في ضيافة مرامي

المحامي والشيف الكويتي خالد السعد

المحامي والشيف الكويتي خالد السعد


حبي للطهي المبتكر...قاداني لمهنة [الشيف]...


لا أدري كم مرة لاحت لمخيلته صورته وهو يترافع بضراوة ضد خصم موكله مسخراً كل حيله القانونية للنيل منه وهو مئتزر بـ(روب المحاماة) الأسود اللون، ولم يكن يخطر بباله يوماً أنه سيستبدله يوماً ما بمريول أبيض متحمساً لإعداد أطباق شهية بتميّز لا يقل عن تميزه محامياً، ربما كان السبب في هذا التوجه كونه الابن الأصغر في الأسرة (آخر العنقود) وملازمته للوالدة أغلب الوقت بكل مكان ولا سيما المطبخ محبباً إياه برائحة التوابل والصلصات، وربما التذوق بحرفية هي موهبة حبَاه بها الله فأتقن تسخيرها فيما بعد، هذا ما سنعرفه من ضيف مرامي المحامي والشيف خالد السعد من خلال الحوار التالي.
 
• كيف تخطت قدماك من مكتب الدراسة للمطبخ لتعد الطبق الكويتي لتتناوله بشهية؟
بحكم دراستي في لبنان وحتمية فرض الطبق اللبناني ليتصدر كافة الوجبات التي كنت أتناولها خلال فترة الدراسة، ورغبتي بتغيير قائمة الطعام من (المناقيش) و(المقبلات اللبنانية) و(المشويات) رغم لذتها، إلى طبق (مجبوس الدجاج) و(العيش) الكويتي الذي يعتبر ألذ الأطباق وأقربها لنفسي، هذه الرغبة بل اللهفة دعتني لسؤال الوالدة عن خطوات طهي المجبوس لأعمله بنفسي كلما سمح لي الوقت، وفعلاً أتقنت الوصفة كما كانت الوالدة تعدها، وبدأت بعملها حرفياً وأستمتع بتناول الطبق كلما رغبت. 
 
• ولكن لم تقف عند هذا الطبق، فكيف توسعت قائمة الطعام المُعَد من قبلك؟
كانت البداية بعد تكرار إعداد طبق (مجبوس الدياي) لعشرة أيام متتالية أو ما يزيد قليلاً عنها، إلى درجة أني بدأت أملّ الطبق الذي كنت أعشقه فانتقلت لتعلم وصفة لذيذة أخرى وهي طبق (الباميا مع العيش المشخول)، كذلك لجأت إلى الوالدة، رحمها الله. وكنت لتعلم كل وجبة أستهلك ما يقارب السبع ساعات من الوقت بسبب صعوبة الاتصالات إلى أقصى درجة وكانت لبنان خارجة حديثاً من حرب أهلية، ولأنه في عام 1995 لم تكن وسائل التواصل الاجتماعي موجودة كيومنا هذا، وكان كل الاتصال لتعلم خطوة واحدة من الخطوات يكلفني الكثير من الوقت والمال كذلك، ثم تحولت إلى طبق المعكروني التقليدي باللحم المفروم الذي تعودنا تناوله بالكويت، وهنا بدأت عوالم الأطباق وأسرار نكهاتها تتضح أمامي، وأصبحت متفهماً لسر كل خطوة وكيفية التفنن بعملها، فبدأت التجريب شخصياً لأطباق مختلفة حسب رؤيتي وحسب تذوقي لكل نكهة.
 
• هل نفهم من هذا أن بهذه الخطوة بدأت ولادة (الشيف خالد السعد)؟
ليس تماما، بل هنا بدأت الاعتماد جزئياً على مهارتي المكتسبة من تعليمات الوالدة، أي أني تمكنت من مسك مفتاح المطبخ، ولحينها لم أكن أستغني عن وصفتها لكل طبق لكن بشكل مختصر عن السابق لأتممها بنفسي حسب تصوري، فبدأت أكتشف كيف أعمل كل طبق فأتذوقه وأحدد مكوناته وكيفية تداخلها مع بعض لإعطاء هذه النكهة، فإلى ذلك الوقت لم يكن الأمر يتعدى الهواية ولعدة سنوات حتى بعد تخرجي محامياً. إلى بداية ظهور تطبيق (الإنستغرام) كوسيلة تواصل اجتماعي ودخولي عالمه بالصدفة، حيث كنا مدعوين في بيت شقيقتي، وكانت قد جلبت أطباق الدعوة عن طريق متخصصة بإعداد الأكلات تعرض خدماتها بالإنستغرام، وبالمصادفة كانت الأطباق سيئة الطعم جداً وعالية التكلفة لدرجة تفوق التصور، ففي مشوار عودتنا فاتحت زوجتي بثقتي بأني لو عرضت تجهيز الأطباق بالإنستغرام فسأحقق تفوقاً بنوعية الطعام وعوائد مادية بنفس الوقت، فلم تبدِ ممانعتها، لكنها تخوفت من تعارض عملي بالمحاماة من ناحية الوقت مع الطهي، ولكن لرغبتي بالأمر أقنعتها مطمئناً إياها بالنتيجة وكانت البداية لمشوار (الشيف خالد السعد).
 
• كيف كانت أول خطوة حرفية بعالم الطهي؟
بدأت أولاً بعمل حساب لي على موقع الإنستغرام باسم (نثري كويتي) المشتق من طبق (العيش المنثور)، وبدأت باستلام الطلبات الكثيرة، وبتوفيق من الله كانت النتيجة مبشرة جداً رغم أني كنت مواظباً على عملي كمحامٍ يترافع بالمحاكم وأكسب القضايا التي توكل لي، ولكني حال عودتي للبيت كنت ألقي بـ(روب المحاماة) جانباً لأستبدله بمريول المطبخ لإنجاز الطلبات الواردة لي على حسابي بالإنستغرام وقد أصبح لي زبائن كثر وأطباق خاصة بي، ولعدم التداخل بين المهنتين وللتغلب على ضيق الوقت، كانت أغلب الطلبات تردني في العطلة الأسبوعية، وكنت أنجزها بأريحية لتفرغي، ولأني نجحت في ذلك وبدأت العمل هذا بحب، كذلك لتحقيقه مردود مادي جيد، تمكنت بل عرفت كيف أوفق بينه وبين المحاماة. 
 
• كيف كنت تحصل على التغذية الرجعية التي تستقي منها رأي زبائنك؟
كانت تعليقات زبائني تسعدني وتشعرني بمهارتي بإعداد الأطباق، كذلك كانت الاتصالات الهاتفية تثني على مهارتي وتشجعني للمضي بهذا العمل، وتكرار الطلبات من نفس الزبائن دليل ملموس على نجاح التجربة معي، علماً أن الأكل ليس فيه مجال للمجاملات؛ فاللذيذ لذيذ وليس هناك أحد مجبر على تكرار الطلب لو لم أكن ألبي رغبتهم في المرة الأولى. ولكن رغم كل النتائج الإيجابية التي حصلت عليها إلا أني لم أكن قد دخلت المطبخ الياباني حينها.
 
• كيف بدأت قائمة الطعام تتنوع بمطبخك وأصبحت متمكناً من طهيها بمهارة؟
بت متذوقاً لنكهة كل عنصر ومكون بأي طبق أتناول،٬ وأحدد نوعه وكميته حسب قوة مذاقه، فعندما أتناول أي طبق وأستحسن نكهته حالما أعود إلى البيت أحاول عمله بنفسي وحسب مهارتي وقناعتي لأنجز الطبق بطابع مميز، فمثلاً طبق (الجميجنكا) المكسيكي الشهير والذي يشابه فكرة طبق (مجبوس الدجاج) لدينا، فقد سعيت لمعرفة مكوناته ولثلاثة أيام، ويومها لم تكن خدمة الإنترنت موجودة كما هي عليه اليوم لتسعفني بالوصفة، وبالتجربة المتكررة تمكنت من التوصل لإعداد أشهر وأغرب وألذ الأطباق.
 
• كيف تطورت فكرة الوجبات المسوقة عبر الإنستغرام لمطعم واحتراف الطهي كشيف؟
بعد العمل لتسويق أطباقي بواسطة الإنستغرام لعامين متتالين بدأت تنهال عليّ العروض سواء كان بالكويت أو خارجها، ومجملها تحثني على البدء بفتح مطعم خاص بأطباق أشرف على إعدادها، ولكن توجه رأي العائلة لم يكن بفتح المطعم في الكويت بسبب كون أطباقي كويتية، وفي الكويت كثيرة هي المطاعم التي تقدم الأطباق المحلية وفكرة التنافس معها ليس بالأمر المحبذ، فكان الخيار المفضل لافتتاح المطعم بدولة الإمارات، والمشكلة كانت أني متزوج ولديّ عملي وأسرتي وسكني في الكويت، لذا اضطررت لترك الكويت وترك العمل بالمحاماة لمدة سنة ونصف السنة، وبهذا استحوذ عالم المطبخ على اهتمامي المهني، ولازمت مطبخي ك(شيف) رئيس بمطعم (نثري) بالإمارات، إلى أن تأكدت من استقرار الأمور وتأكدت من تقسيم الأدوار بحرفية متقنة، ثم عدت لعمل المحاماة بالكويت مقتصراً على دور الإشراف على المطعم بين الحين والآخر مع التواصل اليومي المستمر عبر الأثير وزيارات مستمرة.
 
• ما هي البصمة التي أضفتها إلى الأطباق التي أعددتها؟
كوني لم أبدأ من الصفر أي أني بدأت بإعداد أطباق معروفة مسبقة لكن بلمسة مختلفة وفقاً لابتكاري بالنكهة والإضافات التي أدخلتها على الطبق، اجتهدت وابتكرت مكونات وحشوات جديدة مختلفة بالساندويشات، فبدأت بابتكار نكهات جديدة للحم والدجاج المستخدم في الساندويشات بإضافة دبس الرمان مثلاً أو صوص الصويا والباربكيو المدخن وغيرها من النكهات، وكذلك الحال بالنسبة لخلطة ساندويشات الروبيان فتوصلت لنكهات لاذعة نوعاً ما أي تجمع ما بين الطعم الحار والحامض، وأحرص على أن لا يغلب طعم التوابل على نكهة المكون الرئيسي للطبق فمقادير استخدامها تكون مدروسة.
 
• هل تتفق معي بأن الرجل متسيّد عالم الطهي حرفياً؟
هذا ينطبق على معظم المهن المتعارف عليها أنها مهن النساء لكن الحال بات معكوساً فالرجال تسيّدوها بجدارة، كتصميم الأزياء، تصفيف الشعر، التجميل والطهي كذلك فاليوم أشهر رواد هذه المهن هم من رجال، وأنا أرى أن من يحب عمله سيبدع به بغض النظر عن كونه رجلاً أو امرأة، وبالتالي تكون النتيجة مميزة، وبرأيي فإن ما يحدد المهارة بالطهي هو صاحب (النَّفَس) الأفضل على الطبق وليس جنس الطاهي، وعلى العموم فكل شيف له أسراره الخاصة بنكهة كل طبق يقدمه، وهو يحرص بالغالب على التكتم عليها عند ظهوره في البرامج التلفزيونية.
التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم