ريشة وقلم

ثروت وعفاف أباظة.. قصة حب عمرها نصف قرن

ثروت وعفاف أباظة.. قصة حب عمرها نصف قرن



خمسون عاماً من الزواج ليست بالأمر الهين، ولا يستطيع أن يدعي مدعٍ -مهما كان- أن السعادة ظللت بجناحيها في احتواء كامل لتلك السنوات، ولكن أن ينسى الإنسان أي شائبة ألمت به خلال فترة زواجه الطويلة ولا يتذكر إلا الأيام الجميلة الحانية الرقيقة، فهذا هو الزواج من الأديب الكبير ثروت أباظة، كما وصفته زوجته عفاف عزيز أباظة حين قالت «كل ما عدا ذلك غاب عن مخيلتي ونسيته تماماً».
والمتأمل في أعمال الأديب الراحل تأخذه تلك الإسقاطات والتلميحات السياسية في تفكير عميق يشغله تماماً عن قصة الحب الرومانسية والملازمة لكل أعماله تقريباً، لكن عندما نقترب من حياة هذا الأديب الكبير ندرك أنها لم تخطئ طريقها إليه، فما قصة الحب إلا أسلوب حياة ومنهج قلب يكشف رومانسيته المفرطة التي كانت السبب وراء تردد زوجته في قبوله زوجاً، حيث تقول في مؤلفها الذي صدر فور وفاته بعنوان "حياتي مع ثروت أباظة في نصف قرن"، والتي أكدت أن كتابته كانت فرصة ذهبية لأن تعيش معه من جديد، "لم يكن لي عليه اعتراض إلا الفارق البسيط بيننا في السن لأن الزوج في اعتقادي يجب أن يكون أكثر تجربة وأكثر اختباراً للحياة ليمكنه أن يقدم ببساطة حلولاً للمشاكل التي تبدو للزوجة صعبة الحل شديدة التعقيد، إضافة إلى ما أشعر به من تباعد بيننا في الأفكار؛ فهو إنسان مطمئن النفس لا يرى الدنيا إلا في قالبها الوردي، وأراها أنا قاتمة الوجه، فكيف يكون الجمع بين النور والحلكة وبين البساطة والتعقيد؟".
وعلى الرغم من ذلك كان الحب وحده وراء قبولها الزواج منه؛ حيث تصف عفاف حال والدها الشاعر الكبير عزيز أباظة حين أخبرته بالموافقة قائلة: "ولم أر أبي في مثل هذه السعادة التي ملأت كيانه وتبدت في كل حركة من حركاته وكل سكنة من سكناته، أفلا تعادل فرحة أبي خفقة قلب المحبين؟ والله إنها".
فهل كان الأب عزيز أباظة يوحي للشاب ثروت بفكرة الخطوبة من ابنته؟ كما كان يحلو للأديب الكبير أن يردد على زوجته "كنت أكلم عمي عزيز فلماذا كان يعطي لك السماعة؟".. ربما!
وعكست طبائعهما المختلفة هذه ملامح فترة الخطوبة، فكانت تحفظاً دائماً من ناحيتها وحباً متدفقاً كالشباب من ناحيته. وتقول: "كنت أراه كل يوم وكان يعود إليَّ بابتسامة هادئة وبقلب ملتهب". 
وتضيف: "كنت لا أسمع منه إلا الكلمات الحلوة الرقيقة، ولكن للأسف لم يكن في مقدوري أن أُسمعه بدوري كلمات جميلة؛ فقد كانت تقف في حلقي وتظل حبيسة به، فقد كنت أظن أنه ليس عليّ أن أبدي مشاعري، بل يكفي أن أستقبل مشاعره الجياشة بشيء من الكبرياء. وتضيف: «وإني لأندم الآن لأنني حرمته من تلك المشاعر التي يطيب للشباب أن يشعروا بها، وظلمته في ذلك بسبب كبريائي وخجلي». وتقول: «وما حيلتي، فهذا هو قدري، ومع أني ألوم نفسي الآن بعدما علت بي السن، وأقول يا ليتني ويا ليتني غير أني واثقة أنه لو عاد بي الزمن إلى الوراء ما كنت غير الذي كنته». ولا تنسى عفاف أباظة أن تبرر موقفها مرددة بيت الشعر الذي يقول: 
دلائل الحب لا تخفى على أحد 
كحامل المسك لا يخلو من العبقِ.
  وتستمر على كبريائها، حتى بعد الزواج، وتعترف: «تم الزواج٬ وفي اليوم التالي ذهبنا إلى الإسكندرية، وأخذنا نتجول هنا وهناك، حتى لفتني نوع من العطر أبديت إعجابي به، لأجده يقدمه هدية فور وصولنا إلى الفندق وأقول في سخافة: «لماذا اشتريته فقد كنت أستطيع أن أشتريه ولكني لا أحتاجه».
وتقف عفاف أباظة عند هذا الحد، وترفض أن تقص علينا رد فعل الأديب الكبير، ولكنها تعلق قائلة: "لن أقول ماذا حدث غير أني أستحق منه أي رد فعل، فهو شاب في الـثالثة والعشرين من عمره، وتزوج منذ يومين، ويريد أن يشعر أنه زوج وأنه مسؤول عن زوجته، فقد صدمت عنده كل هذه المشاعر".
وعلى الرغم من غطرستها في مواجهة حبه، فإن فيض الحب عنده لم يجف، ودلائله سارت في مسارها الطبيعي. وتقول: "حدث أن احتاج زوجي لجراحة استئصال الزائدة، وكانت عملية كبيرة، نظراً لتأخر التشخيص، وأجريت العملية التي تستغرق في العادة نصف ساعة في أكثر من ساعتين، وتوترت أعصابنا جميعاً، وخفقت قلوبنا، ولم أحتمل نظرات والدته اللائمة، فهي لم تكن موافقة على الجراحة واعتبرتني -بطيبة قلبها وتلقائيتها- مسؤولة عن هذا الموقف الدقيق، ليخرج أخيراً وهو تحت تأثير المخدر الثقيل لا يكاد ينطق إلا باسمي، ويمد لي في الهواء ذراعيه، ليطلب مني الأب أن أقترب، وكنت واقفة بعيداً محرجة من هذا الموقف العاطفي أمام الأهل، وأقترب بعد تردد، وبحذر شديد لأسمع كلماته وهو نصف نائم، واصفاً حبه لي".
وموقف آخر لن تنساه عفاف أباظة للأديب والإنسان المحب فتقول: «وفي أوائل سنوات الزواج كان معتاداً أن يسافر إلى قريته (غزالة) من وقت لآخر.. وفي إحدى سفرياته احتد أحدنا على الآخر أثناء مكالمة هاتفية، فأغلق الهاتف في وجهي ليجن جنوني، ولم يكن عندنا اشتراك للاتصال خارج القاهرة، وبقي الدم يغلي في عروقي، إلى أن طلبني ثانية، فأسرعت وأغلقت الهاتف في وجهه، واستطعت أن أنام، وعندما عاد وذهب الغضب قال: إنني طلبتك ثانية لأنني أعرف أنك لن تنامي قبل أن تردي لي الإهانة، فأردت أن أمكنك منها".
وهكذا يبدو مواقف ثروت أباظة الزوج من تلك المواقف التي تؤثر الآخر، وتبقي سعادتها في القلب رغم الزمان، فحين ذهب وزوجته لزيارة عمة لهما تعثرت قدماها أثناء مرورهما بالحديقة، وكادت أن تقع، صرخ بدوره صرخة عالية خوفاً ولهفة فقالت: «لا تصرخ هكذا» فتملكته الدهشة واعتبر ذلك بروداً منها ووصفها بأنها لا تستحق هذه اللهفة.
والواقع كما تقول: «إني خجلت أن يسمع أحد صرخته ويعرف ما بيننا من مشاعر، وأظن أن هذا الخاطر لم يخطر بباله، ولكن هذه هي الحقيقة التي خجلت أن أشرحها له حتى بعد مضي السنين».
وتضيف عفاف: "كانت لي صديقة تذهب معنا إلى السينما في أغلب الأوقات، وفي يوم قال لي عمي إن والدتها قالت إنها تتمنى أن تزوج ابنتها من ثروت، وعلى الرغم من علمي بأن هذا مجرد مزاح فإنني قلت لنفسي، وما أدراني لعلهم يفكرون في ذلك فعلاً، وقررت ألا أدعوها للخروج معنا ثانية"، وعندما بدأ في كتابة القصص القصيرة، كتب قصة أخذ يتغزل فيها في جمال بطلتها ذات الشعر الذهبي المنسدل على جبينها، وعلى كتفيها، وكذلك في عينيها الزرقاوين الواسعتين، فتملكها الغيظ؛ لأن هذه الأوصاف لا تنطبق عليها، فخبأت القصة لتثير غضبه، وعندما عاد من الخارج سأل عن أوراقه، وأنكرت معرفتها بمكانها، حتى ثارت ثائرته فقالت غاضبة: «أنت عندك عقدة الخواجة»، ليرد منتقماً: «نعم أعجب كثيراً بالشقراوات».
ولثروت أباظة رأي في المرأة قد يتناسب وطبيعته الرومانسية، ولكنه يتناقض تماماً وطبيعة العصر ومستحدثاته، حيث تقول: «كان لا يحب المرأة المتكلفة التي تبالغ في إظهار زينتها، ويحب فيها أناقتها وبساطتها، وكذلك يرفض أن تتكلم المرأة في الموضوعات العامة -كالسياسة مثلاً- بحدة مثل الرجال، حتى كانت له مناقشة قاسية جداً مع سيدة تتكلم عن الذرة والإشعاع، ولم تشفع لها أنوثتها، كما اعترض على تحمسي وردي على شاعر غير معروف كتب في مجلة المصور مقالاً يؤكد خلاله أن أغراض الشعر المعروفة كالغزل والفخر والمدح عفا عليها الزمن، ويجب أن نستبدلها بمعاناة الإنسان الحياتية قائلاً: «ليس هذا من شأن النساء».
وكان ثروت أباظة دائماً ما يهتم بملبسه ويختار الألوان المتناسقة ويقول: «إن هذا الاهتمام معناه احترام الذات واحترام الغير»، وعندما يعود إلى المنزل ويعيد على مسامعها ما ناله من إطراء خاصة على تلك البدلة البيضاء فتجيبه: «فعلاً أنت تبدو جميلاً في البدلة البيضاء، وتقول: "هذه الكلمات الحلوة لم أنطق بها إلا عندما وصلنا إلى الكهولة، وأظن أنها لم تكن ذات تأثير يذكر عنده".
ولأن السعادة ممكنة إذا ما أخذتنا دوافعها إلى دواخلنا وامتنعنا عن ذلك البحث العبثي خارج ما أكرمنا الله به من أسباب لها، فإن عفاف أباظة تعترف كما لم تعترف امرأة قط فتقول: «مرت سنوات وسنوات كنت أحس بحبه الجارف لي، فتجبرت، وأخذت أثبت وجودي، وأدافع عن كياني بقوة عاتبته على الهفوة، وآخذته على نغمة الصوت وعلى خائنة الأعين وما تخفي الصدور"، ثم تضيف: «وأحمد الله الذي مد في عمر زواجنا، واستطعت أن أقبل الأمر الواقع، وأن أكون زوجة ككل الزوجات، وأن أعوضه عن بعض ما فات، ولكن كنا قد وصلنا إلى الكهولة وشتان ما بين الشباب والكهولة»!
 
وأقول: ماذا لو أدرك كل زوجين أسباب السعادة من بداية الرحلة وحاولا امتلاكها قبل فوات الأوان؟!
 
 
 
 
‏ ‏
 
التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم