ريشة وقلم

الفنانة الإماراتية العالمية فاطمة لوتاه

الفنانة الإماراتية العالمية فاطمة لوتاه


ما من شيء رسمته في حياتي إلا وكان للصحراء نصيب فيه


منذ طفولتها كان الرسم خيار حياتها الوحيد، وبعد سنة قضتها في بغداد في دراسة الفن قررت الفنانة الإماراتية فاطمة لوتاه الانتقال إلى الولايات المتحدة لدراسة الفن، بدءاً من عام 1979 لتنهي دراستها عام 1983. بعدها ذهبت إلى إيطاليا لتدرس وتقيم في مدينة فيرونا. ولا تزال هناك هذه اللحظة بالرغم من أنها لم تغب عن بلدها الإمارات، التي تؤكد أنها تعيش في قلبها. 
بعد سنوات الثمانينيات من القرن الماضي التي قضتها وهي ترسم توقفت لوتاه عام 1991 عن الرسم ولم تعد إليه إلا عام 2000. عرضت أعمالها في باريس مرات عديدة غير أنها تشير باعتزاز إلى تجربة العرض المشترك مع الشاعرة والرسامة ميسون القاسمي في قاعة اليونسكو. أقامت لوتاه معارض شخصية في عدد من المدن الإيطالية، غير أنها حين أقامت مرسمها الشخصي جعلت منه قاعة لعروضها.
 مزجت لوتاه بين الرسم وفن الأداء، فكانت ترسم أمام الجمهور بعد أن تكون قد اختارت القضية التي يتمحور حولها ما سترسمه وهي تؤدي أمام الجمهور دورها الحقيقي. وغالباً ما كانت حكاياتها عن النساء.
تقول لوتاه: ما تعلمته في بغداد يُعدّ أساسياً في تجربتي الفنية. هناك تعلمت قواعد الرسم وأحبت بغداد كما لم أحبَّ مدينة أخرى. سنوات الدراسة الأميركية فتحت أمامي أبواب الحرية في اتباع الأساليب الفنية وصولاً إلى ما يمكن أن تعتبره علامتي الشخصية. أما في إيطاليا فإنها تعرّفت على الفنون المعاصرة وبالأخصّ فني الحدث والأداء الجسدي. 
في معرضها الأخير الذي أقيم في مؤسسة العويس الثقافية في دبي، والذي ضم حوالي خمسين عملاً فنياً بين رسم وتشكيل وتكوين، قامت الفنانة الإماراتية فاطمة لوتاه بتقسيم المعرض إلى أجزاء حضر فيها الشأن المحلي والعربي وخاصة التطورات السياسية التي عصفت ببعض الدول العربية، حيث المأساة السورية كانت واضحة من خلال الوجوه التائهة والحزينة ومن خلال المساحات الزرقاء التي ترمز لحركة المهاجرين عبر البحر.
وفيما يخص العراق كانت الألوان السوداء طاغية بملامح نساء عراقيات في لوحات جدارية كبيرة ترمز إلى التراث والحزن العراقي المستمر، فضلاً عن الحضور الخليجي لنساء طوراً بثياب زاهية وأخرى بوجوه تراثية بدت أقرب إلى الاحتفاء بقيمة المرأة في المجتمع.
 
وتحدثت عن فترة الدراسة في بغداد، حيث قالت:
" كانت قصيرة ولكنها كانت بالنسبة لي مركزة ومكثفة في خيالي، فكنت محظوظة بتلقي الدراسة على يد أحسن الفنانين العراقيين وعلى رأسهم الفنان التشكيلي العراقي الراحل فائق حسن، الذي علمني كيف أمسك الأدوات وكيف أتعامل معها، لقد تلقيت "المهنة" إن كنت تستطيع أن تسميها ذلك، وفي قلبي مازالت تتردد كلمة "شكراً" لكل من التقيت بهم في ممرات الأكاديمية وفي قاعاتها، لقد علمتني بغداد خطوط الرسم والألوان وعشق الرسم ومعرفة أسراره الجميلة من وجوه وأماكن لاتزال تعيش في ذاكرتي."
وأكدت على حرصها على توظيف الحرف العربي في لوحاتها، وتزاوج بينه وبين الشعر، ذلك لأن الشعر رسم ناطق، والرسم هو الشعر صامت. وقالت: "إن الحرف في لوحاتي مرسوم رغم أنه غير مكتوب في تصوري، وقد استخدمت هذه التجربة مرة واحدة في معرضي "غزل"، وهو الجزء الثاني من المعرض الأول "صحراء وأهل الرمال الحمراء".
 
كما تحدثت عن تأثير الشعر في رسوماتها، حيث قالت:
أميل كثيراً إلى قراءة الشعر، وأفضل قراءة الشعر الصوفي، لجلال الدين الرومي، إذ أرى أن الشعر لاسيما الذي يحمل نغماً يشبه الموسيقى، وكذلك معاني صوفية وفلسفة، ينعكس على روح الإنسان وتأمله في الحياة وفي الوجود، الذي بلا شك يؤثر في الفنان فنه وأسلوبه، فالفنان في كل ما يفعل يحاول أن يعبر عن تصور معين للحياة.
 
وعن ميلها للتجريد في لوحاتها، قالت:
كثيراً ما أسمع وأقرأ ذلك في كتابات النقاد وأيضاً المتتبعين، منهم من يرى أني أميل للتجريد في لوحاتي، بينما يصنفني البعض الآخر بمتخصصة في فن البورتريه، وبالتالي أنا فنانة في ذلك أو ذاك، لأن مهمتي وعملي هي المحاولة الدؤوبة في جعل المشاهد يدخل في ذلك العالم بكل تفاصيله واكتشاف جمالياته، محاولة جعله أن يعبر إلى العالم الذي دخلت أنا فيه لأنه عالم لنوره جمال ولجماله نور، فأنا أؤمن بما أفعل.
 
وأضافت قائلة:
الفنان حين يرسم يكون في حالة عطاء، وبالتالي فإن كانت الروح هي التي ترسم فهي مُسيَّرة، فالروح تقول للفنان بأن ينثر طاقة الجمال، هذا يُمكِّن الفنان من التواصل جمالياً مع الآخرين؛ فأنا فنانة تجريبية، في كثير من الأحيان قد لا أصل إلى شيء فإني أتركه من أجل البحث عن شيء آخر. أركز على حقيقة أن الفنان يقود جمهوره في عملية تفاعل جمالي لن تنتهي، ذلك لأن الطرفين، الفنان وجمهوره، يستمران في خوض مغامرة مجهولة النتائج. كما في حياتي فإني أقيم في رسومي علاقات بين متناقضات، أتحول في كل لحظة عيش ويتحول معي أسلوبي في كل لحظة رسم. لذلك فإني حينما عدت إلى مدينتي دبي عدت إلى الروح الخارقة التي تجسدها الصحراء، هناك حيث تقيم ذاكرتي البصرية التي لم تمح تفاصيلها الأسفار. ما من شيء رسمته في حياتي إلا وكان للصحراء نصيب فيه. 
 
وتحدثت باسهاب أكثر عن تجربتها مع الجمهور، فقالت:
أنا في معارضي الفنية أتمتع بأن أمنح المشاهدين والنقاد على حد سواء حرية تسمية لوحاتي، فالرسم بالنسبة لي ليس له حدود، وأتمنى ألا يكون هناك حدود لأعمالي أيضاً، فكل ما أريد هو أن أصنع من تلك الألوان انفجاراً في ضوء الشمس يخلق آلاف أقواس قزح في كل بقاع الأرض، وبين تلك الألوان كلمات حب وسلام أبعثها لكل العالم.
 
وعن ذكرياتها مع مرسمها الأول، قالت:
حينما أنهيت دراستي الجامعية في أميركا، نصحني أساتذتي بالانتقال إلى إيطاليا لأن الفن الذي كنت أقدمه جيداً، فانتقلت إلى أوروبا، وكان مرسمي الأول في فيرونا، وذلك في بداية الثمانينيات، وكانت مساحته صغيرة، ولكن كان لا بأس به بالنسبة لي، لأني كنت أقدم الفن الأدائي، والأخير يتطلب مساحة للترتيب فقط، وبالتالي فإن المرسم هو المكان الذي أعيش فيه تفاصيل حياتي، وقبل أن أدخل المرسم أرتب نفسي إلى هذا الموعد، فأستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية التي عشقها، لأنها تُدخلها في عالم يختلف كثيراً عن الواقع، فهي تشكل التهيئة للعطاء الصادق.
وتكمل لوتاه: لديّ مرسمان، في إيطاليا، وفي الإمارات، مرسمي في إيطاليا هو الأكبر، وهو مواجه لغابة ولمشهد طبيعي جميل، فإن كل العوامل البيئية لم تؤثر في علاقتي باللون، فحتى حينما أكون في إيطاليا أرسم ألوان الصحراء، بالمقابل طالما سمعت تعليقات من الجمهور في فيرونا وأوروبا على أن لوحتي لا توحي بالطبيعة، لا بل إنها تمشي مع لون الصحراء وهوائها؛ لأن الأرواح حين تولد في مكان، تبقى مرتبطة بالمكان الذي ولدت فيه، ولهذا لا يمكنني إلا أن أعكس الصحراء في عملي.
وفي النهاية أكدت لوتاه أنها تتمنى أن تردم الفجوة بين الأجيال، أي بين الفنانين القدامى والفنانين من الجيل الجديد.
وقالت موضحة: فالجيل الجديد حصر نفسه في "اعتقاد الوصول"، لأن الأجيال الجديدة يجب أن تستفيد من خبرات من سبقها، لأن أكبر مشكلة سيواجهونها حين يرون أنهم بغنى عن الآخر، "وأنا بتصوري إذا لم تكن لك قاعدة فمن الصعب أن يكون لك امتداد.. الامتداد هو حياة للفن واستمرارية له".
التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم