ريشة وقلم

فريدا كاهلو

فريدا كاهلو


حكاية تفرد نسائية


امرأة ذات جسد نحيل، غجرية الملامح، تزين شعرها بزهور ذات ألوان جذابة، تميل إلى الإكسسوارات اللافتة، لها شارب خفيف، متشابكة الحاجبين، ذات عينين صغيرتين، يطل منهما حزن عميق ممزوج بإرادة وعزيمة لا تقهر، اتخذت من الرسم مسكناً لجسدها المنهك من الإعاقة والأزمات الصحية والعاطفية، وتمردت عليها وأضحت بذلك فنانة من أشهر فناني القرن العشرين. 
كانت بمثابة أيقونة للنضال، للجمال، للعشق، وللإبداع حتى إغماضتها الأخيرة، وصنفت من أهم فناني المدرسة السيريالية٬ حتى إن بيكاسو قال عنها يوماً "لا أنت ولا أنا بإمكاننا تجسيد البورتريه كما تفعل فريدا"، فقد تجلت في هذه المرأة ثورة من نوع خاص؛ حيث كتبت في يومياتها التي نشرت بعد وفاتها "إن الثورة هي انسجام الشكل واللون، وكله يتحرك بأمر من قانون واحد "الحياة"، لا شيء منفصل عن شيء، لا أحد يحارب من أجل نفسه، الكل هو الكل وواحد، الحزن، الألم، المتعة، الموت"، وكتبت يوماً عن علاقاتها بفنها: "ما حاجتي إلى قدميّ ما دمت أملك أجنحة أطير بها"، واصفة أن مملكة الخيال التي تستلهم منها الجمال الذي شددت على أنه تجربة من نوع خاص ليس باستطاعة الجميع رؤيتها إلا ذوي بصيرة معينة.
ولعلك عزيزي القارئ لاحظت كيف تصحبنا في لوحاتها إلى عوالم مختلفة تكون هي البطلة الدائمة فيها وذلك عبر بورتريهات لشخصها، فتارة تجدها جالسة على كرسي تراقب الليل والنهار كما لو أنها تعد الأيام لتنتهي من محنها المتوالية، وتارة أخرى في أرض قاحلة مجدبة تنمو من جسدها أوراق خضراء محاولة أن ترمز إلى أن فيها أملاً يغلب الألم رغم شدته.
ولدت ماغدالينا كارمن فريدا كاهلو كالديرون، في 7- تموز-1907، في البيت الأزرق الذي صار اليوم متحفاً وسط شارع شعبي في جنوب المكسيك، وترتيبها في العائلة البنت الثالثة بين أربع فتيات، ورثت عن والدتها ماتيلد كاهلو ملكة الرسم حيث كانت تلك المرأة من المساهمين بقوة آنذاك في نشر المدرسة السيريالية في المكسيك، أما والدها غييرمو كاهلو فكان مصوراً فوتوغرافياً ذا أصول ألمانية.
تعرضت في عمر الست سنوات إلى الإصابة بمرض شلل الأطفال الذي تسبب في فقدانها للحركة في رجلها اليمنى، مما أثر سلباً على نفسيتها، لكنها اهتدت فيما بعد إلى حيلة وضع كعب طويل لحذائها الأيمن مما جعلها تمشي مشية اعتيادية وتتحرك كيف ما يحلو لها وترقص حتى، شرط أن تطيل تنورتها لتخفي كعب حذائها الطويل، وعندما أصبحت في سن الـ18 تعرضت لحادث حافلة مع صديقها اليكس تسبب في كسر العمود الفقري، وعلى أثرها توقفت عن الحركة وبقيت طريحة الفراش لمدة عام كامل، كانت خلال تلك الفترة أمها صديقتها المقربة لها ترعاها وتخفف عنها وتسعى جاهدة لإسعادها ورسم الابتسامة على وجهها بكافة السبل، فقامت بتوفير سرير متحرك بعجلات٬ إضافة إلى مرآة في السقف، وكان هذا السرير بداية الإلهام٬ حيث كانت ترى وجهها في مرآته بشكل مستمر، إلى أن جاء يوم وطلبت من والدتها ورقة وريشة وألواناً، وقامت بنقل وجهها من المرآة إلى الورقة عبر رسمه، ومن هنا بدأ مشوار الإبداع لدى فريدا.
في 21- أغسطس - 1929 تزوجت فريدا رجلاً يدعى دييغو ريفيرا، بعد قصة حب عارمة، وهو رسام ميكسيكي مثلها، وكان عمرها آنذاك 22 عاماً، فيما كان هو في 42، وعلق والدها يومها على هذا الزواج بعبارته الشهيرة: "هذا الزواج أشبه بزواج فيل من يمامة"، وبالفعل كان هذا التشبيه ليس ببعيد عن الواقع، واتفق أن رسمت في نفس سنة زواجها لوحتها الشهيرة "الوقت يطير" والذي يبدو جلياً بها التخلي عن نمط عصر النهضة والنظرة الأرستقراطية واكتفائها بردائها المخملي ذي اللون القاتم٬ مشيرة بذلك إلى المرأة ذات الجذور المكسيكية التي أحبها دييغو وتزوجها، رافقت فريدا زوجها في تنقلاته التي كانت بدواعي أعمال فنية ومعارض حول عدة مدن مثل سان فرانسيسكو، ونيويورك، وفي عام 1932 سافر إلى دترويت حيث عمل على عدة لوحات جدارية لمعهد دترويت للفنون، وكانت أثناءها فريدا حاملاً، ولكن للأسف كانت غير قادرة على تحقيق حلم الأمومة الذي راودها بسبب الحادث الذي تعرضت له فاضطرت للإجهاض، ولقد ترك هذا الأمر حزناً عميقاً في نفسها، وعبرت عن ذلك بلوحة مؤثرة اتسمت بمرارة وألم شديدين، ثم لاحقاً تعرض زواجها من دييغو إلى الانهيار بسبب نزواته المتكررة لها مع العديد من النساء كان آخرها وأشدها مع أختها كريستينا، فافترقت عنه بعد عشر سنوات من الزواج، وقامت وقتها بتجسيد واقع الطلاق في لوحتها الشهيرة "فريداتان اثنتان" هذه اللوحة التي تظهر ازدواجية فريدا، التي أحبها دييغو بزي تيهوانا المكسيكي ممسكة بيدها بنقش مرسوم عليه دييغو كطفل، ومن اليسار الفريدا الأخرى بفستان فيكتوري أبيض اللون، التي تخلى عنها دييغو ذات أصول ألمانية من طرف والدها، ويظهر واضحاً حجم الألم الذي تشعر به إزاء تصرفاته معها، أما عن خلفية اللوحة فتظهر السماء ملبدة بالغيوم تصف التشتت والشعور بالوحدة الذي انتابها.
بعد عام واحد من هذه الحادثة عادت إليه متناسية ما حدث قابلة اعتذاره عما بدر منه، وكان دييغو زوجها الخائن وحبها الأوحد موضوعاً غطى الكثير من صفحات يومياتها؛ فهي كانت امرأة عاشقة ومخلصة له، رغم ما أشيع عن علاقتها بقائد الثورة البوليشفية تروتسكي ثم بأندريه بريتون، وصولاً إلى هنري فورد صانع السيارات الأمريكي الشهير.
كان دييغو ريفيرا زير نساء من الطراز الأول، ورافضاً لفكرة الزواج، بسبب تجربة سابقة فاشلة، ولكن ظهور فريدا في حياته قلب المعادلة رأساً على عقب فأسرته هذه الأنثى الاستثنائية ذات الحس المرهف والأطوار الغريبة بفنها المتميز الذي عبرت فيه عن ذاتها رغم ما مرت من ظروف قاسية.
ولد دييغو في أسرة يهودية غنية، في غواناخواتو قرب المكسيك، كان شغوفاً بالكيمياء والأحياء وأبدع في فن التصوير، ثم ما لبث أن التحق بالمدرسة الفنية الليلية الأكاديمية٬ وبسبب تفوقه حصل على دبلوم أهله للدراسة النهارية التي سرعان ما تخرج منها بتفوق ليحصل على منحة حكومية للدراسة في أوروبا التي سافر إليها بعد أن أقام في بلده معرضاً لأعماله الدراسية، تبنى ريفيرا في شبابه أفكاراً شيوعية إلحادية وصار يدافع عن حق الفقراء والكادحين، ثم تنقل حول عدة بلدان في أوروبا، واحتك عن قرب بكبار الفنانين أبرزهم بابلو بيكاسو الذي تأثر بمدرسته، ثم ما لبث أن أسس فناً خاصاً به ببصمة مكسيكية، وكانت هذه المدرسة تعكس المفارقة بين طبقة الكادحين والحياة المترفة للأغنياء، فيظهر تعب وقهر الفقراء تحت ثقل الأزهار وتحديداً الزنبق، في حين يتمتع ويتنعم الأغنياء على حسابهم.
في السنة الأخيرة من حياة فريدا، صارحها طبيبها بضرورة بتر ساقيها حتى الركبتين وذلك بسبب الغرغرينا حفاظاً على حياتها، وقتها خرجت فريدا من المستشفى بساقين صناعيتين، فتأثر ريفيرا لذلك وقرر الترفيه عنها لعلها تنسى ما حل بها، فاشترى يختاً مجهزاً كبيت كامل واستأجر سائقاً له وطباخة وممرضة، وجاب فيها مناطق بحرية وجزراً سياحية تفيض سحراً وجمالاً؛ أملاً بإدخال البهجة إلى قلبها.
أغمضت فريدا عينيها عن هذه الحياة في 13- تموز-1954 عن عمر يناهز 47 نتيجة انصمام رئوي تاركة عبارة في جوارها تقول: "أرجو أن يكون خروجي من هذه الحياة ممتعاً، وأرجو أن لا أعود إليها ثانية"، لكن البعض شكّك في سبب الوفاة نتيجة جرعة مخدر مفرطة قد تكون مقصودة أو لا تكون كذلك، ولم يتم تشريح الجثة لمعرفة السبب الكامن وراء رحيلها، ثم لاحقاً حرقت تنفيذاً لوصيتها وتم الاحتفاظ برمادها في آنية في منزل والديها الأزرق، الذي فيما بعد سكنته هي وزوجها دييغو. بعد رحيلها بمدة قصيرة استشعر دييغو حجم الخسارة التي حلت به نتيجة فقدانها فكتب في سيرته الذاتية، أن اليوم الذي رحلت فيه فريدا كان أكثر الأيام مأساوية في حياته، مضيفاً أنه اكتشف متأخراً أن الجزء الأفضل في حياته كان حبه لها، وبعد ثلاث سنوات توفي دييغو بمرض السرطان فخلط رمادها مع رماده تخليداً لذكراهما كثنائي لعاشقين وفنانين لا يتكرران.
واليوم تحول هذا المنزل الأزرق إلى متحف باسم "فريدا كاهلو" يضم إرثاً فنياً عملاقاً لها مع بعض المتعلقات والمقتنيات الشخصية، يقصده الآلاف كل عام لإلقاء نظرة على حياة واحدة من أكثر الفنانات تميزاً وتفرداً، عاكساً بذلك ومضات من حياتها التي اتسمت بمزيج من التراجيديا والإبداع.

 

التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم