صحتك تهمنا

المناعة النفسية العصبية

المناعة النفسية العصبية


ضد كورونا (كوفيد19)


انتاب العالم أجمع الهلع والكر والفر لاجتياح الفيروسات، وعلى الأخص الفيروس الجديد كوفيد 19 المعروف باسم كورونا، وبات الجميع يبحث عن حلول فاعلة تؤدي إلى الوقاية من هذا الفيروس أو مواجهته وعلاجه إن أمكن.
هذا وقد أربك هذا الفيروس الأنظمة الاقتصادية العالمية وتفشى في أكثر من 100 بلد على الأقل... ويعكف العلماء والأطباء والصيادلة على إيجاد الأمصال واللقاحات المستأصلة للمرض إن شاء الله.

ولا بد لشريحة علماء النفس وأطبائها أن يساعدوا المجتمع الطبي والمجتمعات عموماً في سبل الوقاية في هذه الفترة الحرجة من تاريخنا المعاصر.
فيخطئ من يظن أن انتقال العدوى بالفيروسات بكل أشكالها وتصنيفاتها ينتقل من إنسان إلى آخر أو بأي وسيلة من وسائل الانتقال المعروفة لدى العامة كما هي راسخة الوجود لدى الخاصة من الأطباء والعاملين في المجالات الصحية كافة. 
هذا الانتقال يقف فقط على الجانب المادي أو الطبيعي لأشكال انتقال العدوى، بل هناك علم حديث يدعى (علم المناعة النفسية العصبية Psycho-neuro immunology  ويرمز له اختصاراً (PNI).
ومن المعروف أن أجهزة المناعة المختلفة تتأثر بالحالة النفسية العصبية السلوكية للإنسان، ومن ثم تتعدل وتتغير معدلات إفراز الغدد الصماء من الهرمونات المختلفة، الأمر الذي يؤثر بدوره في صياغة اضطرابات الأجهزة المناعية إلى الحد الذي قد يشمل توقف عمل هذه الأجهزة أو لنقل التقليل من كفاءة عملها، ثم قد تفتح أبواب الجسم على مصاريعها للإصابات الفيروسية.
وآلية عمل هذه الأجهزة الهامة تقع ضمن (التوتر- الاسترخاء) فإذا كان الإنسان متوترًا يعاني ضغوطات الحياة كان الجهاز المناعي فاشلاً في القيام بوظائفه التي هي في غاية البساطة: منع الفيروسات القاتلة التي يمكن أن يصاب بها الإنسان.
وعلى النقيض من ذلك، كلما كان الإنسان أكثر استرخاءً وإيجابية، كان أداء هذه الوظائف غاية في التنسيق، لتقف في وجه كل عدو غدار يهاجم هذا الجسم أو يعمل على إكسابه العدوي.
فلا شك أن الإنسان الذي يحيا بمزيد من أمراض القلق والتوتر والغضب والمشاعر السلبية والحزن والاكتئاب أكثر عرضة بثلاثة أضعاف من يحيون في نمط صحي سلوكي جيد دعائمه الصحة النفسية والسكون والاسترخاء والتفاؤل والنظرة الإيجابية للحياة وكل ما من شأنه رفع قيمة الذات مع المحافظة على الإيمانيات المطلقة والمعتقدات السائدة... أي إن كل ما يصيبنا هو مقدر من عند الله سبحانه وتعالى، أي التسليم بإرادة الله، مع الأخذ بالأسباب علاجاً ووقاية.
فعندما يفشل الفرد في التحكم في المصادر التي تسبب له ضغوطاً سلبية، فإن جسمه يمر بخبرة أو حالة تعرف بالمواجهة أو الهرب ( Fight or Flight ) وعلى أثر ذلك تزداد ضربات القلب، يتحول الدم من الأطراف إلى العضلات الداخلية، تتسع حدقة العين، يرى الأدرنالين والدهون في الدم، يتحول النفس الحاضر في الصدر، وهذه عمليات حيوية غير طبيعية تقود بالضرر على الجسم وتنكهه، ثم يزداد إفراز الهرمونات في الدم مباشرة، ممل يعطل عمل الأجهزة المناعية ثم تحدث الإصابات بالعدوى بأي فيروس بعد إلحاق ضرر بهذه الأجهزة، وغالبًا ما يساعد على إلحاق الضرر بأجهزة المناعة مرور الشخص بخبرات حياتية صادمة من قبيل الطلاق، وفاة أحد الزوجين أو الأعزاء، وفقد العمل وحالات الكآبة وتوترات الحياة المختلفة.
وتؤكد الدراسات يومًا بعد آخر أن هناك عنصرًا هامًا لعيش الإنسان بعيدًا عن الهموم والتوترات والضغوطات ما أمكن، ذلك أن العيش في وسط المساندة الاجتماعية يعد متغيرًا هامًا في الوقاية وتنمية الصحة بجوانبها النفسية والعضوية، حيث ثبت أن الأشخاص الذين لا يقيمون علاقات اجتماعية طيبة مع الآخرين ولا يتلقون مساندة اجتماعية هم أكثر عرضة من غيرهم للإصابة باضطرابات فسيولوجية وتثبيط جهاز المناعة ثم الاستجابة للعدوى الفيروسية.
وهناك دراسات عديدة في هذا الصدد، لعل من أهمها على الإطلاق، دراسة كونسطبل ورس 1986- التي انتهت أن المساندة الاجتماعية والعاطفية من الوسائل الهامة في التخفيف من الضغوط الحياتية والإصابة أو التسبب بأمراض العصر، هذه الدراسات تسمى الدراسات الوبائية الإكلينيكية.
وللتأكيد على دور المساندة الاجتماعية ووجود الفرد داخل أسرة ولديه أبناء وزوجة- قام أحد العملاء سنة 1991 كوهين وتاير بل في جامعة كارنجي ميلون في ولاية بنسلفينيا بأمريكا بإجراء بحث مطول، حيث طلب من المتطوعين جميعًا  حقنهم بفيروس البرد العادي (Rhinovirus) وقد قسم هؤلاء المتطوعين إلى ثلاثة مجموعات، الأولى تعاني من توترات وضغوطات حياتية كثيرة منذ أكثر من 6 أشهر، ومجموعة ثانية مرتبطة أسريًا وعاطفيًا وهذا مساندة اجتماعية، إلا أنهم يعانون من بعض التوترات، ومجموعة ثالثة كان لديها أفضل مواجهة لهذا الفيروس عن طريق إزالة التوترات والضغوط- إضافة إلى تلقي مساعدة ودعم معنوي اجتماعي من أسرهم، وكانت النتائج أن المجموعة الثالثة الأخيرة استطاعت مقاومة فيروس البرد بواقع 69% أما المجموعة الثانية فقاومت البرد بواقع 27% أما المجموعة الأولى فلم تستطع أن تقاوم فيروس البرد العادي.
أي كلما زاد التوتر عند الفرد كانت قدرته المناعية على مقاومة الفيروس أو المرض ضعيفة، بعبارة أخرى فإن الضغط النفسي يضعف الجهاز المناعي الذي بدوره ينجز عن حماية الجسم من مخاطر صحية محتملة.

التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم