في ضيافة مرامي

الكاتبة الكويتية أمل الرندي


الكتابة وحدها لا تكفي لنرتقي بثقافة الطفل


تنطلق الكاتبة الكويتية أمل الرندي بكتابتها للطفل بروح الطفل وأحساسه، ترنو لعينيه فترسم لوحة من مخيلته وتطلعاته البريئة، ربما كان هذا سر نجاحها بمحفل الكتابة للطفل؛ فحققت الفوز بالعديد من الجوائز، ربما آخرها كان جائزة "الشارقة لإبداعات المرأة الخليجية" التي نظَّمها المكتب الثقافي والإعلامي بالمجلس الأعلى لشؤون الأسرة بالشارقة، وذلك عن قصتها "مفاجأة أبي"، ولتتبع خطاها المتميزة. استضافتها مرامي ودار معها الحوار التالي.
 
• لمَ آثر قلمك أدب الطفل دون الكبار؟
لم يكن قلمي المبادر بالاختيار بل أدب الطفل كان قدره وكان يوم لقائه أجمل مصادفة، فطبيعة دراستي تربية (قسم رياض أطفال) بجامعة حلوان في (مصر)، جعلتني أتابع تربية الطفل وأقدر دور الأدب ببلورة أفكاره إضافة إلى إمتاعه. وكان أستاذي عميد أدب الطفل د. يعقوب الشاروني قد طلب منا حينها كتابة قصة للطفل، ووعدنا بنشر القصة الأفضل في مجلة (نصف الدنيا)، وكانت قصتي (الفيل صديقي) هي الأفضل وتم نشرها في المجلة، وهذا ما أوقد الشرارة الأولى في داخلي واكتشفت قدرتي على الكتابة للطفل، ومن حينها وأنا متمسكة بضوء تلك الشرارة الذي بات يحفزني ويأخذني لطرقاته الصعبة والممتعة في آن معاً. قد نسمي ذلك مصادفة، لكني اتخذتها كأساسٍ أكملتُ البناء عليه.
ولم أكتفِ بأدب الصغار، بل وجدت في الكتابة للكبار تحدياً آخر لي ولغة أخرى وأهدافاً تنطلق من واقعنا الثقافي الذي نعيش فيه، وكان لا بد لي من المساهمة بإبداء الرأي والبوح بالأحلام والتفاعل مع الفضاء الثقافي المحيط بي، وكان ذلك من خلال مقالتي الأسبوعية (نافذة.. الأمل) بجريدة الرأي الكويتية، وكان لتشجيع رئيس الصفحة الثقافية الزميل العزيز مدحت علام دور مهم في الاستمرار بالمشاركة في صفحة إشراقات، وقد بدأت بكتابة المقال منذ عام 2006، وكانت تجربة صحفية هامة وثرية حرصت فيها على تطوير نفسي دائماً والبحث عن الأفضل، والتركيز على المقالات الهادفة.
الكتابة تجربة ممتعة تجعلنا نعيش حياة أخرى فحياة واحدة لا تكفيني، والفعل الكتابي فرصة عظيمة لنتوحد مع ذواتنا بأشكال عدة، ونثقف أنفسنا من أجل اكتشاف العالم أكثر، والغوص بعالم الإبداع والمبدعين الأجمل. فلا يبقى من أي أمة إلا ما قدمته للبشرية من جمال وفن وإبداع، وكلي قناعة بمقولة الكاتبة الأمريكية "أوكتيفيا بوتلر": "كل قصة أبدعتها أبدعتني.. أنا أكتب لأكون نفسي". 
 
• لم تقفِ عند الكتابة فقط بل عبرت لدنيا النشر؟ وما هو مؤلفك الأول؟
كانت الخطوة الأولى صعبة وتطلبت الجرأة والإقدام والثقة بالنفس، لكنني، والحمد لله، قررت خوض غمار الكتابة والنشر معاً، ولم تكن قصة واحدة إنما مجموعة قصصية بعنوان (مجموعة قصص الأمل التربوية للأطفال)، ضمت أكثر من 20 قصة للأطفال، يتم تدريسها لمرحلة رياض الأطفال بالكويت، نلت عليها جائزة الدولة التشجيعية، فكانت أول الطريق، وكانت انطلاقتي بنشر قصصي من وطني الكويت، ثم بعد ذلك أصدرت كتبي في سوريا، لبنان، مصر، تونس وقطر. 
 
• أم مصرية، أب كويتي...كيف تجسد التناغم الثقافي بالابنة الكاتبة؟
أنا محظوظة بهذه الخلطة الحضارية التي تجمع الفرعونية مع حضارة الجزيرة العربية. فمجرد شعوري بالانتماء لحضارتين مهمتين يشعرني بالغبطة، بل يشعرني بالمسؤولية، حتى بتّ مغرمة بالتنوع الحضاري، ونحن اليوم نعيش في عالم متداخل ومتفاعل بشكل فظيع. كلما كان الإنسان ذا ثقافة متنوعة كان أكثر انفتاحاً على العالم وتقبل الآخر، ويقدر قيمة الاختلاف بل يعتبر الاختلاف غنىً أيضاً، وهذا ما حدث معي.
ولدت في الكويت، لكنني نشأت بمصر العظيمة بحضارتها المتنوعة، فهي مزيج من الثراء في كل شيء؛ الحضارة، الفكر، اللغة، الثقافة، الفنون... فهي فعلاً "أم الدنيا"، ثم انتقلت بعد تخرجي من الجامعة إلى الكويت، لجذوري، أرض السلام والكرم، لؤلؤة الخليج. 
نحن لا نختار أهلنا أو قدرنا، لكن لا يمكن إلا أن نحب وطننا، لما يقدمه لنا من احتواء ودعم، وإذا كانت شرارة إبداعي الأولى بالجامعة انطلقت من "القاهرة"، فإن فضل الكويت عليّ كبير بدعمي وتشجيعي ككاتبة، وجائزة الدولة التشجيعية التي حصلت عليها ليست إلا مثلاً على ذلك، وكانت فاتحة لجوائز أخرى وشهادات تكريم وتقدير عديدة والحمد لله.
 
• هل لديك محطات تفاعل مع الأطفال غير منصة الكتابة، كيف كان ذلك؟
طبعاً لي فأنا مؤمنة بأن الكتابة وحدها لا تكفي لنرتقي بثقافة الطفل، فمسؤوليتي ككاتبة أدب طفل كبيرة، تتخطى فعل الكتابة لتساهم بفعل القراءة والثقافة عموماً، فأحياناً نشعر بتقصير دور النشر أو المؤسسات الأخرى التي توصل الكتاب للطفل، وأحياناً يصل الكتاب للطفل لكن بدون تحفيزه على القراءة، لذلك شعرت بأن مهمة الكتابة لا تكفي لإيصال الرسالة. من هنا لم أكتفِ بالتأليف، فأسست دار نشر (شمس الكويت) وطبعت كتبي من خلالها، هذا من جهة، كذلك حرصت على لقاء الأطفال وإقامة ورش لهم في الكويت وخارجها، لأحببهم بالقصص والأدب، وأحثهم على الخيال والمعرفة، وأطلق مواهبهم وأفكارهم، وكانت الورش متعددة تهتم بسرد القصص أو كتابتها، سواء بمعارض الكتب أو الأنشطة الثقافية المتنوعة للأطفال في الوطن العربي. وأطلقت مبادرتي (أصدقاء المكتبة) عام 2017، والحمد لله حققت نجاحاً باهراً.
 
• وما هي مبادرة (أصدقاء المكتبة) وما الذي رمتِ لتحقيقه بها؟ 
كنت مؤمنة بفكرة أن تثقيف الطفل لا يمكن تحقيقه إلا من خلال نشاط ثقافي خاص بالطفل، يكون لفترة زمنية طويلة، وليس فقط بمناسبة أو تظاهرة ثقافية أو معرض كتاب. فالجداول بل الأنهار تبدأ بقطرات صغيرة، من هنا ولدت فكرة (مبادرة أصدقاء المكتبة) وقد بدأت التجربة بإرادة قوية عند ترأسي لجنة أدب الطفل برابطة الأدباء الكويتيين، ووُفِّقت بمشاركة كوكبة من كتّاب أدب الطفل المتميزين، واستمرت المبادرة لمدة عام دراسي كامل (2017-2018)، بالتعاون مع دار نشر (ذات السلاسل)، وبذكاء اخترت موقع المكتبة بمجمع تجاري، في ذات السلاسل في (الأفينيوز)، ليكون ذلك حافزاً لأولياء الأمور، السيدات منهم خصوصاً، الذين يحضرون أبناءهم ويجدون بالمكان فرصة للتسوق أيضاً ثم العودة لاصطحاب أبنائهم، تم الاتفاق مع مدرسة البيان ثنائية اللغة والعريقة بأنشطتها التربوية والثقافية للأطفال والانضباط، نجحت المبادرة وحققت نتائج باهرة بمشاركة نحو 350 طفلاً، وأصبح لدينا فعلاً أصدقاء للمكتبة، واكتشفنا مواهب الأطفال بالكتابة، أرسلت نتاجاتهم للكتّاب المشاركين الذين يقومون بتقييمها، وتم تكريم الفائزين بالحفل الختامي للمبادرة. وتطلعي لتقديم الأفضل قادني للنسخة الثانية من (أصدقاء المكتبة)، وأصبحت المبادرة الآن على مستوى عربي، بمشاركة كاتبين مهمين هما عميد أدب الطفل د. يعقوب الشاروني، والكاتبة د. وفاء المزغني رئيسة المجلس التونسي لكتب اليافعين، وهي الآن برعاية المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ويشارك فيها كوكبة من كتّاب أدب الطفل المتميزين في الكويت: هدى الشوا، لطيفة بطي، علاء الجابر، ثريا البقصمي، سعيدة المفرح، هبة مندني، منيرة العيدان، فاطمة شعبان، الشيخ محمد الصباح، حسين المطوع، حياة الياقوت وأمل الرندي. 
 
• هل أنت، في كتاباتك مع أم ضد (أنتنة) الطفل، أي تربية طفل تحت مظلة (النت)؟
ليست الفكرة مع أو ضد؛ فليس منطقياً أن نكون ضد التطور والحداثة فهذه لغة العصر، لكن لا بد من مراعاة الاستخدام الصحيح للنت والسعي لتنظيم الوقت بين الأجهزة الإلكترونية والأنشطة الثقافية والرياضية، ليعيش الطفل حياة متوازنة سليمة.
وهذا ما أجسده دائماً بقصصي، مثل (نجم المستطيل الأخضر)، (في بيتنا حاسوب)، (الكرسي المتحرك لا يعيقني)، فهذه القصص تحث الطفل بشكل غير مباشر على أن يكون لديه أنشطة متنوعة، إضافة لاطلاعه على التطور التكنولوجي واستخدام الأجهزة الحديثة.
 
• ومساهمتك الأخيرة في (جائزة الشارقة لإبداعات المرأة الخليجية) وفوزك بها؟
سعدت كثيراً بفوز قصتي (مفاجأة أبي) بمجال أدب الطفل، وهي الجائزة الثالثة التي أحصل عليها من دولة الإمارات العربية المتحدة، إضافة إلى كونها تشجع وتدعم المرأة المبدعة وهذا ما نحتاج إليه بشدة، فالمرأة المبدعة تقوم بمجهود مضاعف، لتطلق إبداعها بوسط زحام المسؤوليات الاجتماعية والعمل، لذا عندما تخصص للمرأة جائزة يساهم ذلك كدافع وحافز لاستمرارها والإبداع أكثر. كل الشكر والتقدير لجائزة (الشارقة لإبداعات المرأة الخليجية) برعاية سمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي، قرينة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة، على هذه الجائزة الهامة التي تعني وتحفز كل امرأة خليجية مبدعة.
 
• ما تسلسل هذا التكريم في سجل نتاجك الثري؟
نلت العديد من الجوائز بالكويت وخارجها، بالكويت من المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بجائزة الدولة التشجيعية مرتين عامي (2011، 2015)، وبجائزة الشيخ راشد بن حميد (الإمارات العربية المتحدة) مرتين متتاليتين (2015، 2016)، كما كرمت سفيرة فوق العادة مع مرتبة الشرف العليا عام (2019) من الأكاديمية العربية للفنون والإعلام (برنامج سفراء فوق العادة) وغيرها الكثير من التكريمات الهامة، والحمد لله، على مستوى الوطن العربي.
 
• هل تحيا أمل الرندي بمشاعر طفلة لتنجح بمحاكاة الأطفال، أم العكس؟
أحيا دائماً بمشاعر الطفولة، فداخل كل منا طفل جميل عليه أن يطلقه دائماً، ولا يترك نفسه أسير ضغوط الحياة والبيروقراطية التي تحيط بنا وتقتل أجمل ما فينا. علينا الإنحياز لفرح الأطفال ودهشتهم، وأن ننتصر على الكآبة والإحباط والسلبيات التي نتعرض لها بالطاقة الإيجابية، والتفاؤل وروح الطفولة التي لا بد من تعزيزها داخلنا ليكون السلام الداخلي والسلام بالعالم الذي نحن اليوم بأمس الحاجة إليه، لذا عندما أكتب للأطفال أخرج كل ما بداخلي من روح الطفولة، وحتى الذي لم أستطع التعبير عنه بطفولتي أعطي مساحة للطفل كي يعبر عنه، من خلال أبطالي، فمهم جداً أن نربي أطفالنا على الحرية والحب والسلام.
لا بد لكل كاتب للأطفال من أن تكون لديه القدرة على تقمص شخصية الطفل، والدخول لعالمه لا من خلال تذكر طفولته هو فقط، إنما أيضاً من خلال معرفة أحلام طفل اليوم ووعيه لما يجري حوله، أحرص دائما على تجديد معرفتي بما يجول داخل الطفل من أفكار وأحلام، وأتلَّمس الطريق لعقله وطموحاته. وبالتالي أعرف كيف أكتب له... والله ولي التوفيق.
التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم