ريشة وقلم

حكاية مندوب مبيعات يتحول إلى مسخ

حكاية مندوب مبيعات يتحول إلى مسخ


روائع كــافــكا


"لو أني قرأت الإعلانات، فسوفَ أقضي جُلّ وقتي أرغبُ في الحصول على الأشياء".
(فرانز كافكا)

 

بالرغم من حياته القصيرة، أثرى الأديب الشيكي الألماني الشهير فرانز كافكا عالم الأدب، بما افترعه من فنون في إبداع الرواية، ومنذ أن تألق نجمه في بدايات القرن التاسع عشر، لا يزال كافكا موضعاً لاحتفاء الدراسات النقدية بأدبه، وبشخصيته المعذبة التي قال عنها:
"يتنازع بداخلي اثنان، وأنا أتألم من هذا النزاع".

ليس هذا فحسب، بل لم تكن الحياة في نظر كافكا سوى حفل كاذب وزائف يظهر فيه ناس الدنيا بالأقنعة التنكرية يملؤون العالم بالضجيج، إلا شخصاً واحداً بقي بوجهه الحقيقي بين من أتقنوا فنون التمثيل، ولم يكن هذا الواحد غير فرانز كافكا.
والغريب أن كافكا لا يصف نفسه بهذه الواقعية على سبيل المدح، بل على العكس؛ فهو لم يكن فخوراً بهذه المنة العظيمة، بل جاء الوصف على سبيل ندب حظه؛ إذ لم تكن له القدرة على وضع المساحيق التي تمكنه من مسايرة المسرح العابث. وظل كافكا في حال إنكار لكل شيء حتى لملامح وجهه، فقد اندهش لما حدق في صورته العابسة فأنكرها قائلاً:
يا إلهي، هذه ليست ملامحي، أنا برىء من كل هذا الحزن.

 

الممسوخ
تعتبر رواية المسخ أو المتحول من أشهر الأعمال الروائية في الإبداع الأدبي في القرن العشرين، وصنفت أيضاً ضمن أكثر الروايات العالمية تأثيراً، حتى وضعت ضمن أشهر الروايات التي تستحق القراءة من قبل هواة الأدب العالمي. ولهذا فلا غرابة أن تتم دراستها في العديد من الجامعات والكليات في العالم الغربي كنموذج لروائع الأدب العالمي والمعاصر.
ونتيجة للاهتمام الكبير بالرواية تم تحويلها إلى أفلام ومسلسل تلفزيوني وكارتوني في العديد من البلدان كروسيا وبريطانيا وأمريكا.
لا تشتمل الرواية على مقدمات كثيرة، بل تبدأ بالمشهد الصادم الذي يمازج بين العقدة والحل، ويضع القارىء وجهاً لوجه مع ذروة المحنة التي تبدأ ذات صباح باكر حين يستيقظ مندوب المبيعات الطموح "جريجور" ليجد نفسه قد تحوّل إلى حشرة عملاقة.
لم يستسلم البطل لتحوله ومسخه، وبدأ يكابر ويعاند بل ويترجى ويوهم نفسه بأن ما يعيشه ليس بالحقيقة، بل مجرد كابوس وحلم مزعج سيزول.
ولكن الحقيقة المرة تتضح لما يستكمل المندوب استيقاظه، ويتيقن من حقيقة تحول أطرافه وبدنه على هيئة الحشرة الكبيرة، ويزداد هول الصدمة عليه لما يشاهد أطرافه تتأرجح أمام عينيه كأرجل الحشرات، بشكل مثير لا يقوى أحد على تحمله، فيستحكم لعين اليقين ويزداد تصديقاً عندما سمع بأذنه صوته الحشري الجديد والذي بدا يخرج متحشرجاً من فمه.
وبرباطة جأش نادرة بدأ الممسوخ رحلة التأقلم مع حياته الجديدة التي لم يألفها بل لم ير ولم يسمع مثيلاً لها. فبدأت أولى محاولات المعايشة مع الواقع الجديد بمحاولته أن يمارس مهامه كالمعتاد، لينهض من سريره ليلحق بالقطار للوصول إلى عمله الذي درّ عليه الكثير من المال، ولكن هيهات، فقد تحول إلى حشرة، فهو لم يعد قادراً، ثم يعيد الكرة بمحاولة التشبث بما هو موجود في الغرفة من أثاث. ثم بعد جهد جهيد يصل الباب ثم يتوجه بنداء لأفراد أسرته الذين يديرون له الأكتاف الباردة إلا شقيقته التي حاولت الوقوف بجانبه لوقت، فيدرك المسخ مأساته التي لن يجدي معها سوى الانتحار الذي ينقذه من بؤس العيش، الذي لا يطاق بين من يحيطون به. 
وهكذا ظلت رواية المتحول أو المسخ تحت دائرة الضوء وعنوانا لكافكا يضفي عليه النقاد ظلالاً متجددة مع مر الأزمان، فمنهم من وضعها في سياق محاولات كافكا وصراعه الخاسر مع الحياة، كما أن منهم من فهمها كمحاولة لتعبير كافكا الجريح وخيباته في تحقيق النجاح، وذهب بعضهم إلى أن الرواية جاءت كتعبير عن الأفكار الكابوسية السوداوية التي ظل رأس كافكا مسرحاً لها، إلا أنه بين هؤلاء وأولئك استطاع هذا الكاتب المثير أن يوجد لأدبه امتداداً بازدياد عدد قرائه من كل الملل والنحل ومن كل القارات وباختلاف الثقافات، ثم على المستوى النقدي الذي جعل الرواية باقية لقرن من الزمان تكتسب فيه المزيد من الأبعاد والظلال التي يضفيها عليها نقاد الرواية التي ترجمت للعديد من اللغات.


شخصية مضطربة
لم تكن المسخ الرواية اليتيمة لكافكا، بل له العشرات من الآثار المشهورة، ولكن كثيرين لمحوا فيها علاقة تربط ما بين الرواية وشخصية كاتبها الذي وصف أدبه بالكافكاوية العبثية والمتشائمة، والتي ظهرت كانعكاس لما عاناه الرجل من طوق الوحدة الذي ظل يحبب إليه الوحدة ويسحبه باستمرار من عوالم الأصدقاء، ظناً منه بأن الاختلاط يبعثر وقته ويقلل من الإنتاج، فظل ثابتاً على هذه الفكرة زمناً، حتى اكتشف في يوم من الأيام هول عزلته الرهيبة، فحاول جاهداً التحرر منها، إلا أنه في كل مرة لا يحقق سوى فشل ذريع، فيجد نفسه وحيداً وبسخريته المعهودة تندّر كافكا على نفسه بالقول:
"كل إنجازاتي هي نجاحي في أن أكون وحيداً".
لقد استكان كافكا لهلاوسه التي ظلت تبعده عن عالم الناس، وتولدت لديه المهارة في صدِّ كل من يحاول أن يتعلق بحياته، ويجبره للتراجع بما يبتكره من أساليب طاردة.
وحتى عندما تضعه زحام الحياة مكرهاً بين الناس وفي وسطهم: كانت نفسه تنكر هذا الواقع فيركن إلى حيل نفسية بالإيحاء بأنه حتماً عندما يعود لغرفته سيكون وحيداً ولن يسمع أو يرى أي إنسان.

 

الحب عند كافكا  
كان للحزن مكان فسيح في نفس كافكا؛ فقد ظل يتعرض باستمرار لفقد الذين من حوله، مثل الأحباب والأقارب، ثم تعرضه لخسارة علاقاته باستمرار مع الجنس الآخر، ولهذا كان يلازمه الشعور بالخيبة والندم لعدم مقدرته على بناء علاقة تتميز بالاستمرارية والاستقرار، لاسيما وأنه يعتبر أن الحب قيمة إنسانية عالية، لا تتوافر إلا للمحظوظين من بني البشر. وفي هذا الصعيد فقد اشتهرت قصة غرامه مع السيدة المتزوجة اليائسة التي كانت تعمل صحفية مبتدئة واسمها ميلينيا، حيث ظل يقاسمها خواطره ويشاركها حياته، وهي التي أثرت في حياته كثيراً، ويذكر أنها هي التي عرضت عليه نقل أعماله من الألمانية إلى الشيكية. ويقول كافكا إن فترة رفقته مع ملينيا قد كانت أجمل سنوات الحب في حياته. إلا أن علاقاته بملينيا ذهبت مع الريح حيث ظل عازباً متعذباً حتى موته عام 1924م، ولا تزال أعماق نفسه تموج برحى الثنائيات والتناقض: براءة وتنمر، تواضع وكبرياء، إعجاب بالوالد الأب رجل الأعمال اليهودي، ثم السخرية من ممارسته، لدرجة اتهمه في رسالة معنونة إليه بالإساءة والنفاق. 

 

عزلة واعتزال
وهكذا كانت حياة كافكا نزاعاً وأوجاعاً وعزلة واعتزالاً، ثم معاناة وتردداً يبدأ من أكبر قرار نزولاً إلى أبسط الأشياء، ولعله زهده في مطالعة الإعلانات خوفاً من أن تأخذه عن عالمه الضيق إلى عالم السوق الفسيح، فأعلن عزوفه عنها بطريقة ماكرة، تساير حيل نفسه في الانزواء والاختباء، وأطلق مقولته الساذجة:
"لو أني قرأت الإعلانات فسوفَ أقضي جُلّ وقتي أرغبُ في الحصول على أشياء".
 

التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم