ريشة وقلم

فضيلة الجنون بين الكذب والظلم

فضيلة الجنون بين الكذب والظلم



بين الظلم والكذب دائماً ما تتورط الإنسانية فيما لا تطيق وترضى، فيعيد الإنسان صياغة تلك الصورة المثالية عن نفسه، فإذا آثر الظلم وصف نفسه صادقاً في زمن عز فيه الصدق، وإذا آثر الكذب فهو رسول الحق على الأرض في زمن عز فيه ذلك أيضاً. وننسى جميعاً أن الكذب ظلم لصاحب الحق والظلم كذب عليه.

إشكالية نعيشها جميعاً، لكنها أبداً لم ولن تصل بأحدنا إلى ما وصلت به مع إبراهيم عبد الله بطل رواية «أديب» التي كتبها د. طه حسين عن صديق له آثر الظلم على الكذب، ذلك حين وقف زواجه عائقاً نحو تحقيق حلم قبوله عضواً في بعثة الطلاب المسافرين إلى فرنسا، فما كان عليه إلا أن يتحرر من الزواج بظلم زوجته أو أن يتغاضى عن الشرط بالكذب على إدارة الجامعة أو أن يموت حزناً على البعثة التي لن يغنيه عنها شيء في الحياة بأسرها.
ولأنها تلك هي الخيارات المستحيلة -التي دائماً ما تمتحن عندها أخلاق الإنسان وفضائله- فإن إبراهيم عبد الله ظن نفسه بطلاً لقصة قد تكون كلها جد أو كلها هزل وقد تكون مزيجاً من هذا وذاك، فليس هيناً أن يقدم الرجل على تطليق زوجته كريمة النفس طاهرة القلب نقية الضمير والتي يحبها ويؤثرها ويعرف لها جميلاً لا يستطيع أن يقدره ولا يكافئها عليه. لكنه رأى أن ظلمه لها إيثاراً للعلم وارتفاعاً للمنزلة، وإن شئت فقل اجتناباً للكذب على الجامعة وفراراً من الخيانة الممكنة بل المحققة. وهو في ذلك مختلف عنا جميعاً لأنه يدرك أن من الأفضل للإنسان أن يعرف مكانه من القوة والضعف ونصيبه من القدرة والعجز، وأن يحتاط لما يعرف من ذلك فلا يقترف من الآثام ولا يجترح من السيئات إلا ما لا يجد منه بدا ولا عنه منصرفاً من أن يخدع الإنسان نفسه ويغره بها الغرور فيضيف إليها الخير وهي ليست بخيرة ويثبت لها الفضيلة وهي ليست بفاضلة ويحملها ما تطيق وما لا تطيق، حتى لا يكون مثل الشيخ الذي ما كاد يظفر بالإجازة التي تجعله من علماء الدين، وضمن لنفسه أجراً يوسع عليه في الحياة حتى أقدم على الآثام والخطايا والخصال التي لا تلائم علماً ولا ديناً ولا خلقاً. 
ولكل هذا وأكثر كان يرى إبراهيم عبد الله أنه شخص نادر في أن يبلغ من حب الصدق وإيثاره هذا الحد الذي يجب على الجامعة أن تفخر منذ الآن بخلقه، كما أنها ستفخر بعد قليل بجده واجتهاده وقدرته على البحث والتحصيل. 
وهكذا.. سرعان ما تهيئ للظالم مظالمه مغانم بعد أن كانت عثرات فينسى ما قد اقترفه في حق المظلوم لينعم بحياته الجديدة التي هي في جزء منها نتيجة لذلك الظلم، حيث رأى أن من أسباب الراحة في غرفته -وبفعل الفتاة الفرنسية- ما جعله يقضي النهار هادئاً مستريحاً لا يكاد يفكر فيما ترك ولا فيمن ترك وراءه قبل أن يعبر البحر ولا يكاد يشعر بشيء من هذا الألم أو هذا الندم اللذين كانا يثقلان عليه في السفينة واللذين كان يظن أنهما سيلزمانه لزوم الظل، وهكذا أيضاً سرعان ما يتحول الظلم من صاحبه عليه حيث يكتشف الظالم أن الظلم كان لنفسه وليس عليها فعندما عاد إلى غرفته في الفندق وجد دورقاً وكوباً من الماء بجانب السرير وتذكر كيف كان العطش يوقظه من نوم عميق ينهض على إثره باحثاً عن الماء حتى يستعصي عليه النوم ثانية.
ما أسرع ما تتغير نفس الإنسان ظالماً أو مظلوماً، مؤثراً للكذب أو للظلم، فسرعان ما تغيرت نفس إبراهيم عبد الله حتى إنه أصبح ينكرها أشد الإنكار ولا يكاد يصدق أنها ذاتها التي كانت هائمة بحميدة محزونة، بل جزعة لفراقها نادمة أشنع الندم وأبشعه على ما قدمت إليها من إساءة واقترفت في ذاتها من إثم، ولم تكن تذوق النوم إلا غراراً، قد نسيت أو كادت أن تنسى حميدة وفراقها وطلاقها، ومحيت منها أو كادت تمحى صورتها وهي تنهل دموعها الصامتة، وكيف كانت هذه الصورة تؤرقه الليل وتنغص عليه النهار. وهو الآن يطول انتظاره لها فلا تسنح له ويدعوها فلا تستجيب.
وهنا يجب أن نتساءل: كيف تنتقل نفس الإنسان من طور إلى طور وكيف تتغير من حال إلى حال؟  أيكون خيّراً فيصبح شريراً أم يكون شريراً يتكلف الخير؟! 
لقد صدق «موسيه»، حين شبه قلب الرجل النقي بالإناء العميق إذا استقر الدنس في قاعه فليس إلى تطهيره من سبيل، ولو مر به ماء البحر كله، وهكذا أصبح قلب إبراهيم عبد الله وقد استقر في قاعه هذا الدنس ولقد حاول تطهيره ما استطاع إلى ذلك سبيلاً بالتفكر والتدبر، بالقراءة والدرس، بالجد والنشاط، بهذه المثل العليا التي كان اتخذها، ولكنه مع ذلك لم يستطع أن يمحو من قرارة نفسه هذا الدنس الذي استقر فيها فلزمها لزوماً واتصل بها اتصالاً لا انقطاع له. ولكل هذا لم يهب شبح الجنون ولم يتأخر عنه وإنما أقدم عليه إقدام المحب الجريء.
عندئذ.. ترى أعلينا جميعاً أن نهرب إلى الجنون؟ أم أن الجنون لا يعرف طريقه إلا إلى أصحاب الضمائر النقية والقلوب الصادقة، فكلنا إبراهيم عبد الله في الجزء الأول من حياته، كلنا ظالم أو كاذب وربما الاثنان معاً، كلنا مرضى لا تظهر علينا علامات المرض، أمراضنا لم يعرف الأطباء لها مسمى فأخطأوا علتنا، بل أنكروها علينا حتى بتنا نصدق أننا الأصحاء نفسيا والأنقياء في ضمائرنا.
أما إبراهيم عبد الله فلم يصدق كل الأطباء الذين أقروا بصحة عقله، وحين استيقن أن إخلاصه لباريس ولصديقته إيلين كان كإخلاص حميدة له وحبه لهما كحبها له -الذي لم يقابله إلا بالغدر والظلم- كان الثأر من نفسه بأن شطح خياله. صحيح أن للجنون درجات دائماً ما ترتبط بدرجة الظلم أو الكذب اللذين اقترفهما الإنسان أو اقترفا في حقه. لذلك تخيل أنه أحب على إيلين ابنة أستاذه في السوربون وأن فرنسا تحسبه خائناً تحالف ضدها مع الألمان، فكرهته فرنسا وكرهته إيلين بقدر ما أحبهما وأخلص لهما وبقدر ما كان يتخيل أن حميدة قد كرهته، أراد أن يثبت لنفسه وللبشرية أن حلماً تحقق على الظلم فهو زائل حتماً، والحقيقة أنه لا فرنسا خانته ولا إيلين. ولا حميدة كرهته.
فمن منا فكر أن ينتقم من نفسه لوطنه أو لشريكه أو لأبويه أو لأولاده وأساتذته وجيرانه وأصحابه جزاء ما فعل بهم عن قصد أو غير قصد عن وعي أو غير وعي، إيثاراً للكذب على الظلم، أو إيثاراً للظلم على الكذب، أو مرغماً على الاثنين معاً؟ حقاً إن الجنون فضيلة العقلاء كما أن الظلم جريمة لا يقوى عليها إلا الكذابون والكذب جريمة لا يقوى عليها إلا الظالمون. وبين هذه وتلك وقف إبراهيم عبد الله ووقفت الإنسانية ليتأرجح كل إنسان ما بين أدوار البطولة والأدوار الثانوية. وما بين هذا وذاك انقضت العلاقة الزوجية بين حميدة وإبراهيم كملايين العلاقات التي تتهدم بفعل هذين الجرمين (الظلم والكذب) وإن كانت رحلة الظلم التي بدأها إبراهيم قد ارتبطت بكيان اجتماعي هو الزواج، إلا أنها تمثل انعكاساً للواقع السياسي والاقتصادي بل والسيكولوجي أيضاً، أليس الزواج هو أقرب ما تقع عليه كل الزلات والهنات؟! 
حقاً، إذا كانت الحياة ملهاة بالنسبة للإنسان الذي يفكر، فهي -ولا شك- مأساة بالنسبة للإنسان الذي يشعر كما قال "أندريه مالرو".

التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم