تراثيات

شجرة اللبان العمانية

شجرة اللبان العمانية


بين التجريح والتوقيع ينضح الدواء


حظيت شجرة اللبان، عبر مسيرتها، بحضور تاريخي هائل جعل منها جسراً للتواصل بين حضارات العالم القديم قبل أكثر من 7 آلاف سنة، ولأجلها تحركت القوافل التجارية، في مسارات شاقة من ظفار بجنوب عمان إلى شواطئ جنوب العراق، وإلى الشام ومصر القديمة، وحتى غزة الفلسطينية الساحلية، التي حملت منها السفن ثمار الشجرة الظفارية إلى البلدان الأوروبية، وخاصة روما القديمة.
وقد أقيمت محاضرة في صالون "الكتاب الدولي بباريس" عن فوائد اللبان العماني أدارتها الباحثة "ستيرين لو ماغير"، وحاضر فيها محمد بن عبد الله البرومي الباحث في جامعة نزوى وقد ذكر في محاضرته: أن اللبان هو رمز للتراث والثقافة الغنية، وقد أدركت حضارات العالم أهميته، وقد تجلى ذلك في طريق اللبان القديم من جنوب الجزيرة العربية. كما يدعمه حقيقة أن اللبان ظهر في جميع أنواع العقاقير بالنظر إلى قدرته الفائقة على علاج الأمراض. وقد دعمت ذلك النتائج الحديثة عندما أثبت فاعليته في علاج مجموعة متنوعة من الأمراض، مثل السرطان وهشاشة العظام والتصلب العصبي والربو، بسبب نشاطه الاستثنائي المضاد للالتهابات. علاوة على ذلك، أظهر اللبان أنشطة مضادة للاكتئاب، بسبب احتوائه على البخور. كما عرجت المحاضرة إلى تسليط الضوء على الجوانب التاريخية والبيولوجية والطبية للبان.


شهرة عالمية
اتخذت هذه الشجرة شهرة فائقة في العالم، بل إن مادتها ذكرت في كتب التاريخ القديم، وقد عرفت ظفار منذ القدم بهذا المنتج، وإضافة إلى رائحته الزكية واستخدامه كبخور في المنازل، فإنه يستخدم أيضاً كمادة علاجية.
عرف الإنسان شجرة اللبان منذ أقدم العصور، ونشأت بينه وبينها علاقة مميزة، فهي الرمز وهي الحياة بالنسبة للظفاري، فهي ليست مجرد شجرة، هي الحضارة والتاريخ والاجتماع والجغرافيا، منها قامت مدن وحضارات على مر العصور منذ القدم، تحدثنا آثار مدن (سمهرم، وخور روري) التي تعود إلى الألف الأولى قبل الميلاد، عن هذه الشجرة وما تحمله من رمز للحياة، ففي هذه المدن الأثرية كتابات بالأبجدية العربية الجنوبية، والتي تسمى اليوم (الجبّالية) تحكي قصص إنشاء هذه المدن والتي كان الهدف الرئيسي من إنشائها تصدير اللبان إلى أجزاء متعددة في الجزيرة العربية، ويذكر الباحث والمؤرخ العماني، عبدالقادر بن سالم الغساني، في كتابه (ظفار أرض اللبان) أن الإسكندر الأكبر أخذ من أرض العرب المنتجة للبخور كمية من البخور.
وتشير بعض المصادر إلى أن اللبان استخدم في بخور عرش النبي سليمان، وتذكر المصادر أيضاً أن الإمبراطور (نيرون) أحرق في وفاة زوجته ما يعادل محصول جنوب الجزيرة العربية من اللبان، ومن الثابت إلى اليوم وجود هذا البخور في الفاتيكان، في روما.
تنتشر شجرة اللبان في جنوب شبه الجزيرة العربية وخاصة في ظفار في سلطنة عمان وفي اليمن، كما تنتشر أشجار اللبان أيضاً في شمال الصومال ولعبت الظروف المناخية المتمثلة في المناخ الرطب والتربة الكلسية في انتشار أشجار اللبان على طول حزام يمتد بالتوازي مع الساحل وينتهي بمحاذاة خليج خوريا موريا والناحية الغربية، فإنه يضيق تدريجياً حتى يتلاشى تماماً إلى الشمال من رأس فرتك. وفي هذا النطاق الممتد من الغرب إلى الشرق تنبت أشجار اللبان، وقد تباينت تبايناً كبيراً من منطقة لأخرى، فعلى الرغم من أن أجود أنواع اللبان – سواء في جنوب الجزيرة العربية أو في الدول الأخرى المنتجة له – هو لبان ظفار، إلا أن أجود أنواع لبان ظفار هو ما تنتجه المنطقة الجنوبية الشرقية وخاصة شمالي جبال سمحان، كما تقل الجودة في المنتوج كلما اتجهنا غرباً، وهذا يرجع إلى تأثير المناخ، فالأشجار القريبة من مناطق المطر تكون أقل جودة من الأشجار البعيدة عنها.
ومن المناطق التي تكثر بها أشجار اللبان منطقة (حوجو وسمحان) بجبال سدح في أقصى الشرق، وتتميز هذه المنطقة باقتراب الأشجار بعضها من بعض، مخالفة بذلك أشجار اللبان في منطقة (عيون بالنجد). يقول وندل فليبس (ومن أهم المناطق التي حيرت اهتمام المستكشفين في ظفار تلك الواحات التي تبعد بمسافة تسعة وخمسين ميلاً شمال شرق صلالة في وادي نظور المتسع على الحافة الجنوبية للنجد، وتسكن وادي نظور هذا قبيلة البطاحرة، حيث توجد في هذه الواحات بعض الآثار القديمة.


استخراج اللبان
في أوائل شهر إبريل من كل عام، وما إن تميل درجة الحرارة إلى الارتفاع، حتى يقوم المشتغلون بجمع الثمار، (بتجريح) الشجرة في مواضع متعددة، فالضربة الأولى يسمونها (التوقيع)، ويقصد به كشط القشرة الخارجية لأعضائها وجذعها، ويتلو هذه الضربة نضوح سائل لزج حليبي اللون، سرعان ما يتجمد فيتركونه هكذا لمدة 14 يوماً تقريباً. وتتبعها عملية التجريح الثانية - ثمار درجة ثانية - حيث إن النوعية في هذه المرة لا تكون بنفس القدر من جودة المرة الأولى، فضلاً عن كون الكميات المنتجة منها غير تجارية.
ويبدأ الجمع الحقيقي بعد أسبوعين من التجريح الثاني، حيث ينقرون الشجرة للمرة الثالثة، في هذه الحال ينضح السائل اللبني ذو النوعية الجيدة، والذي يعد تجارياً من مختلف الجوانب، ويكون لونه مائلاً إلى الصفرة. وضرب أشجار اللبان ليست عملية عشوائية، وإنما هي عملية تحتاج إلى مهارة فنية خاصة ويد خبيرة، وتختلف الضربات من شجرة إلى أخرى حسب حجمها، ويستمر موسم الحصاد لمدة ثلاثة أشهر، ويبلغ متوسط إنتاج الشجرة الواحدة عشرة كيلو جرامات تقريباً من الثمار.
سكان محافظة ظفار يستخدمون ثمارها في ماء الشرب، حيث يعتقد أنها تساعد على (الإدرار)، كما أنها تجعل الماء بارداً ونقياً في أوقات الصيف، ويتم استخدام اللبان كمادة هامة في صناعة البخور الذي يستخدم في الكثير من المناسبات الاجتماعية، المرتبطة بعادات الزواج والولادة، وقد ذكرها وأشاد بها (ابن سينا) حيث يقول (إنها تداوي جميع الأمراض).
ولا يزال اللبان العماني، الذي يعتبر أفضل أنواع اللبان في العالم، مطلوباً في العديد من بلدان العالم، حيث يتم إدخاله في صناعة الأدوية، والزيوت والمساحيق والعطور والشموع الخاصة، إضافة إلى استخدامه في العديد من دور العبادة حول العالم.

التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم