الأخيرة.
أما لوحاته التي كان يوقعها باسمه الأول "فينسنت" فتلك قصة أخرى، حيث ظلت هامدة لم تدبّ فيها الحياة إلا بعد موته، فمن عشرة دولارات قفز ثمنها إلى الملايين، في وقت قضى غوخ حياته كلها فقيراً يكابد ما يسد به الرمق.

"أنا أضعُ قلبي وروحي في عملي، وقد فقدت عقلي بسبب ذلك!!"
"فينست فان غوخ"


حياة غوخ - صراع وألوان
ولد فينسنت فان غوخ في جروت زندرت بهولندا في1853 م، عمل معلماً، كما عمل قسيساً، حيث لم تبرز موهبة غوخ الفنية في وقت مبكر، بل جاءت متأخرة بعد السابعة والعشرين من عمره. 
تخللت حياة غوخ صراعات عديدة، أبرزها صراعه مع الوحدة ومع الفقر والفاقة، حيث لم يكن قادراً على كسب قوته وتوفير إيجار البيت، بل كان عاجزاً عن شراء أدواته الفنية، ولولا تعاطف أخيه "ثيو" وحرصه على دعم شقيقه الحزين لفقد العالم هذه اللوحات الجميلة التي تشع بالفكر وبالجمال وبالألق. 
ومن جهة أخرى، عاش فان غوخ صراعاً مريراً مع نفسه، حيث كان ينتابه شعور الفشل وظل يتنقل ما بين إحباط وإحباط حتى أصيب باضطرابات نفسية تشتد وتختفي إلى أن تسببت في واقعة انتحاره الأسيفة. 
كان لغوخ أسلوبه المتميز في الرسم، إلا أن هذا الأسلوب لم يعجب معلمه بأكاديمية الفنون وحاول إثناءه عنه، إلا أن غوخ أصر على التمسك بأسلوبه حيث كان لغوخ إرادة فنية قوية تتجاهل كل ما لا يوافقه من الآراء. وربما ذلك العناد والانحياز لرأيه الشخصي هو الذي قاد لوحاته إلى ما حققته من شهرة ونجاح.
وخلال نضجه الفني أظهر غوخ حماساً كبيراً إلى مدرسة الرسم الانطباعية التي ترى أن رسالة الفن إنما تتجسد بالشفافية والصدق في نقل الحقيقة كما هي في الواقع الماثل أمام العين المجردة.
ولهذا ظل غوخ وفياً للانطباعية، وبرع في توظيف الألوان الجريئة، أما ما زعم بعضهم بميل غوخ للون الأصفر، فلم يكن له أساس من الصحة، فاللون الأصفر الذي يبدو سمة منتشرة على لوحاته التي نشاهدها اليوم ليس حقيقياً، بل حدث بفعل تقادم الزمن، وأيضاً لما كان يستخدمه من أصباغ رخيصة الثمن، كان يدبرها مما يرسله له أخوه "ثيو".


هذا البائس يُعيقني!
كان غوخ أديباً يرسم بريشة فنان، كما كان رساماً يجيد تطريز العبارة الأدبية الساحرة، وقد ذاعت له العديد من المقولات الشهيرة التي أطلقها وخاصة في رسائله التي بلغت ثمانمئة رسالة خطت بأسلوب خطف انتباه كثيرين. ومنها:
"أحسُّ بأنه ليس من شيء فَنِّيٍّ بطبيعته أكثر من حب الناس".
"أحلمُ بالرسم، وبعد ذلك أرسم حلمي".
أما مقولته الذائعة "بأنه يريد أن يسافر في النجوم، وهذا البائس جسدي يُعيقني"، فيتوقف عندها مليّاً من حاولوا تحليل السمات الشخصية لنفسية غوخ للتعرف على كنه الوساوس التي عصفت بهذه العبقرية الفذة.
ومما يثير الملاحظة إقدام فان غوخ لرسم وجهه بأكثر من ثلاثين رسماً، وكأنه يريد أن يتفحص رسومه كمرايا تعكس أتعاب نفسه التي هدها صراع الطموح والواقع بين الألوان.   

 

آكلو البطاطا
أظهر الفنان فان كوخ تعاطفاً كبيراً مع فئات الكادحين في رسوماته، حيث أنفق وقتاً غالياً في رسم الحياكين والغزالين والفلاحين وعمال الحقول الذين برع في تصويرهم من خلال ثنائية الشقاء والقناعة. أما لوحته "آكلو البطاطا" التي ما زالت تزين متحف فان غوخ بأمستردام فهي آية في الروعة والإتقان، والغريب في الأمر أن هذه اللوحة لم تعجب كثيرين بمن فيهم شقيقه ثيو، وذلك لما فيها من خشونة وشقاء تصور مكابدة الفئات الدنيا للحصول على لقمة العيش، حيث عرف عن الناس في تلك الأيام ميلهم إلى الفن الذي يجسد حياة المخمل والرفاه، وبالرغم إلا أن غوخ أبدى حباً كبيراً لهذه اللوحة ودافع عنها بقوله:
(هي لوحة صادقة، وأردت أن أخلد بها تلك اللحظة للفلاحين وهم يأكلون البطاطا على ضوء مصابيحهم الصغيرة بأيديهم الخشنة التي يزرعون الأرض بها مطمئنين على أنهم حصلوا على طعامهم بشرف).
ويذكر أن هذه اللوحة الثمينة قد تعرضت للسرقة، إلا أن الجهود الحثيثة التي بذلها متحف "كرولر مولر" بهولندا قد أفلحت في إقناع اللصوص لإعادتها مقابل فدية بلغت 2.5 مليون دولار، وذلك بعد عام كامل من فقدانها.


لوحة غروب الشمس
ولهذه اللوحة قصة غريبة، إذ عثر عليها متأخرة حيث قام ملاكها بعرضها في متحف فان غوخ في أمستردام عام 1991م، إلا أن بيوت الفن والرسم قد شككت فيها وأنكرت نسبتها إلى ريشة فان غوخ، واعتبرتها عملاً مدلساً ومقحماً، إلا أن التحاليل المعملية الدقيقة قد أكدت إلحاقها لريشة غوخ ومن ثم تم الاعتراف رسمياً بنسبتها إليه.
 كما اشتهرت لغوخ لوحات أخرى، منها: لوحة عباد الشمس والبيت الأصفر وغرفة النوم في أرل، ولوحة غروب الشمس في مونتماجور التي صورت الطبيعة الساحرة للأشجار والسماء في الريف الفرنسي.
أما آخر لوحاته المكتملة فقد حملت عنوان "لوحة على عتبة الخلود" وقد أنجزها قبل موته بأسابيع، بينما ظلت اللوحة المشؤومة التي أطلق على نفسه النار أثناء رسمها سراً مطوياً لم يستطيع أحد أن يفكّ شفرته بعد.

 

قطع أذنه:
تعدت شهرة حادث قطع فان كوخ لأذنه شهرة لوحاته نفسها، وبالرغم من عدم التشكيك في هذه الحادثة المؤسفة، إلا أن الأقوال والتفسيرات في إقدامه على إيذاء نفسه بهذا النحو المخيف قد اختلفت؛ فبينما يقال أن هوسه بإحدى السيدات قد دفعه ليقطع أذنه ويرسلها إليها مع عبارة لا تقل جنوناً عما فعله: "هذه قطعة من جسدي احتفظي بها بعناية". إلا أن آخرين يذهبون إلى أن غوخ لم يكن يقصد أن يقطع أذنه، ولكن حدث ذلك عن طريق الخطأ، حين كان في حالة هياج وعراك مع أحد أصدقائه، فأخطأت "شفرة الحلاقة" صديقه وارتدت عليه لتقطع جزءاً من أذنه.

 

وبقي الإبداع
 لقد كانت حياة فينسنت فان غوخ صراعاً في صراع، وقد اتخذ هذا الصراع ساحات النفس والكسب وساحة الموهبة والألوان، ولهذا تخللت حياته بعضاً من القفزات الغريبة التي انتهت برحيله الفاجع سنة 1890م عن عمر ناهر سبعة وثلاثين عاماً.
أما أخوه الحبيب "ثيو" الذي كان يقدم يد العون الرحيم لشقيقه التعيس فقد استغرقته موجة حزن عميقة على أخيه الذي انهزم في صراع البؤس والعبقرية، بل وحتى "ثيو" رحل هو أيضاً بعد أشهر قليلة. وبعدها تميل كفة الصراع لصالح العبقرية حيث دبت الشهرة في لوحات فان غوخ فقفز ثمنها للملايين وكتب لها الحياة لما يفوق قرناً من الزمان.  
  

التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم