ريشة وقلم

تأملات كريمة.. لم نتغير يا رمضان !

تأملات كريمة.. لم نتغير يا رمضان !



دلفت كريمةُ المقهى مبكّرةً اليوم، يدفعها شوقها الكبير له.. جلست في مكانها المعتاد وهي تشعر بحنينٍ عارم، وأخذت تصافح كل شيء بعينيها.. السقف المدوّر بمصابيحه ذات الإضاءة الخافتة، والأرضية الخشبية بزخارفها الذهبية الناعمة، والطاولات المضلّعة تسكن فوقها الورود بكل هدوء ودعة. لقد افتقدت هذا المكان الحميميّ حقًّا؛ فهي لم تزره طوال شهر رمضان. لماذا؟ لأنها ببساطة لا تريد أن تشارك فيما تُسمّيه: (حفل تأبين رمضان)؛ إذ دائمًا ما كانت تشعر أن كل هذه المظاهر المهرجانية لرمضان ما هي إلا تفريغ للقيمة الحقيقية له، وتحويله إلى مجرد شهر للفوانيس والألوان والسهرات، فيدخل الشهر ويخرج ونحن لم نفعل سوى أن حولنا الليل إلى نهار والنهار إلى ليل؛ نقضي ثلثَي النهار في النوم، والثلث الثالث في محاولة تزجية الوقت أمام الجديد من المسلسلات، فإذا ما حلّ الليل حلّ الثوب الجديد الذي ألبسناه إياه؛ فيتفنّن كلّ منا في المشاركة في السهرة الأكثر تفريغًا لرمضان من معناه الحقيقيّ.

ثم يأتي العيد فنتساءل: لماذا لا نشعر بالفرحة؟ وأية فرحة سنشعر بها إذا كنا طوال الثلاثين يومًا الماضية نحتفل يوميًّا؟! أما هي فقد استطاعت أن تكسب الاثنين معًا: فرحة العيد، والحفاظ على الذكريات الروحانية الصافية لشهر رمضان المبارك. 
اشتاقت إلى المقهى فعلاً.. نظرت حولها وهي تمارس هوايتها الأثيرة في التأمّل. مازال روّاد المقهى قليلين لم يكتملوا بعد، فهناك طاولتان فقط قد شُغلتا، استقل الطاولة الأولى ثلاثة شبّان، والثانية لعائلة صغيرة. تلفّتت حولها فرأت امرأة وزوجها قادمَين من الباب يتجهان نحو طاولة جانبية.. ابتسمت كريمة في سرّها إذ ذكّرتها المرأة بأولئك الفتيات اللواتي كانت تراهنّ في حمامات الجامعة، القادرات على تحويلها في غضون دقائق قليلة –بقدرة قادر- إلى صالون تجميل: أصوات مجفف الشعر، وقرقعة أدوات التجميل، مع ضربات الكعوب المستعجلة.. كل ذلك والساعة مازالت لم تتجاوز السابعة صباحًا! وكانت تتساءل دائمًا عن الدافع الذي يعطيهنّ هذه الطاقة لممارسة هذا التجميل الصباحي اليومي الذي تتكاسل عنه هي في المناسبات والأعراس! وعن السبب الذي يجعل التجميل عندهنّ شيئًا لا يخضع للقواعد الاجتماعية وأصول التجميل، إذ تتلاشى الفوارق بين مكياج الصباح مثلاً ومكياج العرس. 
استمرت كريمة في خواطرها وهي تتأمل المرأة؛ أحمر الشفاه الفاقع والعدسات ذات اللون الثلجي، مع خطّ عريض كبير يرسم الحواجب بشكل مبالغ فيه، تصطدم بهما رموش صناعية كثيفة لم تستطع كريمة إلا أن تشبّهها بمسّاحات سيارتها.. وقبل أن ترتسم الابتسامة على وجهها بسبب تشبيهها الأخير، كانت ملامح تلك المرأة قد تحولت إلى العداء فجأة، وهي تصرخ بصوتٍ عالٍ: إلى متى ستستمر في النظر يا عديمَ الأدب؟ تحولت جميع نظرات روّاد المقهى تلقائيًّا إلى حيث تنظر المرأة. كان عامل النظافة قد جمد عن الحركة، وراعته المفاجأة فبقيت المقشّة في يده نصف مرفوعة، على حين اتّقد وجه الزوج غضبًا وهو يرميه بنظرات نارية، فاستوعب هذا الأخير موقفَه الحَرِج وطأطأ أرضًا. شعرت كريمةُ باللامنطقية وهي تفكر: إذا كانت المرأة بهذه الحساسية تجاه نظرات الآخرين فلماذا إذن بالغت بالزينة إلى الحد الذي يلفت الجميع –كما لفت كريمة نفسها-؟ أعادت كريمةُ النظرَ إلى المرأة فراعَها ما رأت! إذ لم تُخطئها رؤية الفرح المستتر وراء ملامحها الهادئة، وهي تسحب زوجها من يده في رومانسية مصطنعة إلى حيث طاولتهما.
يا للهول! هل فعلت المرأة كل ما فعلت لتحقّق غرضًا في نفسها على أطلال كرامةٍ مهدورةٍ لعامل بسيط؟ أَلِمجرد أنها تعرف أنه لا حول له ولا قوة تُشعله حطبًا لغيرة زوجها، تتلذذُ هي بها وتستدْفئ؟
وعلى حين كانت كريمةُ ترقب العاملَ متكوّرًا كالقطة في الزاوية البعيدة، كانت تتناهى لها أصوات ضحكات المرأة مجلجلةً صاخبة.. تستجدي المزيد من الأنظار.
لا فائدة.. لم نتغيّر يا رمضان.. لم نتغير يا رمضان.

التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم