ريشة وقلم

عام التسامح 2019 .. تجسيد واقعي لنهج زايد...

عام التسامح 2019 .. تجسيد واقعي لنهج زايد...



جاء إعلان صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، عام 2019 عاماً للتسامح، خطوة تؤكد استمرار القيادة الإماراتية على نهج المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، حيث أسس الدولة على التسامح والتعايش، ليصبح «عام التسامح» امتداداً لـ«عام زايد»، حيث آمن المغفور له بقيم التسامح والتعايش، مرسخاً دعائمها منذ الإعلان عن قيام دولة الإمارات في عام 1971، حيث حرص القائد المؤسس على أن تكون الدولة، رمزاً حضارياً وعالمياً يجمع مختلف الثقافات والجنسيات والأديان، عبر عمل الدولة على تقديم العون، ومنح الفرص للملايين من المقيمين.
 
ويعد وجود نحو أكثر من 200 جنسية في الدولة، تجسيداً واقعياً وفعلياً لنهج القائد المؤسس ورؤيته في تحقيق السلام والوئام، بتقديم مختلف الإمكانات التي تسهم في إنجاز قصص النجاح التي شهدتها الإمارات للمقيمين، من خلال اهتمامه المباشر بشؤونهم وتلبية متطلباتهم، والاستماع إلى حاجاتهم وتوفيرها، انطلاقاً من القيم النبيلة التي غرسها في ربوع الوطن.
وقال الشيخ زايد رحمه الله عن التسامح: "لولا التسامح ما أصبح صديق مع صديق، ولا شقيق مع شقيق، فالتسامح ميزة"، وتعكس هذه المقولة المعنى العميق لمفهوم التسامح في فكر الأب الراحل، حيث يعد التسامح قيمة جوهرية مرتبطة بالعلاقات الإنسانية اليومية، وهو بالفعل ميزة تسهم في امتلاك الإنسان للتصالح مع ذاته، بما ينعكس إيجاباً على واقعه الوجداني والحياتي. وتؤكد المقولة حاجة الفرد خاصة، والمجتمع ككل إلى قيمة التسامح في الحوارات والمناقشات، باعتباره مطلباً رئيساً للفرد المنتج القادر على تجاوز مختلف الاختلافات مع الغير، فالتسامح هو القيمة الثابتة التي توحد الجميع من أشقاء وأصدقاء، والميزة التي من شأنها أن ترفد الإنسان بالخبرة في التكيف وتقبل الاختلافات، والتسامح مع الغير كقيمة إنسانية داخلية. ويعتبر التسامح الضمانة الأساسية للتعايش بين الأفراد واحترام حقوق الإنسان٬ ويسهم في تعزيز الثقافة والهوية الوطنية، وتعميق قيم الولاء والانتماء للوطن وقيادته٬ وجعل التسامح ثقافة يومية في الإمارات ينتهجها الجميع، بما يعكس أهمية تكريس قيمة التسامح ودورها الحيوي في ضمان الأمن والاستقرار الداخلي الذي تنعم به دولة الإمارات.
 
وباتت الدولة اليوم في نظر العالم مثالاً للتعايش والتسامح، حيث تحتضن على أرضها أكثر من 200 جنسية بمختلف ثقافاتها ودياناتها يعيشون في وئام وانسجام. وأخذ التسامح في دولة الإمارات منحى مختلفاً؛ فتحول فكره وقيمه ومبادئه إلى نهج حياة وبرنامج عمل وجوهر وعمق سياسة دولة الإمارات التي كانت ومازالت وستظل تضرب مثالاً للتسامح والقيم الإنسانية الحضارية الراقية، حيث تعدُّ دولة الإمارات حاضنة لقيم التسامح والسلم والتعددية الثقافية، وكفلت قوانينها للجميع الاحترام والتقدير، وجرمت الكراهية والعصبية وأسباب الفرقة والاختلاف، كما أن الدولة تعد شريكاً أساسياً في اتفاقيات ومعاهدات دولية عدة ترتبط بنبذ العنف والتطرف والتمييز.
وانطلاقاً من تزايد الاهتمام دولياً بموضوع التسامح، دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الدول الأعضاء في عام 1996، إلى الاحتفال باليوم الدولي للتسامح في «16 نوفمبر من كل عام». من خلال القيام بأنشطة ملائمة توجه نحو كل من المؤسسات التعليمية وعامة الجمهور، وجاء هذا الإجراء في أعقاب إعلان الجمعية العامة في عام 1993 بأن يكون عام 1995 سنة الأمم المتحدة للتسامح. وأعلنت هذه السنة بناء على مبادرة من المؤتمر العام لليونسكو في 16 تشرين الثاني/نوفمبر 1995.
 
وتلتزم الأمم المتحدة في تدعيم التسامح من خلال تعزيز التفاهم المتبادل بين الثقافات والشعوب. وتكمن هذه الضرورة في جوهر ميثاق الأمم المتحدة، وكذلك في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهي أكثر أهمية الآن من أي وقت مضى٬ خصوصاً في هذه الحقبة التي تشهد زيادة التطرف العنيف واتساع الصراعات التي تتميز بتجاهل أساسي للحياة البشرية.
في عام 2015 اعتمدت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة 17 هدفاً للتنمية المستدامة، لما أدركته من أن بناء عالم ينعم بالسلام يتطلب اتخاذ خطوات لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية لجميع شعوب الأرض في كل مكان، ولضمان حماية حقوقها.
ويدعو الهدف السادس عشر، المتعلق بالسلام والعدل والمؤسسات القوية، إلى تعزيز المجتمعات التي تنعم بالسلم والشمول لتحقيق التنمية المستدامة، وإتاحة سبل تحقيق العدالة للجميع، وبناء مؤسسات شاملة ومسؤولة وفاعلة على كل المستويات.
وتعد «العدالة الاجتماعية»، مبدأً أساسياً من مبادئ التعايش السلمي والتسامح بين الأمم، وهي أكثر من مجرد ضرورة أخلاقية، فهي أساس الاستقرار الوطني والازدهار العالمي لشعوب الأرض.
 
لقد استطاعت دولة الإمارات تحقيق نسب عالمية غير مسبوقة في تحقيق مبادئ العدالة الاجتماعية، والتسامح بين مواطنيها والمقيمين على أرضها بمختلف جنسياتهم ومعتقداتهم، وقد أكد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، أن «العدل أساس الحكم، وأن سيادة القانون وصون الكرامة الإنسانية، وتحقيق التسامح والعدالة الاجتماعية، وتوفير الحياة الكريمة، دعامات للمجتمع، وحقوق أساسية يكفلها الدستور، ويحميها القضاء المستقل العادل».
ويأتي ذلك ترسيخاً لمبادئ وقيم المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي رسخ الود والتسامح في نهج وسياسة دولة الإمارات، ولقد استطاعت دولة الإمارات أن تحتل المركز الأول على المستوى الإقليمي في مؤشر إنفاذ القانون والعدالة لعام 2017 /‏‏ 2018 الصادر عن مؤسسة وورلد جستيس بروجت، وأصبحت نموذجاً للتعايش السلمي والتسامح٬ وهذا يؤكده احتضانها أكثر 200 جنسية على أرضها بمختلف دياناتها وثقافاتها وئام وأمان.
 
ويرتكز اهتمام دولة الإمارات بقيمة التسامح على عدة اعتبارات، في مقدمتها أنها قيمة إنسانية إسلامية نبيلة تظهر الوجه الحقيقي لديننا الحنيف، وتُعلي شأنه وتعزّز صورته الذهنية، ومن أهم المبادرات التي تم إطلاقها وتجسد التسامح في دولة الإمارات ما يلي:
 جامع الشيخ زايد عام 2007 حيث ووجه المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ببناء جامع الشيخ زايد ليكون رمزاً يجسد رسالة الإسلام المتمثلة في السلام والتسامح والتعايش مع الآخر، وليكون مرجعاً حياً للعمارة الإسلامية الحديثة التي تربط الماضي بالحاضر، ومنارة للعلوم الإسلامية والمنهجية التي تعكس القيم الإسلامية الأصيلة. وعزز الجامع دوره الريادي في إعلاء قيم التسامح، وغرس مفاهيم الإسلام الصحيح في عقول النشء، من خلال الفعاليات والأنشطة والزيارات الرسمية التي ينفذها، إضافة إلى تنظيم واستضافة المبادرات الخيرية والإنسانية والمحاضرات الدينية.
 مركز الشيخ محمد بن راشد للتواصل الثقافي الحضاري» في عام 1998، وهو مركز غير ربحي يعمل على تعزيز التواصل الحضاري ونشر الوعي بالثقافة الإماراتية، والدين، والعادات والتقاليد بين المقيميين والسياح الأجانب في دولة الإمارات العربية المتحدة. 
 
 إصدار قانون مكافحة التمييز والكراهية عام 2015، يحظر مرسوم القانون الذي يحمل الرقم (2) لسنة 2015، بشأن مكافحة التمييز والكراهية، الإساءة إلى الذات الإلهية أو الأديان أو الأنبياء أو الرسل أو الكتب السماوية أو دور العبادة، أو التمييز بين الأفراد أو الجماعات على أساس الدين أو العقيدة أو المذهب أو الملة أو الطائفة أو العرق أو اللون أو الأصل الإثني. كما جرّم القانون كل قول أو عمل من شأنه إثارة الفتنة أو النعرات أو التمييز بين الأفراد أو الجماعات من خلال نشره على شبكة المعلومات أو شبكات الاتصالات أو المواقع الإلكترونية أو المواد الصناعية أو وسائل تقنية المعلومات أو أية وسيلة من الوسائل.
 
 
 إطلاق البرنامج الوطني للتسامح عام 2016، اعتمد مجلس الوزراء البرنامج الوطني للتسامح لترسيخ قيم التسامح والتعددية الثقافية وقبول الآخر، ونبذ التمييز والكراهية والتعصب فكراً وتعليماً وسلوكاً. ويرتكز البرنامج على سبعة أركان رئيسية وهي: 
• الإسلام  
• الدستور الإماراتي
• إرث زايد والأخلاق الإماراتية
• المواثيق الدولية
• الآثار والتاريخ
• الفطرة الإنسانية
• القيم المشتركة
ويطبق البرنامج الوطني للتسامح من خلال فرق عمل يتم تشكيلها بالتعاون مع الجهات الرئيسية ذات العلاقة، والتي ستعمل ضمن خمسة محاور رئيسية وهي:
• تعزيز دور الحكومة كحاضنة للتسامح.
• ترسيخ دور الأسرة المترابطة في بناء المجتمع.
• تعزيز التسامح لدى الشباب ووقايتهم من التعصب والتطرف.
• إثراء المحتوى العلمي والثقافي.
• المساهمة في الجهود الدولية لتعزيز التسامح وإبراز الدور الرائد للدولة في هذا المجال.
 إنشاء جائزة محمد بن راشد للتسامح عام 2016، لتؤسس لبناء قيادات وكوادر عربية شابة في مجال التسامح، وتدعم الإنتاجات الفكرية والثقافية والإعلامية، المتعلقة بترسيخ قيم التسامح والانفتاح على الآخر في العالم العربي، وغرس بذور التسامح في المجتمعات العربية، وتركز الجائزة على إبراز نماذج الانفتاح والتسامح، وترسيخ الإبداع الفكري والجمالي الذي يدعو للتعايش والتعارف والتسامح في عالمنا العربي، إضافة إلى محاولة صناعة سفراء للتسامح من الشباب في المنطقة.
 
 تخصيص وزارة للتسامح في التشكيل الوزاري 2016، وتهدف إلى غرس قيمة التسامح والتعددية الثقافية وتكريسها في المجتمع الإماراتي، ونبذ التمييز والكراهية والتعصب فكراً وتعليماً وسلوكاً في المجتمع من خلال برامج وطنية بالشراكة مع مختلف الجهات المحلية والإقليمية والدولية، إلى جانب ترسيخ قيم احترام التنوع الديني والثقافي، والحوار والتعايش، والنزاهة والشفافية، والتواصل الفعال، والابتكار والمبادرة.
 
 إنشاء المعهد الدولي للتسامح عام 2017، ويهدف إلى بث روح التسامح في المجتمع وبناء مجتمع متلاحم وتعزيز مكانة دولة الإمارات كنموذج في التسامح ونبذ التطرف وكل مظاهر التمييز بين الناس بسبب الدين أو الجنس أو العرق أو اللون أو اللغة إلى جانب تكريم الفئات والجهات التي تسهم في إرساء قيم التسامح وتشجيع الحوار بين الأديان.
 
 مسجد مريم أم عيسى عليهما السلام 2017 وجَّه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، بإطلاق اسم مريم أم عيسى عليهما السلام على مسجد الشيخ محمد بن زايد في منطقة المشرف، وذلك ترسيخاً للصلات الإنسانية بين أتباع الديانات والتي حثَّنا عليها ديننا الحنيف وللقواسم المشتركة بين الأديان السماوية؛ المقروءة أو المسموعة أو المرئية، وذلك بمختلف طرق التعبير كالقول أو الكتابة أو الرسم.
 
 جسر التسامح في دبي 2017، وجه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، بتسمية أجمل جسر مشاة في إمارة دبي على القناة المائية الجديدة بجسر التسامح.
 
وختاماً .. عالمنا اليوم في أشد الحاجة إلى التسامح الفعال والتعايش الإيجابي بين الناس أكثر من أي وقت مضى، نظراً لأن التقارب بين الثقافات والتفاعل بين الحضارات يزداد يوماً بعد يوم بفضل ثورة المعلومات والاتصالات والثورة التكنولوجية التي أزالت الحواجز الزمانية والمكانية بين الأمم والشعوب، حتى أصبح الجميع يعيشون في قرية كونية كبيرة.
كما أن الأديان بحكم انتمائها إلى السماء، فإنها لا تأمر إلا بالخير والحق والصلاح ولا تدعو إلا إلى البِرّ والحب والرحمة والإحسان، ولا توصي إلا بالأمن والسلم والسلام، والإسلام حريص على تقوية أواصر حسن الجوار مع كافة المجتمعات، كما يعتبر التسامح من خصائصه المهمة، وهذا ما يمكن ملاحظته من خلال أحكامه وتعاليمه الاجتماعية. ولذا فإن الشريعة الإسلامية تنظم روابط المسلمين فيما بينهم وأيضًا تؤكّد على ثقافة التسامح والتساهل مع أصحاب الأديان الأخرى. وقد جعل الله تعالى علاقات البشر فيما بينهم مبنيّة على أساس الأخوة والألفة: فيقول عز وجل: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ (10 :الحجرات.
          
التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم