ناس وحكايات

[ زوجوه بيعقل ]

[ زوجوه بيعقل ]


هل الزواج حقاً هو الحل؟


تبدأ الأم عادة في رحلة البحث لابنها عن عروس بها كل المواصفات الحسنة، حتى وإن كانت على علم ويقين أن ابنها يحمل من الأخلاق السيئة والطباع المنفرة الكثير، وتحت قاعدة "زوجوه بيعقل"، تعتقد هي وغيرها أنه يمكن أن يؤثر الزواج إيجاباً به ويصلح من حاله.
هذه النظرية وحدها أدت إلى هدم كثير من البيوت الناشئة، فبعد إخفاء حقيقة العريس عن العروس وأهلها، ومساهمة المجتمع أيضاً في تزيين صورة الشاب المقدم على الزواج، تقع الفتاة ضحية شخص كانت تعتقد أنها ستكون سعيدة بجواره، وأنه سيحقق لها كل ما كانت تحلم به.

 

وسيلة لتعقيل العريس
الطالبة الجامعية ابتسام تروي قصتها فتقول: لم أتخيل يوماً أن أكون في هذا الموقف، وأن اكتشف أن خطبتي التي انتظرتها كثيراً، وفرحت بها جداً، كانت لسبب واحد فقط، هو أن أهل خطيبي السابق اختاروني كي أكون سبباً في "تعقيل" ابنهم المشاكس.
نعم هذه هي الحقيقية التي تؤلمني كلما تذكرتها، فقد كنت أعتقد أني تلك الفتاة التي تبحث عنها والدة الشاب، وأن مواصفاتي الشخصية والعائلية هي ما نالت إعجابهم، لكن الأمر بدأ ينكشف لي بعد أول أيام الخطبة، أني ارتبطت بشاب مندفع، متهور، وعنيد، ولتتناقل الأحاديث بين العائلة أن عائلة خطيبي تبحث عن وسيلة تساعده على استعادة هدوءه واتزانه، وأنني لم أكن سوى تلك الوسيلة.

 

خدعة كبرى 
أما حنين فترى أنها تعرضت لخدعة كبيرة هي وعائلتها، فكل من سأل عن العريس الجديد أثنى عليه وشكر أخلاقه، لاسيما من يعرفونه في الحي الذي يسكن فيه، وزملاؤه في العمل، حتى ظنته الفتاة فرصة لا تعوض.
غير أن ما اتضح لهم بعد ذلك أن من كان أمام الناس بالوجه الملائكي، كان شخصية أخرى خلف الأبواب المغلقة، لأكتشف كثيراً من الطباع السيئة فيه، والغريب أن عائلته لا أنكر أنها من أفضل الأسر، ولكن ابنهم كان من أسوأ الأشخاص، وكان الكذب والأنانية والطباع السيئة الكثيرة التي يحملها أكثر من أن تذكر.

تجربة ابتسام وحنين هي من ضمن تجارب كثيرة يسجلها مشهد الزواج في المجتمع العربي، فدائماً ما تبحث الأسر لابنها صاحب الأخلاق السيئة، أو الطباع الغريبة، عن فتاة بمواصفات ممتازة، وتخفي حقيقته عنها في بداية الأمر لتكتشف أنها وقعت في ورطة بعد ذلك.

 

رأي الدين 
فضيلة الشيخ محمد حسن يرى في هذا السلوك نوعاً من أنواع التدليس، والظلم الذي تمارسه أسرة العريس أثناء بحثها، وهي تعلم علم اليقين فساد أخلاق ابنهم، وسوء طباعه وتعاملاته.
أما التحجج بأن الفتاة الجيدة ستساعد في تقويم سلوك الشاب، فهذا ليس دورها، وهي وإن كانت تتمتع بسمعة طيبة وأخلاق رفيعة فإنها أيضاً تستحق شاباً بنفس أخلاقها وحسبها ونسبها، فهي غير مضطرة لأن تقوّم سلوك أحد.
ويوضح الشيخ حسن رأيه الشرعي قائلاً: الخداع في الزواج يعتبر أخطر من الخداع في البيع والشراء والأمور الحياتية الأخرى كونه يتسبب في بعض الأحيان بنتائج كارثية على الأسرة وعلى المجتمع، وما بني على باطل يمنح المرأة الحق في فسخ العقد، طالما أثبتت ذلك، ولا ريب أن الخداع والغش من المحرمات المعلومة في الإسلام. 
أما عن شكر الجيران والأهل في العريس وهم يعلمون عيوبه، فيرى الشيخ حسن أنهم بهذا يكونون قد اشتركوا في الإثم، ومن الأدلة الصريحة والواضحة على ذلك سؤال الصحابية فاطمة بنت قيس للنبي صلى الله عليه وسلم، حيث قالت: (ذكرت له أن ‏‏معاوية بن أبي سفيان ‏‏وأبا جهم ‏خطباني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ‏أبو جهم ‏فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما‏ ‏معاوية‏ ‏فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد)، وفي هذا دلالة من الرسول على ذكر محاسن ومساوئ العريس، وليس في هذا غيبة؛ لأنها استشارة شرعية الرأي فيها يؤسس لحياة جديدة، ولا يمكن أن تكتم عيباً وإن كان الهدف في اعتقادك نبيلاً.

 

رأي القضاء 
فيما يرى القاضي الشرعي حسين أبو مرعي أن عقد الزواج المبني على الخداع والتضليل هو عقد فاسد وباطل، مشيراً إلى قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إن لا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير).
ويؤكد أبو مرعي أن أحد أهم شروط الزواج هو البناء على القناعة المرتكزة على الوضوح، وأنه يحرم شرعاً إخفاء حقيقة كل طرف عن الآخر، وعلى أهل الشاب ذكر صفات وسلوك ابنهم فإذا ظهر خلاف ذلك فإنه يبطل النكاح وهم يتحملون إثماً عظيماً أمام الله سبحانه وتعالى.
ويشير أبو مرعي أنه في حال أخفى الأهل عيوب ابنهم عن الزوجة وتضررت من سوء العشرة باستطاعتها المطالبة بفسخ العقد للضرر الواقع بعد إثباته لدى الجهة القضائية، كما ذكر أنه لا توجد عقوبات قانونية في الغش بالزواج لأن الأحوال الشخصية يصعب وضع قانون لها لاختلاف كل حالة عن غيرها، مستشهداً بقول ابن القيم رحمه الله: (كل عيب ينفر الزوج الآخر منه ولا يحصل به مقصود النكاح من الرحمة والمودة يوجب الخيار).

 

رأي علم النفس 
بينما تؤكد الدكتورة نازك أبو شاويش أن المجتمع في كثير من الأحيان مشترك في هذه الجريمة دون أن يدري، حيث يقوم أهل العروس بالسؤال عن العريس في محيط عمله وسكنه، وأن كثيراً من الناس يعتقدون أنه بإخفائهم العيوب والسلبيات يساعدون في تكوين أسرة جديدة، فنجد أنه أحياناً تكون حقيقة الأمر تختلف تماماً عما قاله الجيران والأصدقاء.
وهذا يوقعهم شركاء في الجريمة؛ فإخفاء العيوب، وشكر أخلاق وسلوكيات العريس وهم يعرفون جيداً أنه ليست حسنة توقع فتاة بريئة تحت سلطة شاب قد يظلمها بسلوكه وأخلاقه، وربما يؤدي إلى نكسة عاطفية واجتماعية لها ولأسرتها.
وتضيف الدكتورة أبو شاويش أن أسرة الشاب هي من تبدأ بهذه الجريمة، فمن الطبيعي أن يبحثوا عن زوجة صالحة لابنهم، ولكن من غير الطبيعي أن يكونوا على علم بمدى سوء ابنهم وعجزهم عن إصلاحه فيتوقعون من فتاة في مقتبل العمر أن تصلحه، فاعتقادهم أن حال ابنهم قد ينصلح بعد الزواج هو افتراض يتحملون هم وحدهم مسؤوليته، فليس شرطاً أن يحدث هذا الأمر، بل قد يحدث الأسوأ إذا ما ازدادت حاله سوءاً، وهو ما يعني بالضرورة أسرة مفككة وعنفاً أسرياً.
وتتابع الدكتورة أبو شاويش فرضيتها بالقول: يصبح الأمر أصعب إذا ما دخل في المعادلة أطفال وحدثت أمور لا تحمد عقباها. وطالبت في نهاية حديثها أن يتحمل أهل العريس مسؤوليتهم الأخلاقية والاجتماعية لتقويم سلوك ابنهم قبل توريط فتاة بريئة معه، والكف عن خداع الناس تحت حجه "بكرة بيعقل"، كما طالبت أهل العروس بالتحري جيداً عن العريس القادم وعدم الاستعجال في اتخاذ قرار ستبنى عليه حياة كاملة فيما بعد.

 

 

 

التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم