ناس وحكايات

الحب...نوع خاص لا مثيل له

الحب...نوع خاص لا مثيل له



الحب اللا مشروط يشبع حاجة دفينة في نفس الإنسان؛ لأن كلاً منا يريد لنفسه أن يكون محبوباً لذاته لا بسبب ما يتمتّع به من صفات. والأمومة –أو حبُّ الأم لطفلها- هي تلك العلاقة الخاصة، وهذا المعنى الرقيق الذي قد يبدو عند الأغلب الأعم من الناس علاقة بديهية، إلا أن الفلاسفة حين وضعوا تلك العلاقة تحت ميكروسكوباتهم الفكرية كشفوا لنا أشياء أخرى غاب عنا بعضها وتناسينا البعض الآخر، لتبدو كما صوّرها د. زكريا إبراهيم في كتابه (مشكلة الحب). فعلى سبيل المثال نراه يعرض لرأي المحللة النفسية هيلين دويتش التي ذهبت إلى أن حب الأم ليس غريزة بل هو عاطفة أو حالة وجدانية، وآية ذلك أن هذا الحب ليس بالضرورة مرتبطاً بالحمل وإنما قد يكون في استطاعة المرأة أن تبدي عاطفة الأمومة نحو طفل قد تبنته أو نحو أبناء الزوج، وليس من النادر أن نجد بين النساء من تتّجه بحاجتها إلى الأمومة نحو موضوعات أخرى "غير أبنائها" فنراها تعطف على الآخرين أو تبدي حنان الأمومة نحو طائفة من البالغين.
أما لدى النساء العقيمات فنجد أحياناً أمومة قوية تتمثل في استعدادهن للقيام بواجبات الأم نحو أطفال محتضنين أو نحو يتامى جديرين بالعطف، وإذا كان الاحتضان قد لا يشبع حاجة بعض النساء إلى الأمومة فذلك لأن المهم في نظر المرأة النرجسية ليس هو الطفل بل صلة الرحم.
وعن علاقة الأم بطفلها وما تنطوي عليه من تبادل يقول زكريا إبراهيم في كتابه: "إن أقل نظرة يلقيها المرء على ذلك المجتمع الصغير الذي يتكوّن من الأم والطفل تؤكد وجود قسط ولو ضئيل من التبادل في مثل هذا الحب مادام الحب في حاجة دائمة إلى إجابة وإستجابة، ومادام مصير الحب لا يمكن أن يكون مصيراً فردياً انعزالياً، وذلك عندما يستجيب الطفل للتربية التي تقدمها له أمه.. فإن قبوله لها يصبح استجابة أخرى أو مكافأة جديدة تظفر بها الأم، وليس المقصود بالاستجابة أن يحاكي الطفل نموذجاً تفرضه عليه أمه، بل المقصود أن يعتنق الاتجاه الذهني الذي يتلاءم مع القوة الملهمة الصادرة له من قبل أمه وأبيه.. فإذا ما شب الصبي عن طوقه أصبح في وسعه أن يبادل والديه حباً بحب وأن يعمل على توالد الحب في نفسيهما بنشاطه الخاص. ولما كان الحب قوة من شأنها أن تولد، فليس إبداعاً أن نرى الطفل في سن العاشرة أو حتى قبل ذلك يستجيب لحب والديه فيحاول بدوره أن يكون محباً بدلاً من أن يظل محبوباً.. وحين يبلغ الطفل مرحلة المراهقة المبكرة فإنه سرعان ما يتغلب على تمركزه الذاتي ويصبح العطاء عنده أمتع من الأخذ، ويصير منح الحب أهم من تقبّله وحين يعرف المراهق كيف يحب فإنه سرعان ما يحطم جدران الوحدة النفسية التي كانت قد أقامتها حوله ميوله النرجسية وبعد أن كان لسان الطفل يقول: إنني أحب لأنني محبوب نجد لسان حال المراهق يقول: إنني محبوب لأنني أحب".

 

التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم