ريشة وقلم

“أَشيبِي “الإفريقي إلى العالمية

“أَشيبِي “الإفريقي إلى العالمية


"الأشياء تـتداعى" أشهر روايات القارة السمراء


أدهش "أشينوا أشيبي" القراء بروايته "الأشياء تتداعى" التي امتنعت العديد من دور النشر الشهيرة عن نشرها، لمجرد أن كاتبها ينحدر من مجاهل إفريقيا. وظلت مسودة الرواية سجينة حتى قبلها ناشر بالصدفة بناء على توصية من أحد النقاد، فطبعت الرواية وطار صيتها وحققت نجاحاً منقطع النظير، ما جعلها تترجم إلى 50 لغة، وتوزع ما يفوق 10 ملايين من النسخ. 

 

سر الشهرة
تعود الشهرة التي حققتها رواية "الأشياء تتداعى" للأسلوب الروائي الذي استخدمه أشيبي؛ فهو من نوع السهل الممتنع الذي يمازج بين اللغة البديعة وموضوع الرواية الماتع، فهي تنسج حول الحياة الإفريقية وما يحيط بها من الخرافات الغريبة، وانطباعات الإفريقيين الساذجة عن الثقافة الجديدة التي أدخلها المستعمر الأوروبي، ثم وصفت الرواية أشكال الصراع في تفاصيل حياة الإفريقي، ابتداء من الصراع داخل الأسرة والصراع حول الزعامة وحتى الصراع حول مقاومة المستعمر الدخيل. هذا بجانب عقائد الإفريقيين الساذجة وخاصة إيمانهم العميق بالتفاؤل والتشاؤم، وصنوف الوثنيات التي عشعشت بالتقادم في أعماق الإفريقيين ووصلت حداً جعل الوالدين يقدمان على قتل ما ينجبونه من التوائم تجنباً للشؤم.


البطل أكونكو 
بطل هذه الرواية هو "أكونكو" الشاب المقدام الذي يتقد في صدره عنفوان الفتوة والزعامة، وتموج نفسه بمرارات الحاضر وأحلام المستقبل، وتنبض روحه بمفارقات التمرد والانصياع، فهو الفتى الإفريقي القوي الذي يعشق الحرية وتعشعش في رأسه الاعتقادات القبيلية، وهو الذي يحرص على أداء الطقوس والشعائر ويلبي نداءات الكهنة، ولكنه في ذات الوقت يتفحص الأمور بذهن غير متحيز، ويطلق آراءه القوية، فمثلاً يوجه أكونكو نقداً لاذعاً لوالده، ولا يرى فيه النموذج الذي يجب أن يحتذى، لأنه يتصف بصفات سيئة، فقد كان مزواجاً للنساء ومتلافاً للمال في النبيذ وحفلات الموسيقى، وزيادة على ذلك فهو مستكين مسالم لا ينازع الآخرين، مما أعطى انطباعاً عن ضعفه في المجتمع الذي يعيش فيه. 
وكذلك كان "أكونكو" شديد النقد لابنه (نواوي) لأنه كان يرى فيه شبهاً كبيراً بجده الكسول، وعلى عكس ذلك كان معجباً بابنته "إذينيما" التي كان ينظر إليها بإيجابية ويفضلها على أخيه، بل ويرى فيها مثالاً لرجاحة العقل وقوة الشخصية. 


نهاية بطل
لقد كان البطل متعلقاً بالمعالي، فهو ومنذ أن كان في الثامنة عشر من عمره كان يعد نفسه ليصبح زعيماً، وفي مسيرته الواثقة لنيل الزعامة، استطاع أن يحقق النجاح تلو النجاح وأصبح مشهوراً وزعيماً محلياً محترماً وذا ثروة ومكانة كبيرة في قبيلته، ولكن الرياح لا تجري بما تشتهي السفن دائماً، فكبا الجواد كبوة قلبت حلم الحياة رأساً على عقب، فلسوء حظه تورط أكونكو في جريمة قتل بالخطأ، فوقع ضحية لحكم عرفي قضى عليه بالنفي لموطن قبيلة أمه لسبع سنوات حسبما كان يقضي القانون المتبع.
وبعد أن انتهت العقوبة عاد (أكونكو) إلى قريته لمواصلة الكفاح، فكانت المفاجأة، فلم يجد الديار كما تركها فوجد التغيير يدب فيها وفي ناسها، فقد أصبح نشاط المبشرين الأوروبيين يشاهد في العلن بل ويحظى المبشرون بالاحترام الكبير بين الوثنيين، بل الأدهى والأمر أن وجد التغيير في داخل بيته! لقد ارتد ابنه عن الوثنية وأصبح يمارس الطقوس النصرانية متخلياً بذلك عن ديانة آبائه وأجداده.
ثارت ثائرة البطل فلم يكن بمقدوره أن يقبل هذا التغيير الهائل، فذهب غاضباً إلى صديقه القديم (أوبيريكا) الذي عرف بالشجاعة فتحدث معه في الأمر وفاتحه في ضرورة مقاومة الاستعمار، إلا أن خيبته كانت كبيرة فقد وجد أن الصديق قد أصيب أيضاً بالانكسار والخذلان ولم يشاطره الصديق الفكرة متعللاً بأن المبشرين قد استطاعوا أن يكسبوا تعاطف الناس. 
أحبط البطل من صديقه، ولكنه لم يسأم من الكفاح، واتخذ قراره بأن يقاوم وحده، فقام ذات يوم بقتل أحد المسؤولين الاستعماريين في قريته، وسرعان ما تم القبض عليه وصدر الحكم بإعدامه شنقاً، وما كان من البطل إلا أن ركض وعلق نفسه على شجرة وأزهق نفسه منتحراً، حتى لا يعطي المستعمر شرف قتله.


الأديب الأول 
كان أشيبي يشعر بالحزن عندما يقول الأساتذة إنه لا يوجد شيء اسمه الأدب الإفريقي! فصمم أن يكون ذلك على يديه، وكتب له أن يحقق حلمه، فاستطاع أشيبي أن ينتزع لنفسه لقب الكاتب الإفريقي الأول وبامتياز، فأشيبي لم يتفوق على أدباء إفريقيا وحدهم، بل تفوق على كل من دبجوا رواياتهم عن إفريقيا والإفريقيين، فبـزَّ روائيين عالميين كثر من أمثال آلان باتون وأليكس هيلي. لقد كان أشيبي صادقاً بحكم أصالته في الانتماء الإفريقي، الذي لم يتهيأ لمن اشتهروا بكتاباتهم عن الأدب الإفريقي، فكيف لا وهو ابن الواقع الذي يجعله يكتب ويروي من "داخل الصندوق"، فلطالما كتب الآخرون عن مشاهدات وتصورات تشوبها التوهمات عن ممارسات الإفريقي في أرضه السمراء.
وقد أبدع أشيبي روايته وهو في الثامنة والعشرين من عمره، ويقول إن إبداعه الروائي قد تأثر بشكل كبير بالحكايات التي كانت تقصها عليه أمه وكذلك بالقصص التي كانت تدرس في المدرسة الأولية، فيعتبرها أن ذلك التلقي هو ما فتح أمامه الآفاق، لقد كان أشيبي روائي إفريقيا وأديبها الأول الذي ترك بصمته باقتدار، ومع الفن الروائي فقد كان أشيبي يعبر عن بعض الأفكار بمقولات ساخرة وبسيطة.
فمثلاً يعبر عن استمرار تشويه تاريخ إفريقيا بمقولته التي أصبحت بمثابة المثل السائر:
 "ما لم يكن للأُسُود مؤرخٌ فإن تاريخ الصيد سيكتبه الصياد".
وهو يريد أن يقول إن الناس سيصدقون القادر ما دام الطرف الآخر عاجزاً عن التدوين. ولأشيبي مقولات أخرى عبرت ببساطة عن الحكمة الإفريقية، ولهذا كسب التعاطف والاحترام من كثيرين حتى وافاه أجله في عام 2013م.

التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم