صحتك تهمنا

داء باركنسون

داء باركنسون



هو المرض الأشهر الذي أصاب أسطورة الملاكمة محمد علي كلاي، وأصيب به في عام 1984 عن عمر يناهز 42 عاما، وظل في صراع دائم مع المرض لفترة طويلة دامت 32 عاما، ليستحق عن جدارة لقب "أيقونة المرض"، خاصةً أنه استطاع التعايش مع شلل الرعاش وتأقلم معه جيدًا، كما لعب كلاي دورا مهما بتوعية الناس حول طبيعة هذا المرض، وحرص على أن يكون مؤثرا وفعالا في توعية المجتمع من واقع تجربته القاسية مع هذا المرض. 
وفي عام 2016 غافل هذا المرض الفنان يوسف فوزي واحتل جسده؛ إذ أصيب بالشلل الرعاش "باركنسون"، وبات غير قادر على الحركة، وقرر الانسحاب من الوسط الفني بهدوء من دون أن يشعر به أحد.
وكان الفنان يوسف فوزي قد ظهر في مقابلة صحفية مطلع العام الحالي، وخاطب جمهوره قائلا: "اللهم إني لا أسألك رد القضاء، ولكني أسألك اللطف فيه، وأسألك حسن الختام، وطلب من الجميع الدعاء له. 
 
داء باركنسون مرض عصبي تنكسي مجهول السبب. يحدث فيه تنكس تدريجي ثم موت للخلايا العصبية المسؤولة عن إنتاج مادة (الدوبامين)، التي تعد ناقلاً عصبياً مهماً لوظائف الحركة والتحفيز والذاكرة وبعض الوظائف الدماغية الأخرى. يؤدي هذا النقص إلى اضطراب الحركة في البداية وظهور الأعراض الحركية النموذجية المميزة لداء باركنسون، وهي الرجفان أثناء الراحة والصلابة وبطء الحركة. ثم يتطور المرض رغم المعالجة ليسبب تراجعاً في الملكات الفكرية الإدراكية واضطرابات نفسية سلوكية.  
 
معلومات وأرقام
- يعد من أكثر الأمراض العصبية انتشاراً لدى الأفراد فوق سن (60) سنة؛ إذ يصيب (1 %). 
- تغلب الإصابة بداء باركنسون لدى الرجال أكثر من النساء.
- يشكل السبب الوراثي (10 %) تقريباً من الحالات، خاصة لدى المرضى الأصغر من الستين سنة.
- لا تظهر أعراض باركنسون الحركية إلا بعد أن تموت (60-80 %) من الأعصاب المطلقة للدوبامين.
- لوحظ أن تناول كميات كبيرة من الكافئين قد يخفض معدل الإصابة بباركنسون لدى الرجال والنساء، لكن الآلية البيولوجية وراء ذلك ليست واضحة إلى اليوم.
- يعد الاكتئاب من أكثر التظاهرات غير الحركية مشاهدة في داء باركنسون (35%) تقريباً. 
 
الأسباب 
* السبب الحقيقي لداء باركنسون مجهول. يظن بأنه ينجم عن اجتماع تبدلات وراثية مع عوامل بيئية.
 
* العوامل البيئية: 
1- العيش في بيئة ريفية وشرب مياه الآبار.
2- التعرض للمبيدات الحشرية: ترفع نسبة الإصابة (80 %). 
3- التعرض لمبيدات النباتات الضارة: كالتعرض لمادة (ميثيل فينيل تترا هايدرو بيريدين).
4- التعرض للتلوث البيئي: بسبب العيش بالقرب من المصانع والمعامل أو مقالع الحجارة.
 
* العوامل الوراثية:
- تشكل العوامل الوراثية 10% من الحالات. 
- تظهر أهميتها في (باركنسون العائلي) الذي يكثر فيه عدد الإصابات في العائلة الواحدة. يتميز ببداية مبكرة بعمر (50) سنة وبتطور سريع للمرض وبغياب الرجفان وباستجابة جيدة لدواء (ليفودوبا).
 
* هناك عوامل أخرى تزيد من احتمال الإصابة بداء باركنسون من أهمها:
- الأدوية، الرضوض الدماغية المجهرية المتكررة، والأذية الدماغية الوعائية البؤرية، والتعرض للسموم البيئية وتراكم المواد الثقيلة في الدماغ.
 
الأعراض
يمكن تقسيم الأعراض في داء باركنسون إلى ثلاثة أقسام:
1- الأعراض الحركية الرئيسة.
2- الأعراض المرافقة الأخرى.
3- الأعراض النفسية الإدراكية.
 
1- الأعراض الحركية الرئيسة: 
 
أ‌- الرجفان خلال الراحة (Resting Tremor): 
1- أول الأعراض ظهوراً ويشاهد فقط في 70% من الحالات لذا فإن غيابه لا ينفي داء باركنسون.  
2- يظهر أثناء الراحة ويغيب أثناء الحركة لكنه قد يظهر مع أنشطة كتناول الطعام أو قراءة الصحف.
3- يبدأ عادة متقطعاً في أحد الطرفين العلويين (الأصابع أو الإبهام) وقد يبدأ في المعصم أو الساعد.
4- قد يظهر الرجفان دون تحريض أو قد يظهر بعد عوامل محرضة كالشدة والقلق والتعب.
 
ب‌- بطء الحركة (Bradykinesia): تتظاهر ب:    
1- فقد المهارات اليدوية.
2- الشعور بالضعف وسرعة التعب أو الشعور بالألم عند القيام بحركات متكررة.
3- تراجع معدل رمش العينين وغياب تعابير الوجه (Hypomimia).
4- تغير الصوت: إذ يصبح ناعماً صعب التمييز ووحيد النغمة.
5- سيلان اللعاب: يشاهد في المراحل المتقدمة من المرض.
6- بطء حركة الجذع: يتظاهر بصعوبة القيام من الجلوس أو التقلب في السرير، أو صعوبة المشي. 
 
ج – الصلابة (Rigidity): (صلابة العضلات) تؤدي إلى: 
1- صعوبة التحرك الحر والمشي. 
2- غياب تعابير الوجه.  
3- تشنج مؤلم في العضلات (دستونيا).
 
د- عدم التوازن خلال الوقوف (Postural Instability):
- يظهر عادة في المراحل المتقدمة من المرض. 
- غالباً ما يشكل نقطة انعطاف لدى مرضى باركنسون لأنه صعب المعالجة ومصدر للعجز.
- يعد العرض الحركي الرئيس الرابع في باركنسون لكن ظهوره يتأخر لسنوات موازنة بالأعراض الرئيسة.
 
2- الأعراض الأخرى المرافقة: 
زاد الاهتمام بها أخيراً لكثرة مشاهدتها مع تقدم المرض ولزيادة تسببها في العجز. وتقسم إلى: 
1- الأعراض الإدراكية النفسية (Cognitive-Psychiatric): 
مثل القلق والاكتئاب والعته والتعب واضطرابات النوم ومتلازمة اهتياج الساقين والنعاس خلال النهار.
2- الأعراض الذاتية (Autonomic):
كزيادة التعرق وهبوط الضغط أثناء الوقوف وصعوبة التبول وإمساك البطن وغيرها. 
3- الأعراض الحسية (Sensory):
مثل ضعف حاسة الشم والشكوى من ألم منتشر والخدر والنمل وتبدل الحس.
 
التشخيص
* الفحص السريري: 
يعد في معظم الحالات كافياً لتشخيص داء باركنسون إذ يكفي اكتشاف عرضين اثنين (الرجفان في الراحة والصلابة) من الأعراض الثلاثة الرئيسة للتشخيص. 
* فحص الدم: 
غير ضروري. قد يقاس مستوى النحاس في الدم إذا ظهرت أعراض باركنسون في سن مبكرة. 
* اختبار حاسة الشم: 
لأن تراجع حاسة الشم يسبق ظهور الأعراض الحركية بسنوات. 
* الفحوص الشعاعية والتصويرية:
- التصوير الطبقي المحوري والرنين المغناطيسي: نلجأ إليهما لاستبعاد الأسباب الأخرى.
- التصوير المقطعي بالانبعاث البوزيتروني (PET) والتصوير الكمبيوتري المقطعي بانبعاث الفوتون الوحيد (SPECT): يساعدان في التشخيص لكن من النادر اللجوء إليهما.
* التشخيص عن طريق المعالجة الدوائية التجريبية: 
بإعطاء (ليفودوبا + كاربيدوبا- Sinemet) ومراقبة تحسن الأعراض. 
* الفحص النسيجي الخلوي: 
- يكشف عن تنكس مبكر وتلف لقسم كبير من الأعصاب المنتجة للدوبامين، ويكشف عن جسيمات خاصة تدعى جسيمات لوي في احتواء سيتوبلازما الخلايا العصبية المصابة. 
 
المعالجة
- ليس هناك علاج شاف لداء باركنسون. 
- يجب البدء بالمعالجة الدوائية مباشرة فور التشخيص لأن أي تأخير سيسيء للحالة. 
- يجب السيطرة على الأعراض والعلامات لأطول مدة ممكنة مع تقليص التأثيرات الجانبية.
 
تقسم المعالجة إلى:
- المعالجة الدوائية.
- المعالجات النفسية.
- المعالجة الجراحية.
- المعالجات الإضافية الأخرى.
 
أولا- المعالجة الدوائية:
تمنح المعالجة الدوائية سيطرة جيدة على الأعراض الحركية لمدة تتراوح بين (6-4) سنوات.
1- ليفودوبا + كاربيدوبا (Sinemet):
- هذا المزيج يعد الحجر الأساس والأول في معالجة الأعراض الحركية في داء باركنسون. 
- يعطى يومياً بجرعة (600-300 مغ) تقسم إلى (4-3) جرعات، لمدة (5-3) سنوات. 
- يعد ليفودوبا الدواء الأكثر تأثيراً على الأعراض والعلامات الحركية.
 
2- الأدوية المثبطة (MAO-B): كدواء سيليجيللين (Eldepryl-Zelapar) وريساجيللين (Azilect).
- يمكن البدء بهذا النوع من الأدوية في مراحل مبكرة لكن تأثيرها على الأعراض أقل من الليفودوبا. 
- تمتاز بأنها أعراضها الجانبية قليلة. 
 
3- مشابهات الدوبامين (روبينيرول Ropinirole – براميبيكسول Pramipexole):
- تحسن الأعراض بشكل جيد وتؤخر ظهور بطء الحركة موازنة بدواء ليفودوبا.
- في (2018) أدخل دواء ليفودوبا بالاستنشاق (Inbrija) كمعالجة داعمة (لليفودوبا + كاربيدوبا). 
 
4-  الأدوية المضادة للكولين: كدواء (تراي هيكسي فينيدل) وبنزتروبين (كوجنتين):  
- لا يفضل البدء بها بسبب فاعليتها المحدودة وارتفاع تأثيراتها الجانبية العصبية النفسية. 
- فعالة في معالجة الرجفان في (50 %) من الحالات لكن لا تأثير لها على بطء الحركة أو الصلابة. 
 
5-  دواء أمانتادين (Amantadine):
- دواء مضاد للفيروسات ثبتت فاعليته ضد داء باركنسون. يظن بأنه يزيد من استجابة الدماغ للدوبامين. 
 
6-  الأدوية المثبطة للكوميت: إنتاكابون (Comtan) وتولكابون (Tasmar). تطيل فاعلية ليفودوبا.
 
ثانياً: معالجة الاضطرابات النفسية المرافقة:
- معالجة الاكتئاب:
بالأدوية المضادة للاكتئاب الحلقية مثل (نورتربتللين) و(ديسيبرامين) و (فنلافاكسين) و (سيتالوبرام) و(باروكسيتين). كما أن (براميبكسول) و(سيليجيللين) المضادين لباركنسون لهما خواص مضادة للاكتئاب لذا يستخدمان لمعالجة الاكتئاب في المراحل المبكرة من المرض. 
- معالجة العته: 
يوصى باستخدام ريفاستغمين (إيكسولون) ودونيبيزيل (أريسبت).
- معالجة الهلوسة والتوهم: 
ينصح بسحب الأدوية جميعها ماعدا ليفودوبا. يمكن استخدام بيمافانسيرين (نوبلازيد) الذي ووفق عليه في 2016 لمعالجة الهلوسة والهذيان. 
- معالجة القلق: 
يمكن استخدام فينلافاكسين (إفكسر) ومشتقات البنزوديازيبين لكن مع الحذر من تأثيراتها الجانبية.
- المعالجات السلوكية المعرفية: 
بإعطاء مضادات المورفين (نالتريكسون). تساعد في السيطرة على السلوكيات الاندفاعية المرافقة. 
- اضطرابات النوم: 
كحركة العينين السريعة واضطرابات السلوك وتوقف التنفس خلال النوم. تعالج بمشتقات البنزوديازيبين وباتباع الإرشادات الخاصة بالنوم.
- معالجة النعاس خلال النهار: 
بإعطاء دواء (مودافينيل). 
- معالجة التعب: 
بإعطاء مركب (ميثيل فينيديت).  
 
* المعالجات الجراحية: 
1- التحريض الدماغي العميق (Deep Brain Stimulation): أصبح حالياً البديل عن التداخلات الجراحية الاستئصالية. 
2- حقن الأمعاء بمزيج هلامي من (ليفودوبا + كاربيدوبا). متوافر في بعض الدول، لكنه لا يزال قيد الدراسة في أميركا وبعض الدول الأخرى.
3- الجراحات الاستئصالية: 
1- تخريب جزء من المهاد (ثلاموس) للتحكم بالرجفان، لكنه قليل التأثير في الأعراض الحركية الأخرى.
2- تخريب الجسم الشاحب وما تحت المهاد للسيطرة على الصلابة وفقدان الحركة (أكينيجيا).
 
معالجات أخرى:
* المعالجات بالخلايا الجنينية وبالجينوم: لا تزالا تحت الدراسة.
 
* المعالجة الفيزيائية
قد تحسن المشي والتوازن والمرونة، وترفع القابلية لممارسة التمارين ولبدء الحركة الإرادية والاستقلال الحياتي اليومي، لكن هذا التحسن يكون عادة بسيطاً وقصير المدة. 
 
* أحذية الليزر لمعالجة بطء الحركة:
تطلق الأحذية أشعة ليزرية ترتسم على الأرض أمام المريض مانحة له علامة بصرية محفزة له. تبين أنها تقلص نسبة فترات الجمود في المكان بما يعادل (40 %).
 
* معالجة النطق والكلام:
- تكون فعالة في معالجة التظاهرات الحنجرية البارزة.
- لا يمكن للأدوية والجراحة معالجة التغيرات في الكلام، لهذا تعد معالجة النطق جزءاً مهماً من المعالجة. 
 
* الحمية الغذائية:
- يفضل اتباع حمية غذائية غنية بالألياف للوقاية من الإمساك، وحمية قليلة البروتين في المراحل المتقدمة من المرض لتداخل البروتين مع عمل ليفودوبا.
 
إرشادات ونصائح مهمة للمرضى:
- يفضل تشجيع مرضى داء باركنسون على المشاركة في صنع القرارات المتعلقة بحالتهم.
- يفضل إطلاع أفراد العائلة، والأشخاص المحيطين بالمريض، على سير الحالة وعلى التحديات القادمة. 
- يفضل مناقشة طرق "الوقاية من السقوط" وتدريب المحيطين على تلك الطرق.
- يفضل مناقشة تراجع الإدراك والتغيرات الشخصية وكثرة النوم وفقد السيطرة على أجهزة الجسم.
التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم