ريشة وقلم

عبدالكريم الكابلي... أمل بالعودة!

عبدالكريم الكابلي... أمل بالعودة!



عبدالكريم الكابلي فنان شامل غنى ونظم ولحن أغنيات شجية ضمن لها البقاء والتميز؛ فهو ظاهرة إبداعية لن تتكرر، عرف السفارة الفنية في وقت مبكر حاملاً فنه وتراث بلده جائباً العالم معرفاً به فوجد القبول والدهشة والإعجاب، فقد تغنى بالفصحى مما يسر لأغنياته الوصول لأذن المتلقي العربي، كما ترجمت أغنياته للغات متعددة فوصلت لمساحات واسعة ليمتع ويبدع أينما حل، سالباً عقل وقلب سامعيه. يكاد يبلغ درجة عموم الاتفاق وهي درجة قلما نالها مبدع ولكن الكابلي ملك ناصيتها وتربع على قمة الهرم الفني ساطعاً نجمه في كل مراحل عمره. 

في مدينة الثقر في العام ١٩٣٢م ولد عبدالكريم، وعاش متنقلاً مع أسرته في مدن متعددة من شرق السودان ليتلقى تعلمه الأولي بها ثم ينتقل لمدينة الخرطوم لإكمال تعليمه الثانوي والجامعي ويلتحق بوظيفة حكومية بالمصلحة القضائية مفتشاً إدارياً بإدارة المحاكم، ثم انتقل لمدينة مروي لمدة ثلاثة سنوات كان لها أثر واضح في شخصيته الفنية ثم عاد مرة أخرى إلى العاصمة الخرطوم لمباشرة مهامه العملية حتى العام ١٩٧٧م ليبدأ مرحلة أخرى من حياته في دول المهجر بالعاصمة السعودية الرياض بوظيفة مترجم، وبها ذاق مرارات الغربة فصاغها في كلمات جسدت أشواقه وولهه:
أشوف معناك في كل زول …شرب من طعمك المعسول

ده الخلاني فيك اقول …قدرما يرجى عمري الحول

كلاما بالغزل مغزول …ولحنا في البعاد موصول

وكيف ما أشيل هواك فصول….وقلبي برؤيتك مأهول

مسارح صيد ..مهاوي سيول 

شديرات حنة فوقها حجول

برق عبادي سوى الهول ..بصدق افعاله مابي القول

نوى اليابس على المبلول …قلب فرح الحرازة ذهول


لم يقوَ على الغربة فعاد إلى السودان في بداية الثمانينيات. 
يعتبر عبد الكريم الكابلي علماً فنياً ورقماً لا يمكن تجاوزه لمع بريقه في الستينات بعد رحلة في دنيا الطرب مسرحها ومتنفسها الوحيد كان جلسات الأنس بين الأصدقاء والأهل منتظراً فرصة تقدمه للجمهور وبالفعل جاءت الفرصة التي يتمناها كل فنان؛ ففي مسرح يضج بالشخصيات الرفيعة وأمام الزعيم المصري الراحل جمال عبدالناصر تغنى مطربنا برائعة الشاعر الحسين الحسن أغنية (آسيا وأفريقيا) التي نظمت على شرف "مؤتمر باندونق" الشهير الذي اجتمعت فيه الدول الآسيوية والأفريقية عدم الانحياز، كانت الانطلاقة من القوة بأن تجعل منه فناناً ناضجاً سطع نجمه في دنيا الغناء مما جعل حجم المسؤولية يكبر لديه، فقدم أغنيات تغنى فيها للحب والجمال للوطن وللمرأة، ألحاناً رددها القاصي والداني واتخذ منها العشاق عبارات توصف حبهم وأشواقهم وألم البعد والهجران، غنى كابلي أغنيات شجية أشهرها على سبيل المثال لا الحصر: ضنين الوعد - أكيد حا نتقابل - سكر سكر - معللتي - أكاد لا اصدق - زمان الناس - حبيبة عمري - شذى زهر - في عز الليل - مروي - اغلي من لؤلؤة- يا هاجر، وغنى قصيدة أبي فراس الحمداني (أراك عصي الدمع) بلحن مغاير للحن أم كلثوم التي تغنت بها وقد أسمعها لها عند زيارتها للسودان عام ١٩٦٨م فأعجبت بها. 
اهتم بالتراث القومي الثر فقدم العديد من المحاضرات في حله وترحاله حائزاً على الإعجاب والتكريم فقد كرم من قبل الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة الذي قلده وساماً ذهبياً باسم المجاهدين الجزائريين. كما عين سفيراً للنوايا الحسنة من الأمم المتحدة وكان خير سفير. 
في عام ٢٠١٣م حزم الكابلي أمتعته لزيارة أسرته بالولايات المتحدة الأمريكية، سافر على وعد بالعودة كما يفعل دائماً، ولكنها لم تكن كسابقاتها؛ فقد وجد نفسه مندمجاً في مجتمع وصفه بالإنساني لما حظي به من تعامل محترم واهتمام وصف إقامته (شخص له مقدرات متميزة) فما كان منه غير الانخراط في الجمعيات الخيرية والعمل الإنساني والفكري فأصدر باكورة إنتاجه الأدبي كتاباً باللغة الإنجليزية اسمه (أنغام لا ألغام) صور فيه انتصار قوة الأنغام في صناعة السلام على ويلات الألغام التي حصدت أرواح الأبرياء. كان جمهوره العريض يتابع إنجازاته ونجاحاته وهو يأمل عودته سالماً غانماً لحضن الوطن، إلى أن جاء العام ٢٠١٦م صادماً بمنح الفنان عبدالكريم الكابلي الجنسية الأمريكية بولاية كاليفورنيا، فضجت المجتمعات بكافة وسائطها بهذا الخبر بأوجه نظر مختلفة إلا أنهم اتفقوا بأن جزءاً مهماً قد انتزع من جسم الوطن؛ فالكابلي لم يكن شخصاً عادياً يسهل على الناس تقبل اختفائه من ساحاته... وطن أحبه مطربنا حد الثمالة وتغنى لكل ركن فيه متغزلاً بجماله، وطن لم يكن البعد عنه خياره وإنما كان خياراً اقتضته عوامل خاصة احتفظ بها لنفسه مكتفياً بالقول إنه يفضل البقاء بجانب أسرته في مهجرهم ولم يكن هناك إلا الدعاء له بالصحة والعافية وتبقى ذكريات وتاريخ غني بالعطاء، وما زالت هناك خيوط أمل بالعودة ونقول له: "بعادك طال".

التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم