ناس وحكايات

خمسون عاماً والفلسطينية هادية قديح تصنع الكحل العربي

خمسون عاماً والفلسطينية هادية قديح تصنع الكحل العربي



لم تمنعها سنوات عمرها التي جاوزت الستين من أن تستمر في عملها، الذي تعلمته من جدتها في الصغر، فما زالت تحافظ على مهنة صناعة الكحل العربي بالطريقة التقليدية القديمة، لتنقل إرث الأجداد للأبناء ومنه للأحفاد، ورغم توافر الكحل الصناعي في الأسواق وبأسعار رخيصة إلى حد ما، إلا أن هذا يزيدها إصراراً على الاستمرار لأن ما تنتجه وفق تعبيرها أصلي ويختلف بشكل كامل عن المتوافر في الأسواق.

الحاجة هادية قديح، لا تمل الجلوس لساعات طويلة أمام موقد النار في منزلها بمدينة خان يونس وسط قطاع غزة، وفي يدها وعاء يحتوي على زيت الزيتون لتسكب منه على قماش أسود من نوع خاص، ليتحول إلى كحل طبيعي لا يحتوي على أي مواد كيماوية قد تضر العين.

وفي الوقت الذي تلاقي فيه منتجات التجميل رواجاً كبيراً لدى النساء، وتتعدد أنواعها وأصنافها في الأسواق، احتفظ الكحل الطبيعي بقيمته، فهو يجمع بين الفوائد الصحية والشكل الجمالي الجذاب الذي يتركه على عيون النساء.
وتؤكد هادية أن منتجاها هي الأفضل من بين كل أنواع الكحل الأخرى، لما له من لون خاص وبريق مختلف، فلا يمكن أن يتساوى أبداً مع الموجود حالياً في الأسواق، وأنه يجعل المرأة أكثر جاذبية بعيداً عن أي مواد يمكن أن تضر العين أو تسبب لها الحساسية، نظراً لاستخدام زيت الزيتون الطبيعي فيه.

وتضيف هادية أنه رغم تعدد الأنواع إلا أن الطلب على الكحل الطبيعي لايزال كما هو، وذلك بسبب الشهرة الكبيرة التي يتمتع بها في البلدان العربية، وذلك منذ كان يستخدم الكحل للأطفال بغض النظر عن جنسهم، لتقوية العين وحمايتها من الحسد كما كان يعتقد قديماً، وهذا ما أقوم به الآن لأحفادي حيث أكحلهم بشكل دائم.

وتروي أنّ الكحل قديماً لم يكن يخص النساء فقط، بل إنّ الرجال العرب اكتحلوا في القدم وتزينوا بهذا المسحوق، تعبيراً عن الفرح والبهجة، كما يرمز للجودة والأصالة، وفق تعبيرها. 

 وتتابع الحاجة هادية حديثها عن منتجها الوحيد بالقول: أقوم بصناعة الكحل بشكل يدوي على مدار خمسين عاماً، باستخدام أدوات منزلية بسيطة، منذ تعلمت هذا العمل على يد والدتي حيث يعد جزءاً من التراث الذي تركته جداتنا وتعلمناه فيما بعد.
ويعتمد الكحل الطبيعي في تصنيعه بالأساس على الزيت وقماش طبيعي يسمى "قماش التوبيت"، حيث تقوم بإحراق زيت الزيتون والقماش الأسود معاً في مقلاة حديدية كبيرة، وتضع فوق الإناء الذي يضم القطعة القماشية طبقاً معدنياً، لتجميع الدخان الأسود الذي ينبعث من الحرق حتّى نحافظ على قتامة اللون، وأنتظر حتّى تحترق القطعة بشكلٍ كامل وتتحول لرماد، حتى ينتهي بهما الأمر إلى التحول إلى قشرة سوداء تكشطها بملعقة معدنية من سطح المقلاة، هذا الرماد الأسود هو الكُحل الذي تعبئه بعد ذلك في زجاجات صغيرة مزينة تسمى مكاحل، وهكذا يصير الكحل جاهزاً.
وتذكر هادية أن العمل في صناعة الكحل شهد تطوراً طفيفاً على مر السنوات، حيث كانت النساء في السابق يستخدمن أدوات مصنوعة من الطين بدلاً من المقلاة المصنوعة من الألمنيوم أو الستانلس، إلا أن أساس الصناعة بقي محتفظاً بأصوله كما هو دون تغيير.

وتشير هادية إلى أن الكحل الطبيعي خير علاج للكثير من الأمراض التي قد تصيب العين مثل الرمد الربيعي، ويسهم كثيراً في قتل الجراثيم المسببة لهذا المرض وللتخفيف من الانتفاخ والاحمرار الناتج عن الحساسية الموسمية، وبخلاف الأصناف الأخرى التي سرعان ما تذوب في عيون الفتيات، لكنّ الأصليّ يبقى وقتاً طويلاً.

وتفيد هادية أن أمها وجدتها، وكغيرهما من نساء الجيل القديم، لم تعرفا غير الكحل التقليدي. فيما ترى أن عملها اليوم بصناعة الكحل أمر يتجاوز القيمة الجمالية والصحية إلى المحافظة على الهوية الفلسطينية بوصفها تقليداً متوارثاً يعبر عن نمط حياة عاشه أجدادها.
ورغم أن هادية لا تعتبر عملها مربحاً بشكل كبير، وذلك لأنها تحتاج إلى أكثر من ساعة حتّى تصنع كمية من الكحل تكفي لتعبئة مكحلة نحاسية واحدة، غير أن أولادها يتولون اليوم ترويج ما تقوم والدتهم بصناعته، ويستخدمون أحدث وسائل التواصل للترويج لهذه السلعة النادرة التوافر نظراً لقلة من يقومون بصناعتها، حيث يبيعون زجاجة الكحل الواحدة بما يعادل 6 دولارات أمريكية، وذلك بعد حجزها بشكل مسبق.
ويعرف الكحل العربي الطبيعي باسم " كحل الإثمد العربي"، ويعد أفضل أنواع الكحل العربي على الإطلاق، وذلك لخلوه من عنصر الرصاص الذي يوجد في معظم أنواع الكحل الصناعي التي تتسبب بالضرر للعين عند استخدامها لفترة طويلة .
هذا، ويعود تاريخ استخدام الكحل إلى العصر البرونزي، أي نحو العام 3500 قبل الميلاد، واستخدمته عدة شعوب وحضارات أشهرها الفراعنة، وكانوا يستخدمونه فتظهر عيونهم واسعة وجميلة.


مميزات هذا الكحل 
لا تعتبر الحاجة هادية تلك المهنة مربحة بالشكل الذي يوازي تعب ومجهود صناعتها، فهي تحتاج لأكثر من ساعة، حتّى تصنع كمية من الكحل تكفي لتعبئة مكحلة نحاسية واحدة.
وتضيف: ابني يروجها للنساء والصبايا في الحي المحيط بنا، بمبلغ لا يتجاوز الـ 6 دولارات للعلبة الواحدة، التي تكفي للاستخدام نحو 100  مرّة، لكن الإقبال ضعيف .
وتقول: الفرق الأساسي في الجودة، ومن يستخدم الكحل الأصلي، الذي لا تجيد صناعته سوى بعض النساء كبيرات السن في قطاع غزة، يعلم جيداً أنّ الكحل العادي يختلف كلياً عنه في الخصائص والديمومة ونوعية اللون.
وليس التزّين فقط هو مجال استخدام الكحل بحسب كلام هادية، التي نبّهت أنّه يستعمل علاجاً لبعض الأمراض الجلدية التي تصيب أماكن تحت وفوق العين، من حساسية وغيرها.
وتردف: يساعد الكحل كذلك في إنبات الرموش، وتنشيط جفون العيون الهزيلة، ويعمل على شدها، بطريقة تزيد من جمالها، كما أنّه يحافظ على الرموش من التساقط الذي يمكن أن تسببه بعض الأمراض. وللعلم فإنّ ظهور الكحل بدأ في منطقتنا العربية منذ زمن الفراعنة، واشتهر في معظم المناطق.
وجاء كذلك أنّ الشعراء العرب برعوا في التغزل بالعيون المكحلة وكتبوا فيها القصائد، واعتبروها مصدراً للإلهام، واسترسلوا في وصف الكحل وطريقة صنعه وأنواعه.                                                                                                وتختم هادية بالتأكيد على تمسكها بتلك الصناعة التقليدية، ورغبتها في توريثها لبناتها وحفيداتها، لأنّ ذلك سيساهم في استمرار الحفاظ على التراث الفلسطيني والعربي. 

 

 

 

 

التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم