في ضيافة مرامي

إنعام كجه جي: أحلم بوطن لا تتوزعه الصراعات...

إنعام كجه جي: أحلم بوطن لا تتوزعه الصراعات...


صحفية وروائية عراقية


صحفية وروائية عراقية، بدأت رحلة دراستها للصحافة بجامعة بغداد وأنهتها بباريس بجامعة السوربون حيث حصلت منها على شهادة الدكتوراه، رغم أن موهبتها الأدبية لم تفصح عن تميّزها بكتابة الرواية إلا بوقت متأخر بعض الشيء، إلا أنها أثمرت عن ثمار غنية بعصارتها الشهية أوصلتها للقائمة القصيرة لجائزة البوكر العالمية عن روايتها "الحفيدة الأمريكية"، أحبت عملها الصحفي وكان لها سمعتها الطيبة بهذا المجال، ولما بدأت بكتابة الرواية أدهشت قراءها، الدكتورة إنعام كه جه جي حلّت ضيفة على مجلس مرامي بالحوار التالي.  
 
• لن نستذكر معك ما أعطيته للصحافة، لكن سنسأل عما أعطته لك الصحافة؟
الصحافة أعطتني كل ما أملك، أعطتني موقعي في المجتمع، اسماً، اللغة، أتاحت لي أن أتعرف بلداناً عديدة وأُناساً كثيرين، عرفت من خلال الصحافة المشكلات الحقيقية للشعوب، فمع توقع تلبية الصحفي للكثير من الدعوات وحضور المناسبات، وبالرغم من أنها غالباً ما تكون سطحية، لكن بحكم تجربتي فقد كان لي فرصة لأطلع على حياة الكثير من الناس البسطاء بتفاصيلها في البيوت، في الحقل ومكان أعمالهم، والأهم عندما أستيقظ بداخلي حس الرواية وهممت بكتابتها كانت المادة الصحفية هي التي منحتني شخصيات رواياتي، فهذا السبب بالأحرى يجعلني مدينة للصحافة.
 
• كيف تصفين العلاقة بين قلميك "الروائي والصحفي"؟
لا أرى أن هناك فرقاً بينهما بل ربما أجدهما متكاملين أو هما كذلك، ولعل ما يميز كتاباتي هو أنها واضحة وجملها غير معقدة وربما من يقرؤها سيتساءل هل هذا أسلوب صحفي؟ فأجيب بالقول بأني أرى أن الأسلوب الصحفي بعيد كل البعد عن السطحية وهو غير منفصل عن الكتابة الأدبية بل على العكس، فالأدب هو وليد الخيال وهو الذي يضفي على كتابة أي مشهد واقعي غناها الأدبي وجماليته، وهذا ما يلزمنا تحديداً بيومنا هذا الذي يتطلب إيصال الفكرة للقارئ بمستوى من الإبداعية لكن بشكل مبسط، وهذا ما قد تعودت عليه ألا وهو مخاطبة القارئ مباشرة وبدون أي تعقيد وهذا ما جعلنا متفاهمين بعضنا مع بعض.
 
• لو رغبت بكتابة سيرة حياتك على أي شيء ستتمحور تلك السيرة؟
لم أفكر إلى الآن على الأقل بكتابتها، ولكن إذا أمد الله بعمري وبقيت محافظة على ذاكرتي ربما سأفكر بذلك يوماً ما، لكن أجزاء كثيرة من سيرتي وسيرة والدتي وعماتي وشقيقاتي موجودة في الشخصيات التي تضمنتها رواياتي التي كتبتها، ففي الحقيقة كنت أرى أن كل ما يكتب عن وطني العراق في الإعلام الأجنبي هو من وجهة نظرهم، فإنهم كتبوا عنه كبلد كثير الحروب قام به حكم مستبد وأحزاب متناحرة والطائفية تتسوَّد قواه الاجتماعية، غني بثروته البترولية لكن عوائده وخيراته ليست دائماً لشعبه، بل قد تكون هذه الثروة قد تحولت إلى نقمة بدلاً من أن تكون نعمة، ولكن ليس من أحد يتكلم عن الإنسان العراقي من الداخل وهمومه وهو الذي ينتمي لشعب متحضر، عريق، مثقف، مبدع، عاشق للفنون وللحياة، عانى الكثير لأنه سيق به إلى الكثير من الحروب، هذه الجوانب الإنسانية لا يستطيع أن يدركها ويكتبها إلا ابن البلد وأنا لست فقط ابنته ولكن من حيث العائلة والمرأة والأم التي لها حساسية تجاه العائلة أكثر من غيرها، لذا فقد جاءت كتاباتي عن العراق من الداخل وبأدق التفاصيل، وعبرت عن حقيقة معاناة شعبه خلال هذه الصراعات لعقود عديدة وطويلة وكيف واصلوا حياتهم إبان هذه الظروف؛ حقيقة كدت أن أستسلم لليأس بسببها، لكن الأحداث الأخيرة ببلادي ربما جددت فيّ الأمل وأفتخر بانتمائي لهذا الشعب كم هو عظيم، وأيقنت أن شمسه ستشرق من خلف الغيمة.
 
• لمَ استقطب اهتمامك سيرة السيدة البريطانية "لورنا هيلز" بالذات فكتبتها؟
هناك خطأ تسبب به أحد المترجمين بقوله إن لورنا هيلز كانت مراسلة والحقيقة الواضحة لمن يقرأ الكتاب هو أنها كانت رسامة. وقد اهتممت بكتابة سيرتها لأنها تزوجت الرسام والنحات العراقي البارز جواد سليم، صاحب نصب الحرية في ساحة التحرير، وقد تقابلا في كلية "سليد" للفنون في لندن ثم لحقت به إلى بغداد بعد التخرج، وتزوجا وأنجبا ابنتين وعاشت معه عدة سنوات حتى وفاته بسكتة قلبية وهو في الأربعين من العمر، ولم يكن قد انتهى بعد من تعليق القطع المنحوتة على جدارية نصب الحرية في وسط بغداد، وبما أنها فنانة وقد رافقت زوجها في كافة الأعمال التحضيرية فقد أوكلت إليها مهمة استكمال النصب، وعند الانتهاء منه منحها الزعيم عبد الكريم قاسم الجنسية العراقية حيث واصلت العيش في بغداد واشتغلت مدرِّسة للرسم في الجامعة وربت ابنتيها لحين تركها العراق أوائل السبعينيات.
 لقد رسمت لورنا البيوت البغدادية القديمة والتراثية على شاطئ دجلة، وكانت تذهب كل صباح لترسم المباني والدكاكين التي جرى هدمها فيما بعد لشق شارع الجمهورية، لذلك فإنها قدمت خدمة كبيرة بتوثيقها العمارة البغدادية الأصيلة. ما جذبني أيضاً لتخصيص كتاب عنها هو أنها المرأة التي عرفت الجانب الإنساني والعاطفي من جواد سليم، فنان العراق الرائد وهو جانب لا يتاح لمؤرخي الفن عادة، لذلك قلت إنها سيرة روائية بلورت فيها قصة حب ارتبطت بتاريخ اجتماعي يكشف لنا ما كانت عليه حياة النخبة من مثقفي البلد في خمسينيات القرن الماضي.
 
• كيف كانت نقلتك بين المحطات الثقافية والأدبية؟
كنت أعمل صحفية بعد حصولي على بكالوريوس صحافة من جامعة بغداد، والتحقت بجامعة السوربون في باريس للحصول على شهادة الدكتوراه، وتصادف أني كنت أدرس وأعمل وبسبب عدم استقرار الظروف نتيجة الحروب المتتالية ببلدي ولتوفر فرص العمل في الخارج اخترت الهجرة، وجربت العمل بمجلات موجهة للمجتمع العربي وواصلت عملي بفرنسا صحفية. والكتابة الأدبية جاءت متأخرة، وذلك عندما أدركت وجود أمور بأرض الواقع لا تستوعبها التحقيقات والأعمدة الصحفية، فهناك شيء أكبر وصرخة أعمق أسيرة حنجرتي بانتظار لحظة الانطلاق، فكانت النتيجة عدة روايات كتبتها بدءاً من "سواقي القلوب"، ثم "الحفيدة الأمريكية" التي كانت أكثر انتشاراً، وتناولت بعدها الهجرات والتغرب بكل أصقاع الكرة الأرضية برواية "طشاري"، وكأننا كعراقيين أصبحنا كالطشاري وهي طلقة البندقية التي تتوزع بعدة اتجاهات لتصيب أكثر ما يمكن من الطيور، وكنت أظن أني لن أستطيع الحفاظ على نفس مستوى التألق بالكتابة، لكن تجارب شعبنا غذت كتاباتي كالبئر العميق نغرف منه المواضيع والروايات ولا ينضب، فكتبت "النبيذة".
 
• ما قصة الحفيدة الأمريكية؟
كانت " الحفيدة الأمريكية" التي صدرت باللغة العربية، الفرنسية، الإنكليزية والصينية ومن خلال هذه الرواية حاولت أن أفهم ما جرى ببلدي، وتعود أحداثها بدخول الأمريكان للعراق وكان البعض من العراقيين قد رحبوا بمجيئهم بينما الغالبية رفضت ذلك، جاءت الرواية على شكل سيرة لعراقية هاجرت لأمريكا بطفولتها ثم عادت مترجمة مع الجيش الأمريكي، وكانت تتصور أن مساعدتها تلك هي لبناء الديمقراطية ببلدها ولكنها فوجئت برفض عائلتها لها لمجيئها مع الغزاة، وجدتها بالذات لأن جدها الراحل كان ضابطاً وطنياً، فبنيت روايتي على الصراع بين الجدة والحفيدة.
 
• وتميزك بجائزة البوكر العالمية؟
الجوائز لا تقدم ولا تؤخر شيئاً، فقد وصلت ثلاث مرات للقائمة القصيرة ومنها القائمة القصيرة لجائزة البوكر، وإنما ما يهمني أن تصل الرواية للقارئ العراقي وللقارئ العربي، تترجم رواياتي لعدة لغات ومنها الصيني، الإيطالي، الألماني، الفارسي، الإنكليزي والفرنسي وكل هذا يأتي بالدرجة الثانية من الأهمية بالنسبة لي لأن القارئ المحلي هو الذي يهمني، ولكني حقيقة سعدت جداً عند ترشح روايتي "الحفيدة الأمريكية" للقائمة القصيرة لجائزة البوكر، وردود الفعل على هذا الحدث ضاعف من سعادتي؛ ففي شارع المتنبي ببغداد رفعوا لافتة تهنئة لي بترشح روايتي، وهذا بحد ذاته يعادل جوائز الدنيا لأنه رغم غيابي عقوداً عديدة عن أرض الوطن فإن الناس هناك ما زالت تذكرني وبشارع المتنبي تحديداً الذي اقترن اسمه بالثقافة وبالكتاب وقرائه.
 
• موقف مررت به وشعرت إثره بالفخر كونك صحفية؟
بعد ترجمة روايتي "حفيدة أمريكية" للغة الفرنسية استضفتُ بإحدى أهم البرامج التلفزيونية الأدبية بالتلفزيون الفرنسي، وفوجئت بمقدم البرنامج الذي يعد من الشخصيات الأدبية المعروفة عالمياً فإذا به يسألني "مدام هل أنت شيعية أم سنية؟" فلم أصدق أذني بما سمعت وحاولت أن أتأكد مما سمعته، فكرر السؤال علي ثانيةً وكنت فخورة بجوابي الذي لا يمكن أن أنساه قائلة: "ألا تظن أن هذا السؤال مُخجل؟ وهل تقبل أن أسألك إن كنت بروتستانتي أم كاثوليكي أو يهودي أم مسلم؟ أنتم ببلادكم لا تسألون هذه الأسئلة فلماذا تريد أن تسجنني بعقيدتي أو بطائفتي، أنا عراقية". هذا الموقف أحبه وأفخر بكوني صحفية وأديبة مررت به.
 
• ما جديدك المتوقع في المستقبل القريب؟
أحاول أن أكتب رواية جديدة رغم ضيق وقتي وانشغالي بالصحافة، فأنا امرأة عاملة ومسؤولة عن عائلة وأعمل كل يوم، وما يتبقى لي من الوقت أحاول استثماره برواية جديدة تقريباً كل خمس سنوات واحدة، وروايتي التي بيدي الآن هي هجاء للأحزاب السياسية في العراق، فأنا أنسب لها التسبب بتأجيج الصراعات بين أبناء بلدي العراق وإلى ما وصلنا إليه اليوم، فأنا أحلم بوطن لا تتوزعه الصراعات، أحلم بعراق موحد كما كان.  
التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم