في ضيافة مرامي

الفنان عبد الرحمن أبو زهرة

الفنان عبد الرحمن أبو زهرة


القراءة أكسبت موهبتي فن الشباب المتجدد


عبد الرحمن أبو زهرة... فنان يطل على الأسر بوجهه البشوش ليوصل لأفرادها عِبرة أو معلومة من خلال أدائه العفوي، كان "المعلم" الكريم بخلقه وعطائه والحكيم بقراراته وهو يؤدي دور "المعلم سردينا" في مسلسل "لن أعيش في جلباب أبي"، يعكس تكريمه سبعة وعشرين مرة بأوسمة ودروع وجوائز قيّمة عن مدى تميزه كفنان. واليوم همه الوحيد هو التقرب من الله مجاهداً بحياته الروحية فكل شهر يختم قراءة المصحف، متصالح مع نفسه والآخرين، لذلك هو سعيد بكل خطاه غير نادم على أي قرار طوال أيام حياته، ربما شهرته بمصر بـ "الفنان المحترم" انبثقت من مجمل خصاله تلك، فلنتأمل الحديث معه عبر الحوار التالي.. 
 
• صور يطيب لك اقتطافها من الأمس البعيد للتحدث عنها؟
مجموعة صور يكاد لا حصر لعددها، لكني سأعرج أولاً على صورة طالب مجتهد بالثانوية منصرف بالدراسة عن كل برامج الترفيه واللهو، لولا أن نظام المعهد العالي للفنون المسرحية يهيئ فرصة العمر له، إذ كان يُلزم خريجّي المعهد بتأديته عرضاً مسرحياً بالمدارس الثانوية، لتتم التصفيات لتقرير من الفائز من بين جميع الخريجين، وشاءت الصدفة أني جذبت انتباه أحد الخريجين الذي لا يسعني تذكر إلا كنيته "الحناوي" وأنا أقلد الأساتذة أمام زملائي الطلبة لتعبر موجة ضحكهم عن تميّزي بذلك، فتقدم مني ليعرض عليّ مشاركته بالتمثيل وتوقعتها مزحة لبعدي عن الفن والإعلام لأقصى درجة وحتى الإذاعة والتلفزيون والعروض المسرحية، ولكنه استمر بمطاردتي أكثر من أسبوع لقناعته بقدرتي على أداء الدور الظريف معه وتمكن من إقناعي، وأركز على هذه "الصورة "بقولي إنها كانت بدايتي مع الفن لأنها تحكي قصة انفجار كالبركان لطاقة كانت مكنونة بداخلي وأنا جاهل بوجودها، تلك الصورة قريبة من قلبي ومهما مر الزمان لن تمحى خطوطها من ذاكرتي، لأني نلت عن ذلك الدور أول جائزة ذهبية وإن كان دوري الأول.
 
• هل تسلمت الراية بذلك الدور ليأخذك معه لعالم التمثيل والشهرة؟
نعم، لكن بعد حين؛ لأني التحقت أولاً بكلية الآداب - عين شمس بكلية الفلسفة وعلم الاجتماع، وفي الكلية نصحوني بالالتحاق بمعهد التمثيل، فذهبت للتقديم، وفوجئت بأنهم كانوا يختبرون المتقدمين بالدور الذي نلت عنه الذهبية فكنت الأول على المتقدمين رغم شخصيتي الخجولة، فكان أول مكاسبي من التمثيل التخلص من الخجل ودعم الثقة بالنفس، وكان مشروع تخرجي هو مسرحية "المفتش العام" لغوغول من الأدب الروسي، وكان من بين الحضور مدير المسرح القومي أحمد حمروش، وعرض علي أن أذهب لملاقاته حال ظهور النتيجة، وكان واثقاً من نجاحي ونجحت وذهبت للقائه بالمسرح، واجتزت اختبار لجنة مكونة من حسين ريا"، جورج الأبيض وأحمد علام، وكنت الأول على مائة وخمسين متقدماً للاختبار، وعليه كان المسرح بوابتي الكبرى لدخول عالم الفن، وبانطلاق التلفزيون المصري بالستينيات كنت أول ممثل مصري يقدم تمثيلية للمخرج إبراهيم الشقنقيري.
 
• من ساند موهبتك الفنية لتتألق بهذا المستوى؟
أمران أساسيان أولهما حبي للغة العربية والتمثيل باللغة الفصحى وللأسف نشهد اليوم تواري هذا المظهر، فبعد أن كان المسرح مزدهراً بمسرحيات تعتمد اللغة العربية الفصحى وكان الشعراء يمطرون المسرح بنتاجهم الشعري الدرامي ويقابله جمهور متلهف، وكثير من المشاهد كانت تؤدى أكثر من مرة نزولاً عند رغبة الجمهور وإعجابه، واللغة العربية تعتمد على المؤدي وليس على المتلقي وعليه ليس كل من يمثل باللغة الفصحى يلقى نفس النجاح لفنان آخر حتى وإن كان نفس الدور، وقد تلمست هذه الملاحظة من ردود فعل جمهوري الإيجابية عند تحدثي باللغة العربية الفصحى، وعلى سبيل المثال دوري الأهم بحياتي "الحجاج بن يوسف الثقفي" بمسلسل عمر بن عبد العزيز، وأذكر أن المشهد صور بدون إعادة وكان يمتد لخمسة عشر صفحة.
 
• من الذي تتلهف للإبداع فيه المسرح أم التلفزيون؟
أساساً أنا ممثل مسرحي وأتشوق له أكثر، والمسرح القومي عاش مجده بفترة الستينيات، فالمؤلفين والمخرجين كانوا عِظاماً بنتاجهم المسرحي ككرم مطاوع، سعد أردش ونبيل الألفي، كلها قامات عبقرية لن تتكرر، والجمهور كان مقبلاً بلهفة لمشاهدة العروض والتفاعل معها والفنانون يسايرون هذا التميّز بما يليق به، ولا أخفي سراً فأنا مختلف عن الجيل الفني بهذا اليوم ولكني ما زلت أعمل لأني لا أود الانسحاب، وأحدث فنانينا قائلاً: "إني قادم إليكم من القرن العشرين" وهو قرن التأمل والإيقاع البطيء ليستوعب المشاهد ما يشاهده والممثل ما يقدمه، لأني لا أستوعب الإيقاع السريع للقرن الحادي والعشرين على مستوى الفنانين، بل حتى مذيعي البرامج.
 
• كيف تمكنت من التميّز بأدائك للأدوار الكوميدية والتراجيدية؟
كنت قد سُئِلتُ أيهما تود أداءه الكوميدي أم التراجيدي؟ أجبت بأن الفنان عليه أن يبدع بجميع الأدوار، فالموهبة ممكن أن تتقمص أي نوع من الشخصيات كالطيب والشرير، الكوميدي والتراجيدي فالتمثيل حياة كاملة، وقد ساعدتني دراستي لعلم الاجتماع والفلسفة بتحليل واستيعاب الشخصيات التي أديتها.
ولكن لي ما أفتخر به وأشك أن أحداً غيري يضاهيني بها وهي القدرة على حفظ النصوص، فبعد توحدي بالشخصية تراني أتمكن من حفظ السيناريو بوقت قصير جداً، ولا أدخل التصوير إلا بعد أن أحلم بالدور مؤدياً الدور وأنا نائم، وهذا يكسبني الثقة لأدائه بأفضل وأسرع وقت وكأنه حُفِر بخلايا الذاكرة، بعد ارتداء زي الشخصية أرى بالمرآة كـ" المعلم سردينا" بمسلسل "لن أعيش في جلباب أبي" ناسياً شخصيتي الحقيقية.
 
• ما السر بنجاح هذا المسلسل؟
أهم نقطة لنجاحه تكمن بافتقادنا لمسلسلات تعطي صورة مشرقة للقدوة الذي يعطي دروساً بالنجاح بأمانة متعالياً عن كل أنانية، وهذا ما قدمه المسلسل، فالقدوة المتمثلة بتجسيدي للدور وطريقة تعامله مع " الصبي عبد الغفور" كان بمنتهى الأبوة وكقدوة صالحة لابن وليس كعامل بسيط، لأن "القدوة" أمر مهم بحياتنا إن كان بالتمثيل، الشعر أو الكتابة، ولدينا بمصر نماذج مميزة منهم؛ فالكتّاب الكبار سابقاً كُثرٌ كعبد الرحمن الشرقاوي وصلاح عبد الصبور كانوا قدوة للآخرين، كذلك الأمر في الغناء كأم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب، والفنون التشكيلية لها نخبتها من القدوات، وكتاب الدراما كذلك كالكاتب "الفريد فرج" الذي كنت ألقبه بـ" شكسبير مصر" لثقافته العالية ومؤلفاته الرائعة.
 
• مَن بعائلتك حظيّ بنفس موهبتك الفنية؟
لا أحد، لا بالموهبة ولا بحب الفن، لدرجة أني ذهبت لأداء دوري على المسرح بعد سماعي نبأ وفاة والدتي وقبل إتمام مراسم دفنها، بالرغم من حبي الكبير لها فقد كانت مسؤولة عن تربيتنا لوفاة والدي ونحن أطفال، لأهمية مهنة التمثيل عندي والمهنة يجب أن تكون مهمة جداً، لكن لي أخوة عباقرة منهم أخي "محمد ناهيد أبو زهرة" الذي تخرج كأحد الأوائل الخمسة بكلية الحقوق، ويومها كان هناك تقليد ملكي يخص الأوائل بحضور مأدبة عشاء مع الملك بقصره، فحظي بذلك التكريم وعين وكيل نيابة ثم قاضياً فرئيس محكمة ومستشاراً، وكان يعشق الموسيقى الكلاسيكية وشاعراً وله عدة دواوين، وصادفه يوماً متهم بتهمة التسول، فسأله لماذا تتسول؟ أجابه المتهم: "أنا أعزف على الربابة وأطلب أجري من الناس"، فسأله أن يعزف له إن كان محقاً، فعزف المتهم لحناً شجياً فأبرأه من التهمة لعدله وحكمته، وهذه الثقافة واردة بالغرب كثيراً، أي الترزق بالعزف بالطرقات. وقد تأثرت بحبه للموسيقى فأحببت الموسيقى الكلاسيكية ووفقت بأن يصبح ابني أحمد عازف بيانو مهماً، وهو بدوره لديه ابنتين عبقريتين بالموسيقى، أميرة (11 سنة) ومريم (13 سنة) وهما عازفتان كونشرتو بفرقة أوركسترا برلين الدولية.
 
• كيف ارتقيت بموهبتك الفنية وأكسبتها روح الشباب المتجدد؟
لاهتمامي بالثقافة والقراءة باستمرار شيء أساسي، وسماعي الموسيقى الكلاسيكية باستمرار غذى ذاكرتي الفنية وأنعشها، كذلك اهتمامي بثِقَل الخبرة الذاتية وخبرات الآخرين لصقل الموهبة وتنمية قوة الملاحظة، ولكن الأهم كان ممارستي رياضة اليوغا وعلى مدى خمسة وأربعين عاماً، لأن التأمل يساعد الممثل على التركيز وإكسابه اللياقة البدنية، فالتركيز يساعد الممثل على حفظ السيناريوهات حتى وإن كانت الصالة تعج بالأصوات وجميع أفراد العائلة يتناقشون بصوت عالٍ، وهذا ما يميزني.
صقلت موهبتي بتسخير كل إمكاناتي لذلك، فإن صادتني شخصية غير طبيعية أحاول أن أخزن سلوكياتها وتحركاتها بذاكرتي لاستحضارها لأداء شخصية مماثلة لظروفها، وكما حصل معي بمسرحية "الفرافير" التي أديت فيها شخصية "ميت".
 
• كيف كان أثر الأسرة على مسيرتك الفنية؟
كانت والدتي هي المشجع الأول بأسرتي؛ لأنها قامت مقام الوالدين، رحمها الله، وأعجبتها بداياتي الفنية، وبعد التقائي بزوجتي "سلوى "وحبيبة عمري وكانت ممثلة ببداياتها، حيث التقيتها بالإذاعة وطلبت منها بعد الزواج أن تترك التمثيل لأني رجل غيور جداً، لكني شجعتها على الكتابة لأني وجدت فيها طاقة مميزة على الكتابة، فأبدعت بكتابة أربع مؤلفات؛ مسلسلين وسهرتين للتلفزيون، بينما أنا مقتدر باختصار أي عمل تلفزيوني وتركيز فكرة العمل بسيناريو أصغر لدرجة أني لقبت بـ "الدراما تورجي"، وكنت قد عُرفت بهذه الموهبة بشكل مبكر، لدرجة أن المخرج نور الدمرداش كان يحول لي عدد من المسلسلات لاختصارها.
قضيت مع سلوى نصف قرن من الزواج السعيد المبني على الحب والتعاون كانت معي بكل الحالات؛ بالشح والغنى، ترجمت حبها بوقوفها معي بفترات قاسية ومعاناة مادية عندما منعت من العمل بالإذاعة والتلفزيون، لدرجة أننا فكرنا ببيع غرفة السفرة لنعتاش منها، لكن فرج الله يسر أمورنا وفاض الخير علينا بوافر من الأدوار المميزة بمختلف النتاجات الفنية، لدرجة أني أرسلت ابنتي للدراسة في لندن.
 
التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم