ريشة وقلم

مهرجان الشارقة للمسرح الخليجي

مهرجان الشارقة للمسرح الخليجي


رسائل اجتماعية ببعد فكري وجمالي...


في اختتام الدورة الثالثة من مهرجان الشارقة للمسرح الخليجي، التي شهدت حضوراً لافتاً في تناول القضايا الاجتماعية الملحة "ظواهر وانعكاسات" التي بدأت وأخذت تتزايد في لتشكل شرخاً واضحاً في السلوك والعادات، وبما أن من أهداف المسرح معالجة الظواهر والسلبيات كرسالة من رسائله الإنسانية والحضارية، فقد لفتت عروض هذه الدورة إلى تقديم معالجات من خلال النصوص والعروض٬ فكانت رسائل اجتماعية تتضمن بعداً فكرياً جمالياً وحسياً.   
اليوم.. ومع تأثيرات العولمة، ومع ذهاب الحياة في المجتمع الخليجي إلى مداها الأرحب في المدنية، ومع طغيان تيارات الحداثة ودخول التعقيدات الجديدة مع الحياة الاقتصادية الحاضرة، ومع طغيان سلطة المدن الصناعية والتجارية، ودخول الشخصية الخليجية إلى إطار التأثر البالغ بالموضة وثقافة الإنسان العصري٬ بات على المسرح والفنون المرئية أن تعالج هذه القضايا الحساسة من ناحية السلوك والتربية والمعالجة.
وبناء على هذه الأهمية التي يلعبها المسرح في المجتمع كان اختيارنا لموضوع البعد الاجتماعي في مسرحيات "مدق الحناء، عمان، السبخة، الكويت، مجاريح، الإمارات، حبوس، السعودية، ونوح العين، البحرين"٬ وهنا كان المسرح انعكاساً للواقع الاجتماعي والحياة الاجتماعية في الخليج العربي بما تحتويه من أفراد، وظواهر وسلوكيات مختلفة، والدافع الآخر الاختياري للبحث في هذا الموضوع تمثل في عامل الجد في تناول موضوعات مهمة تقترب من الأصوات الداخلية للشخصيات.
يقول الفنان المخرج المسرحي الإماراتي محمد العامري: يعيش الناس في هذا العالم ضمن مجتمعات مختلفة، وكل مجتمع يتميز عن غيره من المجتمعات بتميز أفراده، ومعروف أن الإنسان ومن خلال مساره في الحياة يتعرض لمؤثرات وضغوط ومشاكل مختلفة، قد تحول دون قيام أفراد المجتمع بأدوارهم الاجتماعية وفق ما هو متعارف عليه، أو إعاقة بعض النظم الاجتماعية، فيلجأ إلى فن المسرح الذي يترجم به أحاسيسه ويطرح من أفكاره المختلفة وذلك بالتقاط الصور الحية والنماذج التي تشخص فيها أحواله فتتجسد هذه المعاناة في روح الفنان أو الممثل من خلال خشبة المسرح، فالمسرح إذاً يرتكز على ما هو حقيقي، وهو ملاذ للفرد الذي يود التخلص من الحمل الذي يثقل كاهله، سعياً منه لإيجاد واستنتاج الحلول لمشاكله "فالمشكلة الاجتماعية هي تلك الصعوبات ومظاهر سوء التكيف الاجتماعي السليم التي يتعرض لها الفرد فتقلل من فاعليته وكفايته الاجتماعية وتحد من قدراته على بناء علاقات اجتماعية ناجحة مع الآخرين وعلى تحقيق القبول الاجتماعي. واعتقد أن عروض هذه الدورة كانت غنية بالدلالات التي تناول الأوجاع في مجتمعاتنا الخليجية بل أعتقد أنها تعدت محيطها إلى المحيط العربي عموماً، إن الأعمال التي حققت هذا التفاعل كانت جديرة بالاحترام.
يقول الدكتور  الفنان السعودي سامي الجمعان أستاذ الدراما بجامعة الملك فيصل: شهد مهرجان الشارقة للمسرح الخليجي خمسة عروض لاحظنا أن نسبتها العظمى متمركزة حول القضية الاجتماعية، وكان الموروث الشعبي مدخلاً لتناول هذه القضايا، وكأن القائمين على هذه العروض أرادوا توجيه رسالة بأن المجتمعات الخليجية في سابق  عهدها حملت حمولات مجتمعية وقيم اجتماعية كبيرة، كان المجتمع حارساً لها، بينما تبدلت الحياة مع الحداثة الحياتية التي طالت هذه المجتمعات. 
من جانب آخر، صدّرت هذه العروض قضايا اجتماعية مهمة، منها السيد والعبد التي أطرتها مسرحية مجاريح الإماراتية وثنائية الفقر والغنى كمسرحية بوح العين للبحرين وكذلك حالة الشعور بالذنب تجاه العائلة مثل عرض مدق الحناء العمانية، وبالتالي شهدت الدورة حالة من التمركز القوي حول القضايا ذات البعد الاجتماعي وبشكل ملحوظ وقوي.
من جانبه قال الفنان المخرج المسرحي الإماراتي مروان عبد الله: استطاعت عروض مهرجان الشارقة للمسرح الخليجي أن تؤكد حضوراً مهماً في تناول القضايا الاجتماعية التي تمس حياة مجتمعاتنا عامة، وقد لمست ذلك من خلال تعمق النصوص الخليجية المسرحية في تحليل الظاهرة ومعالجتها، وما يسعد أيضاً أن معظم مؤلفي هذه النصوص من مواطني الدول ذاتها وهذه دلالة مهمة على تطور صنعة الكتابة برغم من بعض الصعوبات وهي بمثابة المعيقات لقدرة الفرد على أداء دوره في مجتمعه، حيث إن قيام الفرد بدوره الاجتماعي داخل الأسرة، يكون أسرة متكاملة والأسرة المتكاملة تكون بدورها مجتمعاً متكاملاً، فإذا كان المجتمع كالبنيان المرصوص فإن الأسرة هي اللبنة الأساسية في هذا البنيان لذلك كانت من أهم القضايا التي تناولها هذا الاتجاه الاجتماعي.
المخرج المسرحي والمنتج الكويتي الفنان منقذ السريع شاركنا الحديث فقال: أعتقد أن عروض مهرجان الشارقة للمسرح الخليجي قد استعادت نظرته ورسالته في تسليط الضوء على المجتمع من خلال الأبعاد الإنسانية والسلوك والتربية كون المسرح رسالة أخلاقية فنية راقية، ووسيلة الإنتاج فوق خشبة المسرح لن يكون لجوءاً للماضي، ولا بحثاً عن نقاوة العهد القديم وإنما كان استبصاراً درامياً لما يحدث في مجتمعاتنا اليوم من عناصر الصراع والتناقض وأفعال الاضطهاد.
فكأن الماضي مثلاً بمثابة الأرضية الدرامية الطبيعية لتجسيد رمز السلطة القهرية في المجتمع، لأن استعادته على المسرح لن تنشغل على الإطلاق بزخرف الماضي وإنما ستنشغل بالكيفية الدرامية، الرامية إلى إطلاق نموذج السلطة٬ -أبوية كانت أم سلطة قهرية- فوق خشبة المسرح.


مرامي" في أيام الكويت المسرحية
كما استضاف المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب "مجلة مرامي" للحضور والمشاركة بمهرجان المسرح الكويتي الذي أوقد روح التنافس بين الفرق الرائدة المعروفة وفنانيها الذين تسابقوا في تقديم عروض مسرحية متميزة على مدار عشرة أيام متتالية قدمت من خلالها سبعة عروض في قاعة مسرح الدسمة العريق.
وتنافست سبع فرق مسرحية على جوائز الدورة الجديدة وهي مسرحيات (على المتضرر اللجوء إلى الفضاء) و(الجلادان) و(حقيبة الذكريات) و(درس) و(ميلاد غريب) و(دوغمائية) و(وحش طوروس). وشهد المهرجان العديد من الفعاليات والأنشطة المواكبة، لاسيما على مستوى الورش، واللافت في الدورة الجديدة من المهرجان مشاركة الفرق الأهلية الأربع في المنافسة الرسمية، إلى جانب فرقتين من القطاع الخاص مع الفرقة المسرحية التابعة لهيئة التطبيقي، وسط غياب ملحوظ لفرقة مسرح الشباب والمعهد العالي للفنون المسرحية.
وقدم حفل الافتتاح كل من الفنان طارق العلي والفنانة أحلام حسن، حيث قدما المكرمينوهم: مريم الرقم والدكتور سليمان العسعوسي وصالح الغيلاني ومحمد الخضر ومحمد الفهيد وفيصل العبيد وحميد الناصر وجميعهم من الكويت، إلى جانب إسماعيل عبدالله من الإمارات والدكتور سيد علي إسماعيل من مصر.
واستهل الحفل بعرض مسرحي من فكرة وديكور الدكتور نبيل الفيلكاوي وإخراج فيصل الفيلكاوي وبطولة الفنانة أحلام حسن ومجموعة من شباب (لوياك) ويهدف إلى إيضاح معاناة الفنان الكويتي العاشق للمسرح ونظرة الناس له في ظل العادات والتقاليد .بدوره قدم الفنان والمخرج الكويتي عبدالعزيز الحداد عرضاً مرئياً عن مسيرة تاريخ المسرح في الكويت منذ عام 1922 حتى اليوم مستذكراً أول عرض مسرحي في الخليج الذي قام الكويتي عبدالعزيز الرشيد بإطلاقه على خشبة مسرح مدرسة الأحمدية.
أما حفل الختام أقيم على مسرح الدسمة بحضور الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب المهندس علي اليوحة، والأمين العام المساعد لقطاع الفنون والمسارح الدكتور بدر الدويش، إلى جانب ضيوف الكويت من الشخصيات المسرحية الخليجية والعربية، ونخبة من الفنانين والإعلاميين، وكانت الدكتورة أحلام حسن هي عروس حفل الختام بفستانها الأبيض الذي قدمت به الأمسية بتلقائية وحضور وخفة دم كعادتها.

 

التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم