ناس وحكايات

ذاكرة الإنسان

ذاكرة الإنسان


الكثير من الخبايا والأسرار..


كثيراً ما نقابل شخصاً ما، فنشعر أننا التقيناه سابقاً، أو أن شكله مألوف لدينا، ونقول في أنفسنا لعلنا رأينا هذا الشخص في زمان ومكان آخرين، فنحاول أن نعرفه باسمه ولكننا لا نستطيع في تلك اللحظة، ويظل هذا الأمر يلاحقنا حتى تسعفنا الذاكرة بإخراج اسمه من مخزن الذاكرة عندها نشعر أننا قد بذلنا جهداً، من حيث لا ندري، ويأتي الاسم فجأة دون أي إشعار، وأحياناً قبل ورود الاسم إلينا تعطينا الذاكرة حرفاً أو أكثر من حروف اسمه أو كنيته.  ترى ما هي الذاكرة وكيف تعمل؟ وما هي مشكلاتها؟ وكيف يتم تنميتها؟ وهذا ما سنتناوله في هذا المقال.
أساس التذكر: إن ميكانزم الذاكرة هو ميكانزم معقد مثل الفكر؛ فلكي يحدث التذكر ينبغي على الجهاز العصبي أن يخلق نفس نمط التنبيه المكاني والزماني في الجهاز العصبي المركزي في وقت لاحق، ومع أننا لا نستطيع تفسير ما هي الذاكرة بالضبط إلا أننا على الأقل نعرف بعض العمليات العصبية الأساسية التي يحتمل أن تؤدي إلى عملية التذكر.
مكونات الذاكرة: تتكون الذاكرة – ذاكرة الإنسان – من قسمين
القسم الأول: ويطلق عليه العلماء الذاكرة القصيرة المدى، وهذه الذاكرة التي تحتفظ بجزء صغير من المعلومات، يعتقد أنه سبع جزئيات صغيرة مثل "سبعة أرقام مثلاً" لمدة قصيرة جداً يعتقد أنها في الإنسان البالغ تصل إلى عشرين ثانية. نحن لا نستطيع الاعتماد على هذه الذاكرة في حفظ ما نتعلمه لأن كل ما فيها سينسى أو سيضمحل، أو يزول بسرعة، ليحل محله غيره. إنها تشبه ردهة ضيقة يتم فيها عملية تبادل المعلومات بين العالم الخارجي وعالمنا الداخلي، وهو ما نطلق عليه الذاكرة البعيدة المدى.
القسم الثاني: وهو الذاكرة البعيدة المدى، هذا المكان الذي نحتفظ فيه بكل ما نريد الاحتفاظ به من معارف لفترة طويلة. نتساءل ما الكمية التي نستطيع حفظها في الذاكرة البعيدة المدى؟ وما زمن الحفظ؟ وإذا كانت المعلومات تحفظ في الذاكرة البعيدة المدى إلى أي زمن فلماذا ننسى إذن؟ للإجابة عن هذه التساؤلات لا بد أن نعرف بعض الحقائق. إن كثيراً مما نعتقد أننا نسيناه لم نتعلمه أبداً؟ فهو لم يغادر الذاكرة القريبة المدى أثناء عملية تعلمه لذا فإنه فُقدَ. تفقد كل الأشياء من الذاكرة القريبة المدى بعد قليل من دخولها إليها.
لذا كان من الضروري لإتمام عملية التعلم، وليكون ما نتعلمه ثابتاً أن نبذل جهداً لإدخال ما تعلمناه من الذاكرة القريبة إلى البعيدة للاحتفاظ به ثم استخدامه.
 طرق التذكر: ومن أهم الطرق التذكرية:
1- الاسترجاع الذهني للصور: وهذه العملية التذكرية يرجع إليها كل الناس، وخصوصاً صغار السن وطلبة المدارس، وأكثر ما يستعين بها الطلاب لتأدية الاختبارات المدرسية، ويذكر عناية مصطفى نجم أنه في إحدى المرات وقع الأستاذ على ورقة اختبار لأحد الطلبة وقد كتب حرفياً نصوصاً طويلة من مادة الكتاب، فأيقن الأستاذ أن الطالب لا بد أنه قد استعان بالكتاب أثناء الاختبار، لكن الأستاذ فوجئ عند مراجعة هذا الطالب أنه يحفظ صفحات عن ظهر قلب بواسطة ما اختزنته ذاكرته من صور ذهنية لمادة الكتاب، وهناك العديد من الناس الذين يمتلكون القدرة على تذكر حوادث وأشياء مرت في حياتهم، وهذا ما يستعين به رجال الشرطة والقضاء عن طريق استدعاء الشهود في الأعمال الجنائية،  وهو ما تناولته الدراسات النفسية فيما يعرف بسيكولوجية الشهود التي قام بدراستها "بينيه ودي باستيل" وعلماء نفس الشكل كوفكا وولف،  وتجدر الإشارة إلى أن هذه المقدرة الاسترجاعية  للصور تكثر لدى الصغار وتقل لدى الكبار.
2- التذكر بالاقتران: وهناك طريقة أخرى نستطيع من خلالها استرجاع ما اخترناه بواسطة التذكر بتكوين الارتباطات، فالأشياء التي تربطها سمات أو وحدات مشتركة تتألف فيما بينها على شكل سلاسل أو مجموعات متقاربة، وعندما نحاول استحضار شيء ما من ذاكرتنا أو نتعلمها من وقع الحياة ورغبتنا بالاحتفاظ بها لداعٍ ما، فإننا نقوم باستحضار ما يشبهها في ذاكرتنا، أو يتلاقى معها في سماتٍ معينة تمهيداً لربطها معها والتآلف فيما بينها، وهنالك العديد من الأشياء التي يشبه بعضها بعضاً في واقع حياة الإنسان فمثلاً لفظ الحديقة يستدعي عادة عند التلفظ به الأشجار والزهور والمقاعد والأضواء والألعاب والمأكولات المعروضة على العربات المتنقلة أمام بابها... الخ
العوامل التي تؤدي إلى النسيان: يحدث النسيان بتأثير عدد من العوامل هي:
1- عدم الاستخدام 2- التداخل 3- إعادة التنظيم 4- النسيان العمد ...
1- عدم الاستخدام للمعلومات التي تعلمناها يؤدي إلى نسيانها. نحن ننسى اللغة الجديدة إذا لم نستخدمها، وننسى قواعد اللغة العربية إذا لم نراعها في كتابتنا، لذا كان من الضروري للمحافظة على ما نتعلمه أن نحاول استخدامه باستمرار. كيف؟!
 مثلاً:
- نستخدم الكلمات الجديدة التي تعلمناها في أحاديثنا وكتابتنا.
- نستخدم قواعد اللغة الجديدة في أحاديثنا وفي كتابتنا.
- نردد أبيات الشعر التي حفظناها من حين لآخر.
- نناقش مع زملائنا الأفكار التي تعلمناها كلما سنحت الفرص لذلك.
- نستخدم الطريقة الجديدة التي تعلمناها في وضع شيء ما.
- نعلم ما تعلمناه للآخرين.
كل هذا يقلل من النسيان.
2- نحن ننسى أيضاً نتيجة للتداخل؛ تداخل الجديد مع القديم في ذاكرة الإنسان. مثلاً عندما نتعلم قاعدة "كان وأخواتها" ثم نتعلم بعدها مباشرة قاعدة "إن وأخواتها" قد تختلط القاعدتان معاً نتيجة لما بينها من تشابه واختلاف. ولتقليل النسيان نتيجة للتداخل نحتاج إلى:
- عدم استذكار الأشياء المتشابهة في وقتٍ واحد.
- تميز الأشياء المتشابهة، ويمكن أن نلجأ إلى جداول المقارنات أو وصف أو وجه التشابه من الاختلاف.
3- إعادة التنظيم: نحن نتذكر المعلومات أحياناً بصورة مختلفة عن حقيقتها الأساسية. وهذا يحدث عندما لا يكون التعلم كاملاً، وعندما تكون المعلومات مفتتة ومجزأة ولا معنى لها، في هذه الحالة يمكن أن نسترجع المعلومات مختلفة عن صورتها الفعلية. 
ولتقليل التداخل علينا أن نقوم بما يلي:
- نتأكد من فهمنا لكل جزء قبل الانتقال للجزء التالي له.
- نربط المعلومات الجديدة بمعلوماتنا القديمة مثل ربطنا رقماً جديداً برقم معروف كتاريخ ميلاد أو اسم جديد باسم أو كلمة مألوفة لنا.
- توجد علاقات بين ما تعلمناه في مكان وما تعلمناه في مكان آخر مثل الربط بين قصيدة في مجال الأدب وتاريخ من قالها في مجال التاريخ.
النسيان العمد: وهذا النسيان هو نسيان أشياء ترتبط في ذاكرتنا بظروف غير محببة أو غير سارة. في مثل هذه الحالة نتعمد نسيان ما يعيد لذاكرتنا الأحاسيس أو المشاعر غير المحببة.
ولتقليل ذلك يجب علينا أن نجعل ظروف التعلم مريحة وسارة بقدر استطاعتنا، ونأخذ فترات راحة بين فترات الاستذكار، حتى لا يرتبط الاستذكار في أذهاننا بالتعب، ونثيب أنفسنا بأشياء محببة بعد انتهائنا من الاستذكار مباشرة.
وختاماً: يمكن القول بأن العقل البشري سيبقى فيه كثير من الأسرار غير مكتشفة بانتظار بوصلة العلم والدراسات والتجارب المستقبلية على هذا الصندوق العجيب والغريب، والذاكرة – بحد ذاتها – تعتبر مجالاً حيوياً هاماً يحتاج إلى المزيد من المعلومات والاختبارات والتجارب للكشف عن أسرارها وخباياها.

التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم