صحتك تهمنا

سيكولوجية الشيخوخة

سيكولوجية الشيخوخة



لا تعتبر مرحلة الشيخوخة بالظاهرة الطارئة التي تصيب المجتمع أو أفراده فجأة، كما لا يمكن اعتبارها نتاج التغيرات التي تصاحب المجتمعات، إنما هي واحدة من مراحل التطور الذي يشهده الإنسان، وإحدى مراحل النمو البشري الذي يبدأ من الميلاد حتى نهاية العمر.
 
المصطلح في اللغة العربية 
تستخدم اللغة العربية العديد من المصلحات للإشارة إلى المرحلة المتأخرة من حياة الإنسان منها:
- الشيخوخة: وهي مشتقة من الفعل شاخ، وشاخ الإنسان أي أصبح شيخاً.
ويشار في القبائل العربية إلى الشيخ بأنه من كبرت سنه وكثر علمه، أي الشخص ذو المكانة المرتفعة، والشيخ أيضاً هو من أدركته الشيخوخة، وهو غالباً عند الخمسين وهو فوق الكهل ودون الهرم.
- الهرَمَ: وتدل أيضاً على كبر السن وبلوغ أرذل العمر، وقد حددها المولى تعالى في قولهم: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ (الحج: 5).
- مُسن: ويشار بها إلى الرجل الذي كبرت سنه.
ومرحلة كبر السن تمر بأربعة مراحل متتالية من الناحية اللغوية:
- الكهل وهو من امتد عمره من سن الستين سنة إلى نحو 75 عاماً.
- الشيخ من كانت سنه 75 إلى نحو 85 عاماً.
- الهرم: من كان في سن 85 عاماً فما فوق.
- المعمر: وهو من بلغ سن المائة.
ولا يوجد حد فاصل بين الشيخوخة والكهولة نظراً لتأثير عوامل خارجية مثل: زيادة الاهتمام بالتوعية الصحية والتقدم في علوم الطب والتجميل، هذا فضلاً إلى الظروف البيئية الخاصة بكل فرد والأحداث الزمنية والفروق الفردية بين الأفراد، وحُددت أوصاف الكبير بأنه من كان أكبر منك سناً وأكثر منك علماً وارفع تقوى وديانً وأسمى جاهاً وكرامة ومنزلة. 
وتتصف مرحلة الكبر بأنها مرحلة الضمور الفسيولوجي الذي يؤدي إلى نقص في القدرات مع الزيادة المطردة في الاضطرابات.
كما ينظر إلى الشيخوخة على اعتبارها الحلقة الأخيرة من حلقات النمو الإنساني والتي تبدأ من الميلاد، أي إنها امتداد لمتصل أحد أطرافه الميلاد والطرف الآخر هو الشيخوخة، وهي مرحلة تتأثر بما قبلها من مراحل ولا تؤثر فيها فهي تالية عليها وأهم ما يميزها هي تدهور في السمات التي اكتسبت في المراحل السابقة عليها نتيجة لطول استهلاكا واستغلالها وكبر سنها.
ومرحلة الشيخوخة تشترك مع مرحلة الطفولة في كون كل منهما كما وصفها الله تعالى ضعف، إلا أننا ينبغي أن نفرق بين الضعفين: فضعف الطفولة هو ذلك الضعف الآخذ في التكوين المتجهة نحو التقدم والقوة والازدياد الكمي والكيفي، على العكس من ضعف الشيخوخة، وهو ذلك الضعف الآخذ في الذبول والتدهور والوهن حتى الزوال بالموت.
وتعددت المناحي التي اتخذها العلماء في تعريفهم للشيخوخة؛ فحددوا الشيخوخة البيولوجية، الاقتصادية الاجتماعية، النفسية وسوف نتناول بالشرح تعريف كل واحدة منها والأعراض الخاصة بها.
 
أولاً: الشيخوخة البيولوجية والتغيرات المصاحبة لها:
يسود الاعتقاد بأن الشيخوخة صفة كونية لكل الكائنات، إلا أن الأبحاث والتجارب والملاحظات أثبتت أن الحد الأقصى لكبر السن هي صفة تخص كلاً من الإنسان والحيوانات المحمية دون غيرها من سائر الكائنات. وأن التقدم في العمر يحدث نتيجة التفاعل بين الأنسجة السليمة والأعضاء مع ما يحدث خارج الخلايا، مثل التغيرات في المادة التي تربط الخلايا ببعضها، وأن جميع الخلايا الصبغية لها قدرة محدودة على الأداء الوظيفي والتضاعف وأن هذه الخلايا تشيخ أي تصاب بالشيخوخة.
والكبر في السن يعكس حقيقة بيولوجية مؤداها أن هناك تزايداً متنامياً في تدهور الإنسان من الناحية البيولوجية حيث تختل جميع عمليات الاتزان البنياني منتهية إلى الموت.
ويركز التعريف الشيخوخة من الناحية البيولوجية على القانون القائل بأن لكل كائن عمراً افتراضياً يختلف باختلاف الكائنات ويحدد عمر هذه الكائنات مجموعة من العوامل أهمها: 
العوامل الوراثية، والبيئة المحيطة بالكائن الحي والتي تؤثر في طول عمره أو قصره.
والشيخوخة البيولوجية هي نمط شائع من الاضمحلال الجسمي في البناء والوظيفة يحدث بالتقدم في السن لدى الكائن الحي بعد اكتمال نضجه، وهذه التغيرات الاضمحلالية التي تساير التقدم في العمر تنتاب كل الأجهزة الفسيولوجية والعضوية والدورية والبولية والهضمية والتناسلية والعصبية والفكرية والعقلية.
حيث اتفق البيولوجيون على أن الإنسان تطرأ عليه تغيرات حادة في قواه الجسمية والمعرفية حيث تأخذ هذه القوى في الانحدار، وتتمثل أكثر صور الانحدار صعوبة تلك المرحلة التي يطول فيها العمر ويصاب الإنسان بعلة عقلية أو مرض يعجزه عن الحركة والإدراك، وقد عبر المولى عز وجل عن ذلك بقوله تعالى في سورة يس (68) ﴿وَمَن نُعَمِّرهُ نُنَكِّسهُ فِي الخَلقِ أفَلا يَعقِلونَ﴾، وبعض هذه التغيرات تكون واضحة وظاهرة في الشكل الجسمي للمسنين كالتغيرات في الجلد أو المشي أو بعض التغيرات في الحواس والهيكل العظمي.
ويجدر بنا الإشارة إلى أهمية التمييز بين عاملين هامين في التغيرات هما: التغيرات الناتجة عن التقدم في السن، والتغيرات الناتجة عن المرض، فتغيرات التقدم في السن ليست أمراضاً ولكنها فقدان العضو للوظيفة المميزة له، ففقدان الشعر وشيبه وانخفاض الكفاءة الجسمية والعضلية والعقلية أو ضعف القدرة على التحمل وتجعد الجلد وجفافه وسن اليأس وغيرها ليست أمراضاً ولا تؤدي إلى الموت، وتتضمن الشيخوخة فقداناً من البسيط إلى الشديد للقدرة الجسمية وهبوطاً في الوظائف العقلية مثل التذكر والتخيل ومرونة الفكر. كما أنها مرحلة تتصف بالضمور البيولوجي والفسيولوجي الذي يؤدي إلى نقص مطرد في القدرات وزيادة في الاضطرابات الفسيولوجية.
وتعتبر هذه النظرية الشيخوخة عملية لا يمكن تجنبها تحدث نتيجة تفاعل العمليات الوراثية والنظم الغذائية والسن وبعض المتغيرات الديموجرافية. وتربط هذه النظرية بين الشيخوخة والاستهلاك التدريجي لأعضاء الفرد الجسمية والذي يؤدي إلى عجز الخلايا عن تجديد قدرات المسن، لكي يستطيع التكيف مع حياته الجديدة.
ويركز تعريف الشيخوخة من الناحية البيولوجية على جانبين أساسيين:
1- الجانب البنائي الذي يتضح في الاضمحلال البيولوجي، وذلك نتيجة خلل في الاتزان البنياني نتيجة زيادة التفاعلات الكيميائية الهدامة عن التفاعلات الكيميائية البناءة بالجسم مما يؤثر على مقدرة الجسم على مقاومات التأثيرات القادمة من البيئة الخارجية، ويهبط معدل الأيض ويستمر في الهبوط حتى يؤدي بالحياة.
2- الجانب الوظيفي الذي يتمثل في تدهور قدرة الجسم على مقاومة التأثيرات الخارجية، ويؤدي الخلل البنياني إلى تقلص مكانه المسن الاجتماعية، مما يؤدي إلى تدهوره العقلي واكتئابه وانسحابه من الحياة في انتظار الموت.
ويتغير الجسم البشري كما تتغير أجهزته المختلفة وفقاً لزيادة عمر الإنسان وارتقائه في حياته من الطفولة إلى الرشد إلى الشيخوخة، وبما أن الوظائف العضوية تعتمد على تكوين الأجهزة الخاصة بها إذن فالوظائف العضوية تختلف من عمر إلى العمر الذي يليه ومن مرحلة إلى المرحلة التي تليها.
 
التغيرات البيولوجية والفسيولوجية المصاحبة لمرحلة الشيخوخة:
وبعض هذه التغيرات تكون واضحة ومرئية في المظهر الخارجي للمسن كالتغير في شكل الجسم الذي يظهر في الملامح الخارجية للمسن حيث يبقى الطول ثابتاً بينما تحدث زيادة في الوزن نتيجة زيادة الدهون، وهذا التغير في الوزن يؤثر في الصورة الذاتية للفرد، كما تقل الصحة العامة آخذة في الانحدار، كذلك الوظائف الخاصة بالقلب والتنفس، ويتغير لون الجلد وليونته فيأخذ في الجفاف ويسقط الشعر ويتحول لونه إلى البياض وترتعش اليدان ويجمد الجلد وتظهر بقع بنية على ظهر اليد والجسم وقد يصاحب ذلك ارتعاش الرأس وارتعاش اليدين أثناء الكتابة والتصلب عند المشي وهزال عام في الجسم، كما تدخل بعض التغيرات على الصوت ويتأثر الشم والتذوق، كما قد يصاب المسن بفقد البصر الناتج عن الشيخوخة والبعض الآخر للتغيرات يكون غير مرئي كالتغيرات الداخلية مثل إصابة الهيكل العظمي ببعض التغيرات التي تؤدي إلى تغير شكل القوام حيث تصاب العظام بالهشاشة وتتوتر العضلات وتزداد رعشة الأطراف، كما يحدث انخفاض في كفاءة كل من: الجهاز الدوري، الجهاز العصبي المركزي والكبد وتتغلب عوامل الهدم على عوامل البناء مما يؤدي إلى انخفاض معدل الأيض ويأخذ في الانخفاض حتى يؤدي إلى الموت. 
 
   
التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم