ريشة وقلم

أين سنذهب...ولماذا؟!

أين سنذهب...ولماذا؟!



تعرّج كريمة على المقهى لتلتقط أنفاسها قبل استئناف رحلتها التعليمية الطويلة؛ فقد خرجت من البيت إلى الجامعة صباحًا، ثم من الجامعة إلى معهد اللغة الإنجليزية، وبقي لها أن تذهب إلى معهد قيادة السيارات، وأخيرًا: تعود ليلاً إلى البيت الذي خرجت منه فجرًا! هي تؤمن أن الفترة الجامعية من حياة كلِّ إنسان هي الفترة الذهبية للتنمية والإنجاز؛ فما قبلها يكون الإنسان صغيرًا وأقصى أمنياته أن يتخرج من المدرسة بمعدل ممتاز، وما بعد الجامعة تُمطر السماء عليه مسؤولياتٍ وهمومًا ما كان يتخيل لها وجودًا! هذه المرحلة، فقط، هي مرحلة الإنجاز الحقيقيّ الصافي.

نعم، هي تدرس وتعمل وتُنجز، لكن -ويا للعجب!- فإن كل جبال الإنجازات تلك يمكن أن تتلاشى وتصبح هباءً منثورًا بنفخة واحدةٍ من عقلها، وذلك حين يرمي عليها كلمة واحدة فقط، هي: لماذا؟ 
لماذا كل هذا؟ لماذا كل هذا التعب؟ لماذا ندرس؟ لماذا نعمل؟ بل لماذا نعيش أصلاً؟
تصل إليها النادلة.. تطلب عصيرَ برتقال على عجَل، وتُحاول تهدئة أعصابها المتحفِّزة، لكنّها تفشل في ذلك؛ فما هي إلا دقائق حتى تُمسك نفسها وهي متلبسة بجُرمِ هزهزة الرجلَين أو عضعضة الشفاهِ أو قضم الأظافر! تهربُ من نفسها إلى الناس.. تتأمّل في الوجوه حولها؛ الوجوه منكَّسةٌ نحو الهواتف الذكية، أو معلّقةٌ على شاشة التلفاز.. الكلّ يُمعن في إشغال نفسه هربًا من نفسه! الغوص في كل أشكال الإلهاء حتى لا يبقى مجالٌ لأي تفكير قد يفتح أبوابَ الجحيم على العقول!
لماذا؟
هل غاص الفرحُ فجأةً إلى باطن الأرض؟ أم تبخّر إلى السماء؟
تُسند رأسها بيديها، وتغمض عينيها.. تحاول تذكُّر آخرِ لحظات سعادتها الحقيقية، متى كانت؟ ولماذا ذهبت؟ وهل الناس تغيّروا فعلاً أم الذي تغيَّر هو داخلها الذي صار يعكس لها الألوانَ بلونٍ رماديٍّ باهت؟
ربما هذا وربما ذاك.. لكنّ ما يهمّها هو نفهسا، فليتغير الناس أو لا يتغيروا، لماذا تغيرت هي؟
تستمر في إغماض عينَيها، في استنطاق داخلها، تُنصت وتُمعن في الإنصات، هي تؤمن أن الروح لا يمكن أن تكذب، لكنها فقط تحتاج إلى نفسٍ صافية تستقبل الصوت وتفهمه. هيا يا نفسي: لماذا بِتُّ هكذا؟ أستيقظ فلا أعرفُ لماذا أنا في هذه الحياة، وأنامُ وأنا مُتعبةٌ من طول العملِ دون أن أدري لماذا أعمل! 
تشعر بشيء ما يستيقظ في مكان عميق.. يتململ تململَ أهل الكهفِ بعد رقدتهم.. تستنفرُ أذنيها للسماع.. فتهتفُ روحها: "إذا نُسِيَ الهدف، وضاعت البوصلة، فكيف سيكون حالُ السّالِك؟ ".
تنتفض كالملسوع فتتناثر قطراتٌ من عصيرها.. تمسحُ عرقًا تجمَّع على جبينها.. يا إلهي! ما الهدف؟ وأين البوصلة؟ كيف نسيتُهما؟ وإلى أين أمضي دونَهما؟ كيف لا أشعرُ بكلّ هذه الكآبة والضياع وأنا دونهما.
تهتف بصوتٍ مسموع دون أن تملك نفسها: يا الله!
تشمّ رائحة الغبار تملأ داخلها.. قلبها يتحرك فيُصدر صريرًا من الصدأ. 
تستمرّ في الهتاف من داخل أعماقها: يا الله! 
تُعاتبها روحها: متى كانت آخر مرة صلّيتِ (صلاةَ صِلَةٍ) فعلاً وليس (صلاةَ واجبٍ)؟ اتّصلتِ بخالقكِ فاستمددتِ منه النور والإرشاد والقوة؟
تتجمّع الدموع في عينيها.. 
تستمر روحها في إلقاء الأسئلة: هل فتحتِ مصحفكِ اليوم؟ أمس؟ أولَ من أمس؟ وحين قرأتِه.. هل كان همّكِ إسكات ضميرك أم سماع كلام خالقك؟ 
تهتف وقد وجدت أول دمعة الطريق إلى خدّها: يا الله!
يبدأ الأوكسجين بالتدفّق إلى قلبها.. يتمطّى من رقدته الطويلة.. ينفذ شعاعٌ من نور رقيق.. فتأخذ نفَسًا عميقًا، وتهتف من جديد: يا الله! 
تُخرجُ مصحفها من الحقيبة.. تقبّله بحبٍّ وشوق، تفتحه وتقرأ: {وقُلِ اعملوا فسيرى اللهُ عملَكم ورسولُه والمؤمنون}، تقلّب الصفحات، وتقرأ: {وما الحياةُ الدنيا إلا متاعُ الغرور}، تستمرّ في التقليب والقراءة: {كلّ نفس ذائقة الموت، وإنما توفّون أجوركم يوم القيامة}.
تشعر أنها تُولد من جديد. 
تخرج من المقهى وهي تعلم: أين تذهب، ولماذا.

التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم