ناس وحكايات

ما الذي يفتقده عندي؟

ما الذي يفتقده عندي؟



مرت السنوات الأولى من زواجنا سريعة، لطيفة، سعيدة. كان زوجي بحاجة إلى رفيقة ترعاه، وتصغي إليه، وتشاطره حماسته وانفعالاته. وكنت له هذه الرفيقة. 
وزوجي رجل اجتماعي، يحب الناس، ويختلط بهم في سهولة ويسر. لكنه لا يثبت على حال. 
فهو دائم البحث عن أصدقاء جدد، دائم التطلع إلى انفعالات جديدة. وهوايات جديدة، لهذا كانت أيامنا حافلة بالحياة والمفاجآت. حين كان يحبني طبعاً! 
وحين استقبلنا طفلنا الأول، ظن أنه أصبح والداً لأذكى ولد في الدنيا، وأجمل إنسان ولدته أم!
كان معجباً به وفخوراً، وكان يعامله باعتباره واحداً من نوابغ المستقبل. كنا نأخذه معنا أينما ذهبنا، وكان يحمله بنفسه، ويداعبه ما استطاع. 
ثم استقبلنا أخته الأولى وأخته الثانية، وبدأت متاعب الحياة اليومية ومشاكلها تثقل كاهلي، وتشغل وقتي، وتباعد بين زوجي وبيني. وكانت مشاحناتنا في هذه الفترة أقل من السابقة، بل أقل من فترة الخطبة نفسها. كنت أصغي إليه حين أجد فراغاً.
وغريب أنه كان يساعدني في أعمال البيت، أما الآن فلا.. لماذا؟ ربما لأنه كان حريصاً على أن أنتهي من عملي بسرعة، لنخرج معاً، أما الآن، فقد كف عن مساعدتي، ورغم هذا أصبح كثير التذمر والشكوى. فهو فيما يقول متعب دائماً، ومجهد في كل حين! كنت مشغولة بمشاكل البيت والأولاد، فلم ألحظ هذا التغير في سلوك زوجي، وفي موقفه مني. 
كنت أتمنى أحياناً لو أنه مدّ لي يد المساعدة كما اعتاد أن يفعل، لكنني سرعان ما أقول لنفسي إنه متعب، ولا حيلة له في ذلك. وقد أدركت الآن أنني كنت في هذا مخطئة. 
فما كان يجوز لي أن أعفيه هكذا ببساطة مما اعتاد أن يفعل. إنني بهذا لم أسعده، بل ضاعفت شقاءه، وحفرت بيننا هوة سحيقة. كان يجب أن أستخدم ذكائي ومهارتي وما بيننا من حب في إبقاء زوجي سيداً في بيته.. وهو لا غنى عن وجوده في البيت وخارجه. 
والآن، كلما استعدت ذكرى تلك الأيام، اتضح لي أنني كنت أستطيع أن أتنبأ بما يحدث لكنني لم أفعل. وذات يوم تناولت بدلة زوجي، وأخذت أفتش جيوبها قبل أن أرسلها إلى التنظيف، فوجدت في جيب الجاكيت الداخلي مجموعة من الصور الفوتوغرافية لامرأة جميلة التقاطيع، ملفوفة القوام جذابة الابتسامة.  وفي صورة واحدة منها، ظهرت بجانب زوجي، ذراعها في ذراعه وعيناها في عينيه، تبتسم له ويبتسم لها. وحينئذ تذكرت إصراره على السفر طوال الإجازة إلى... بدعوى ما يشعر به من تعب وإرهاق! وبدأت الدنيا تدور أمام عيني. وكانت الساعة قد جاوزت الواحدة بعد الظهر، فخشيت أن يعود قبل أن تهدأ أعصابي فأكلمه بلهجة شديدة عنيفة أمام الأولاد. 
وحين عاد، كنت قد وضعت أعصابي في ثلاجة. ولم يكن الأمر شاقاً كما تصورت، فإن علاقتنا كانت فاترة جداً، أعددت المائدة، وجلسنا نأكل وأنا أعاون الأولاد وأرعاهم كما اعتدت أن أفعل. وكان هو كعادته يتحدث وأنا أستمع له بنصف أذن. وبعد الطعام، ذهبنا نتناول القهوة في حديقة المنزل كالمعتاد وكان الجو جميلاً، حيث العصافير تطير جماعات، ورائحة الزهور تنتشر في الجو ووسط كل هذا الجمال والروعة، كان من غير الممكن أن نتحدث عن الخيانة الزوجية، فاكتفيت بأن أناوله الصور. دون كلمة، وبلا دموع ولا اتهامات، بلا أسى. وكان أكثر ما راعني، وأفزعني، أنه تغير كثيراً، لم يعد الرجل الذي أحببته وقبلته زوجاً! قال إنني السبب، وإن الخطأ خطئي؛ فأنا لا أحبه، ولم أحاول أن أفهمه أو أسعده. حاولت أن أذكره بماضينا الجميل، وأيام حبنا الرائعة، فإذا هو يتناسى، أو لعله نسي فعلاً!
وفي المساء، أصبح أكثر واقعية وأكثر حكمة. قال لي: إنها مجرد نزوة طائشة؛ نوع من الجنون لا يلبث أن يزول. أخبرني أنه يحبني أنا، ولا يستطيع الاستغناء عني. ووعدني بأنه يضع حداً لهذه العلاقة الآثمة. ولكن ليس الآن. فيما بعد، مراعاة لعواطف المرأة الأخرى، حتى لا يجرح كرامتها فتثور وتثير ضجة نخرج منها جميعاً خاسرين!
وهكذا بدأت فترة طويلة قاسية من العهود والوعود التي لا تحترم ولا تنفذ. كان يحاول أن يترفق بها، وأن يكون معي عادلاً، وأن يرعى الأولاد. وهذه كما ترين مهمة شاقة، تكاد تكون مستحيلة. فصبرت وصابرت لعل الأزمة تمر دون فضيحة تهددني في كرامتي، وتهدد زوجي في سمعته وفي رزقه. 
 وبدأ الانفصال بيننا. كنت أبدو سعيدة أمام الأولاد والأهل والأصدقاء، وأبذل جهداً كبيراً حتى لا يشعر أحد بمأساتنا. فإذا انفردت به في الغرفة، أسكت عن الكلام والحركة، وحبست أنفاسي. حتى يشعر بأنه وحيد. 

لمن أشكو؟
ومنذ البداية، قررت الصبر والكتمان. ولمن أشكو؟ إن شكوت لأهل زوجي، سخروا مني. وإن شكوت لأهلي، غضب زوجي، ورأى في تدخلهم مساساً بكرامته وبحرمة بيته. وأهلي أنفسهم قد ينظرون إلى المشكلة من زاوية الكرامة وحدها، فيسيئون التقدير والتصرف. 
وإن شكوت لصديقة، أظهرت عطفاً شديداً على حالي، واستهجاناً مريباً لموقف زوجي. 
ومن يدري فلعلها لا تحفظ سري، بل تذيعه هنا وهناك وفي عينيها علامات السرور والشماتة.


ما العمل إذن؟
حينها تذكرت كلامك حيث يمكن التخلص من الهموم من خلال الكتابة على الورق. ولجأت إلى القلم والورق أبثهما آلامي. فبدأت أكتب كل خواطري دون تنميق أو ترتيب؛ أكتبها كما تخطر لي بكل بساطة وبكل أمانة. وهكذا أفرغت على الورق أزمتي العاطفية، وتخلصت من شحنة غضبي، فرأيت المسألة في إطارها السليم، بلا مبالغة ولا تهويل، والسؤال الذي يراودني: ما الذي يفقده عندي وتوفره له الأخرى؟ لا، ليس الجمال؛ فما هي أجمل مني، وليست الرشاقة؛ فرغم أولادي الثلاثة لم أفقد رشاقتي، وأنا أكثر منها ثقافة وجاذبية. 
والآن كيف أستعيده؟
ليس المهم الآن تحديد المسؤولية، ومعرفة من المخطئ وإلى أي حد أخطأ؛ المهم أن تخرجي من وحدتك النفسية التي أنت فيها وتستعيدي زوجك. 
أنت تعلمين أن كل رجل يحب أن تكون زوجته متفرغة له خاصة عند وجوده في البيت تحتويه وتستمع إليه، لا شيء يشغلها عنه؛ لا الأولاد ولا مشاكل البيت والخدم ولا أخبار الأهل والجيران.
إنها تكون له بالفعل والقلب، كما يجب أن تتخذي القرار من ذاتك لاستعادة زوجك، وأن تركزي على الاهتمام به كما كنت تفعلين أيام زمان، وقولي له بصراحة وبساطة أنك تحبينه وأنك واثقة بحبه لك؛ لأن الرجل يحب أن يسمع من زوجته دائماً هذا الكلام. وأقترح عليك أن تقضي أسبوعين عند أهلك، لتستعيدي هدوء أعصابك، وتعودي إليه الزوجة التي أحبها. 
كلانا تغير
ثم أرسلت لي رسالة قصيرة تقول فيها لقد سامحته وعدت إليه وعاد لي. ولكن لا أستطيع أن أزعم لك أن ذكرى هذه المأساة محيت من خاطري، ولكن كلانا تغير، تغيرت نظرته للحياة، وصهرته التجربة، وأصبح أبعد نظراً وأعمق حباً وأصلب عوداً. 
لم يعد زواجنا زهرة نضرة إذا هب النسيم يؤذيها، أصبح شجرة قوية، جذورها في أعماق الأرض وفروعها في السماء لم تعد ترهب الريح ولا العواصف، لم يعد يخيفها وميض البرق ولا فرقعة الرعد، وحين يعود ابني من المدرسة، يهرع إلى والده بفرح ليساعده في دروسه وأنا أهتم بمساعدة البنات، أحمد الله على أنني لم أفقد أعصابي، ولم أهدم بيتي في لحظة طيش.

التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم