صحتك تهمنا

اكتئاب الآباء

اكتئاب الآباء


سبب في السلوكيات السلبية للأبناء


وصلتنا رسالة من أحد الآباء مختصرها أنه سعيد في عمله، ولكنه حين يعود لبيته يشعر بالاكتئاب، حيث لا شيء يسعده؛ فالأطفال في نزاع دائم، والأم في صراخ مستمر معهم، وهو يستخدم التوبيخ مرة والضرب أحياناً، لهذا يتساءل في حيرة: كيف أجد السعادة وراحة البال في بيتي؟
 
السعادة ليست مجرد شعور مؤقت بالبهجة أو حالة عابرة، وإنما هي مشاعر إيجابية تنتاب الإنسان عبر مراحل حياته المختلفة، فإذا عاش الإنسان طفولة حافلة بمشاعر الامتنان والتسامح والتقدير وقبول الآخر والحب والمسؤولية، فمن المرجح أن يكون سعيداً طوال حياته. ومن هنا علينا كآباء أن نبث في أبنائنا روح التفاؤل ونساعدهم على ترسيخ العادات الحسنة، واكتساب المهارات وتبني التوجهات الذهنية التي تولد بداخلهم ما يحتاجون إليه من مشاعر إيجابية تؤهلهم ليكونوا من السعداء. لقد قدمت عالمة النفس (باريرا فريد ريكسون) بحثاً متميزاً سلط الضوء على أهمية ومزايا الشعور بالسعادة نذكر منها:
- توسّع السّعادة آفاق فكرنا وتجعلنا أكثر مرونة وإبداعاً واستيعاباً للصورة الأشمل.
- تتعمق السّعادة بمرور الوقت وتجعل منّا أشخاصاً أفضل، بعد أن تولّد بداخلنا الصداقة والحكمة والقّوة التي نحتاج إليها لمواجهة التحديات.
- تكسبنا الصلابة في مواجهة الصعوبات؛ إذ تؤهلنا السّعادة – بما يصاحبها من مشاعر إيجابية -  جسدياً وعقلياً للتعاطي مع الضغوط والمشكلات المفاجئة.
 
اصنع سعادتك
تؤثّر مستويات سعادة الآباء في سعادة أطفالهم واطمئنانهم، فقد ربطت الأبحاث بين الآباء وبين السلوكيات السلبية للأبناء. بل ويسلب الاكتئاب قدرة الآباء على تقويم سلوكيات أبنائهم بشكل إيجابي. حين تنعم بحياة سعيدة وسوية، فإن الأطفال هم أول من سيجني ثمار توجهاتك الإيجابية؛ فالأطفال يتبعون خطى والديهم ويحاكونها. وهذه بعض الإرشادات التي ستكسر روتين حياتك وتدفعك نحو تحقيق السّعادة: 
- تنزه مع الأصدقاء وانعم بلحظات المرح والصفاء: فالعلاقات الإنسانية والاجتماعية الناجحة هي جوهر السعادة، كما أن للضحكات التي نتبادلها مع من حولنا أكبر الأثر في تغيير شعورنا النفسي وأدائنا الجسدي من خلال التخلص من التوتر والمواقف الدفاعية التي يتبناها عقلنا بتلقائية. ولأن الضحك معدٍ كما يقولون، فاحرص على مصاحبة من يتمتّعون بروح المرح وخفة الظل.
- تأمل الكون: حاول أن تخلو بنفسك لبعض الوقت وتتأمل ما حولك؛ إذ يحفز التأمل الجانب العقلي المسؤول عن تخزين المشاعر الإيجابية، ومع التأمل ابتكر واستخدم (صحيفة الامتنان) ودوِّن بها كل ما تشعر تجاهه بالامتنان، الأمر الذي سيضاعف شعورك بالرضا والسعادة. ففي إحدى الدراسات، طلب الباحثون من المشاركين في العينة كتابة خمسة أشياء يشعرون بالامتنان تجاهها مرة كل أسبوع ولمدة عشرة أسابيع. وفي نهاية الدراسة لاحظ المشاركون تحسن نظرتهم للحياة وأنهم صاروا أكثر تفاؤلاً.
- مارس الرياضة: تساعدك التمارين الرياضية على رفع مستوى ذكائك وسعادتك وتحسّن نظرتك لنفسك.
- تفاعل مع الطبيعة: اقضِ بعض الوقت بين أحضان الطبيعة لتنقي ذهنك وتتخلص من الهموم وتنهل من المشاعر الإيجابية ما يحفزك على معانقة الحياة. تنزه بين الأشجار أو اسهر في الصحراء أو تسلق الجبال، أو على الأقل تأمل صور المناظر الطبيعية الجميلة، فمن شأن هذا أن يكثف تركيزيك ويحسّن أداء وظائفك الذهنية وإقبالك على الحياة. 
 
التواصل الإيجابي
 التواصل الإيجابي ضروري مع الأبناء، ولكن أكثر الآباء لا يهتم بتأسيس شبكة من العلاقات الآمنة والناجحة بين أطفالهم وبين من حولهم من أصدقاء وأقارب وجيران.
هناك أسلوبان يمكن للآباء توظيفهما مع أطفالهم ليتمكنوا من تأسيس روابط إنسانية قوية:
- التواصل البصري: من أهم مقّومات التعاطف الإنساني. ولهذا السبب تنجح الحوارات المباشرة أكثر من الاتصالات عبر الهاتف أو وسائل التواصل الاجتماعي. لذا فمن المهم ألا تتواصل مع طفلك بل أن تتأكد من حصولك على انتباهه. اقترب منه أولاً، ثم انزل إلى مستواه، وحدّق في عينيه بعطف، ثم أبدأ في الحوار. 
- التواصل العاطفي: تنقل تعبيرات الوجه ونبرة الصوت رسائل تختلف تماماً عما يجري على ألسنتنا. ويمكننا أن نستثمر هذه الآلية في التواصل مع أطفالنا على المستوى العاطفي. فإذا ما بدت على وجهك ملامح المحبة والتعاطف – حتى وإن كنت تعنفه أو تعاتبه على سلوك ما، فإن احتمالات تقبله وتفاعله مع حديثك تصبح أكبر مما إذا اعترى وجهك الغضب واتضح التأنيب بنبرة صوتك.
 
النزاعات بين الأطفال   
لا فائدة من تكوين شبكة علاقات لا يعمها السلام والأمان لتحقيق ذلك، يتعامل الآباء مع النزاعات بين الأطفال بعضهم وبعض في العادة وفق آليتين مختلفتين: الأولى هي توبيخ الطفلين والصراخ في وجهيهما ليتوقفا. وهنا يتبنى دور القاضي الذي يصدر الأحكام ويطرح الحلول دون الاستماع للدفاع والشهود ولا الطرفين المتنازعين، وبالتالي تفتقر هذه الآلية إلى الحلول البناءة. أما في الآلية الثانية فيتبنى الآباء دور الوسيط أو المدرب ويستثمرون النزاعات بشكل إيجابي لمساعدة أطفالهم على رؤية الأمور من وجهة نظر الطرف الآخر، وحثهم على ابتكار الحلول بأنفسهم. ويمكن للخطوات التالية أن تساعدك على تطبيق الآلية الثانية: 
• خذ نفسا عميقاً قبل التدخل لحل الأزمة. ثم نبّه الأطفال إلى أنهم يخوضون صراعاً ويواجهون أزمة، فكيف لهم أن يعالجوا أمراً لا يدركونه. وبعد ذلك ساعدهم على الهدوء والتخلّص من المشاعر السلبية، بأن تغير مكانهم وتجلسهم في مكان جديد مثل (طاولة السلام) أو تفصل بينهم لبضع دقائق ثم تجمعهم في (لحظة الوئام) وخاطبهم بهدوء وسكينة قبل أن يخاطبوا بعضهم.
• دع كلاً منهم يعبّر عن رؤيته الخاصة للمشكلة. مع منحهم فرصاً متساوية للتعبير عن مشاعرهم، من خلال ترديد عبارة متماثلة مثل: (أنا أشعر..... عندما تقوم أنت بذلك العمل).
• غيّر بؤرة التركيز، فبدلاً من أخذ الخلاف على محمل شخصي، دعهم يركزون على الخلاف فقط. ويمكن تنفيذ ذلك بتدوين المشكلة على الورق والسماح لهم بمناقشتها.
• ثم طالبهم باقتراح ثلاثة حلول تلبي الرغبات التي عبروا عنها مسبقاً. ثم وافق على الحل الذي ينال رضا الجميع ويحقق تصالحهم.
 
التعاطف أولاً
رغم أهمية تعليم الأبناء كيف يؤسسون شبكة علاقات ويتجاوزون الأزمات، فإن هاتين الآليتين لن تؤتيا ثمارهما من دون تعاطف؛ لأن التعاطف الذي نستشعره تجاه الآخرين يؤكد إنسانيتنا، ويوطد أواصر المحبة مع من حولنا، ويولد مشاعر السعادة بداخلنا. وهذه بعض الإرشادات التي ترسخ التعاطف في نفوس أطفالك:
- ناقش معهم سبل التطوع بوقتهم في الأنشطة المجتمعية المؤثرة، كالمشاركة في زيارة كبار السن أو المرضى مع هدايا رمزية.
- ابتكر بعض العادات التي تنطوي على العطاء والبذل كشراء الهدايا للأيتام أو التبرع للجمعيات الخيرية وامتدحهم كلما أظهروا التعاطف والدعم المعنوي والنفسي لمن حولهم.
- حثهم على ممارسة أعمال تعكس تقديرهم ورغبتهم في المشاركة مثل جمع المخلفات وإلقائها في صندوق القمامة (تنظيف شاطئ البحر) مثلاً.
- دعهم يخوضون بعض التجارب التي تثبت دور التعاطف في توليد المشاعر الإيجابية بداخلهم، فضلاً عن اعتزازهم بأنفسهم مثل التركيز على فوز فريقهم ونجاح زملائهم. ولا بد من المكافأة على بذل الجهد والمحاولة وليس النتيجة.
 وكلمة أخيرة (ازرع تعاطفاً تحصد سعادة). 
التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم