ريشة وقلم

الأدب ومعاناة الوباء

الأدب ومعاناة الوباء


أديب عربي في متحف الطفيليات بالصين


اشتهرت في الأدب الكلاسيكي نماذج من الأعمال الإبداعية التي تصور معاناة الإنسان مع الوباء وصراعه مع المرض، وأول ما يتداعى إلى الذاكرة من روائع الأدب العالمي ما خطه غابريال غارسيا ماركيز في رائعته "الحب في زمن الكوليرا" وكذلك ما أبدعه الأديب الفرنسي المولد البيركامو في رواية الطاعون، هذا عدا العديد من الأفلام المرئية التي وظفت تقنيات الخيال العلمي والتشويق في استعراض معاناة الإنسان مع فتكات الأوئبة، وخاصة ما يدهم على حين غرة ليمزق طمأنينة الإنسان الذي خال أنه قد بات بمنأى عن عصف الأوبئة. 

ومن أروع تفاعلات الأدب مع المرض ما تركه لنا المتنبي في تصوير معاناته مع الحمى، في قوله:


وزائــــرتي كــأن بهـا حيــاء           فليـــس تـزور إلا فـي الـظـلام
بذلت لها المطارف والحشايا              فعافتــــــــها وباتت في عظــامي


ويبلغ الضعف ما يجعله يتوسل لزائرته:


أبنت الدهر عندي كل بنت                  فكيف وصلت أنت من الزحام؟
جرحت مجرَّحاً لم يــبقَ فيه                مـكان للسيـــــــوف ولا السهام


وكذلك تستدعي الذاكرة الشاعر علي الجارم في تناوله لتبرُّم الناس وضيقهم ومعاناتهم المريرة مع وباء الكوليرا الذي حصد ضحايا كثر في إحدى غشياته لأرض الكنانة:


رب طفل تركته من غير ثدي              يضرب الأرض ضجة وعويلا
وفتاة طرقتها   ليلة   العرس               وقبل   الحليل  كنت   الحليلا
يا ثقيل الظلال  آذيت  بالمال               وبالأنفس،  فالرحيل الرحيلا

 

في متحف الطفيليات
نستصحب في هذه الأسطر إبداع أحد الرواد من الأدباء العرب من الذين لم يحظوا بقسط كافٍ من الشهرة، وخاصة وسط الأجيال الجديدة، وهو الدكتور محمد عوض محمد أحد الأدباء الفحول، وهو يتناول أمر الأوبئة برؤية مغايرة، مازج فيها ما بين الأدب والعلم، وذلك لدى زيارته لمتحف الطفيليات في الصين، متجولاً برفقة دليله الصيني الذي يحدثه عن صنوف الفيروسات والميكروبات ووظائفها، في متحف متفرد لم تستطع جامعة أو معهد في العالم أن يجمع فيه في مكان واحد ذاك العدد المهول من الكائنات الدقيقة، وذلك لإجراء التجارب لتعرُّف ما تتركه على جسد الإنسان من أثر، وقد شارك الدكتور عوض قرّاءه ثمرة زيارته التاريخية لذلك المتحف وهو يقارن بسخرية حال الطفيليات بمشاهير في عالم الأدب بنوا شهرتهم بالتطفل على إبداع الآخرين.
ويبتدر الدليل الصيني لزائره العربي الحديث عن عظمة هذا المتحف - الذي لا يوجد له شبيه في جمعه لصنوف من الأحياء الدقيقة من مختلف بقاع الأرض في مكان واحد، ثم هيأ لها الفرصة لترتع وتمرح ما شاء لها المرح داخل أوعيتها الزجاجية، وهي تنعم بما تشتهيه نفوسها، في تيه ودلال.

 

طفيليات الأدب
ولما علم الدليل الصيني أن ضيفه أديب أريب اختار أن يبدأ له شرح أمر الطفيليات بأسلوب متأدب وهو يقول:
 إنك يا صديقي من الأدباء، ولديك في الأدب طائفة من المتأدبين من كل كويتب أو شويعر. عاجز كل العجز عن أن يخرج من صدره أو قلبه أو رأسه رأياً أو خاطرة.. فيهرع إلى دواوين القدماء وكتبهم، فيستخرج منها القصيدة أو الرسالة، أو الفكرة، فيعكف عليها سلخاً ونسخاً، يقلد ويحذف لفظاً ويضيف لفظاً، حتى يتم له مسخها وتشويهها ثم يلصق في آخرها اسمه الكريم! فإذا به قد أصبح ذا شأن تتحدث عنه النوادي والصحف، تطالعك صورته الفخيمة في صدر كل صحيفة.
وهؤلاء ممن يذيع شأنه ليسوا في الأصل سوى طفيليات، ويمكن أن نقسمها إلى قسمين؛ فالأول طفيليات قومية، وهي التي تظل تعيش متطفلة على نتاج بني قومها تمتص رحيق إبداع الآخرين.
أما القسم الثاني فهو جماعة الطفيليات العالمية؛ وهم ممن أتيحت لهم فرصة تعلم اللغات الأجنبية، فاستخدموا هذا السلاح ونهشوا به آداب تلك اللغات، فتغذوا وعاشوا على أجساد المبدعين من الناطقين بتلك اللغات، سواء الأحياء منهم أو الأموات بجشع؛ ثم مسخوه قليلاً أو كثيراً، ثم قدموه للعيون الشرقية، على أنه من نتاج النفس وبنات الفكر!
يا صديقي.. إنهم بحق "طفيليات" ماكرة ضارة، لأنهم لم يستطيعوا أن يحيوا بأنفسهم ولأنفسهم، فهم يدركون أنهم لا يحسنون عملاً، ولا يجيدون صنع شيء؛ اللهم إلا شيئاً واحداً، هو: الالتهام. ولهذا يعولون على كائن آخر، يبدع ويكدح لهم ليتفرغوا إلى مهمة الالتهام.


ألوان وأشكال
وبعد سرد حيثيات هذه المقارنة العلمية المتأدبة، بدأ الدليل الصيني يطوف بزائره بين صنوف الطفيليات في علبها الزجاجية المتراصة، معرفاً بأن الطفيليات أنواع كثيرة، مشيراً إلى كائن قرمزي اللون! جميل الشكل بيد أنه قاتل فتاك لا يعيش إلا في الشرايين، ولا يحلو له إلا أن يتناول الدم الطاهر الزكي.
ثم يتحول إلى كائن أبيض لا يعيش إلا وسط الدسم والشحم في الجسد، فلا يزال ذلك الطفيل يرتع في نعمة الجسد، فيمتصه ولا يذره إلا نحيلاً هزيلاً، حتى يهلك الجسد ثم يهلك هو معه.
ثم كائنات أخرى دميمة لا شيء أشد منها دمامة، وأقبح منها منظراً، والمفارقة العجيبة أنها لا تعيش إلا حيث يوجد الحسن والبهاء، حيث لا تختار ضحاياها إلا من أجساد الشباب الغض، ثم يلفت نظره إلى طائفة أخرى أشد نهماً وأكثر شراهة، تعيش سعيدة وسط الفقر والشقاء، وتتابع التطواف بالتعريف بصنوف وصنوف من الأحياء الدقيقة انتهاء بصنف لا تكاد تراه حتى بالمجهر.
وما بين الطفيليات الأدبية وطفيليات المتحف العجيب تظل ذاكرة الأديب الزائر في شغل شاغل بأدباء وشعراء اشتهروا وسط الناس، ولم يكونوا في حقيقتهم سوى طفيليات تمتص رحيق عقول الآخرين.

 

طراز الدكتور محمد عوض 
يعتبر الدكتور محمد عوض أحد أدباء العربية الفحول، الذين بنوا لنفسهم مجداً بأصالتهم ومتانة ثقافتهم وتنوعها، وقام بترجمات أصيلة لبعض لروائع ومنها رائعة جوته "فاوست"، وبالرغم مما سجله من مواقف قوية ضد السرقات الأدبية بمختلف أنواعها إلا أنه كان موقفاً مغايراً في الترجمة، فما فتئ يثمن جهود مترجمي الأعمال الأدبية، ودافع عنهم أشد دفاع لأنهم حسب رأيه يبذلون جهداً بعكوفهم المضني على آثار كبار المبدعين في الأدب والعلوم والفن، وهم ينسون أنفسهم، ويمحون شخصياتهم، ويقنعون بمكانة المترجم الذي ليس هو بالقارئ المستريح ولا المنتج النابغة، ولكنه يظل صلة بين الرجلين، لا حظ له من راحة الأول، ولا حظ له من مجد الثاني، وإنما هو خادم مخلص أمين لجماهير القراء أينما وجدوا.
 لقد قضى الدكتور محمد عوض حياة كلها عطاء في عطاء، وذلك خلال عمره الذي امتد ما بين 1895 - 1972، حيث أتقن اللغة التركية والألمانية وحصل على الدكتوراه من جامعة لندن في العشرينيات من القرن الماضي، هذا بجانب حفظه للقرآن الكريم في سن مبكرة ثم نشاطه الكبير ضد المستعمر، هذا وقد أثرى الدكتور عوض العيد من المناصب التي شغلها، ومنها منصب وزير المعارف ثم مديراً لجامعة الإسكندرية فضلاً عن فترة عمله بمنظمة اليونسكو . وبجانب الأدب يعتبر الدكتور عوض من علماء الجغرافيا المصريين القلائل ممن أثروا هذا العلم بمؤلفات مهمة، اشتهر منها "نهر النيل وسكان هذا الكوكب"، هذا بجانب العديد من المؤلفات الأدبية مثل "بين الشرق والغرب" و"ملكات الجمال".
وللدكتور محمد عوض محمد مقالات متناثرة، نشرها في عدد من المجلات والصحف المرموقة، ومنها على سبيل المثال مجلة الرسالة في الثلاثينيات من القرن الماضي، وها هو يترك لنا مقاله الرائع عن زيارته لمتحف الطفيليات بالصين على أمل أن يأتي من يستكمل فصول الكتاب من بعده.

التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم