معالم

حضارات من ذاكرة التاريخ الطريق إلى

حضارات من ذاكرة التاريخ الطريق إلى "البجراوية"



  انطلقت بنا السيارة تنهب الأرض نحو منطقة نصب عليها التاريخ أشرعته لسنوات خلت منذ أمد بعيد يعود إلى ما قبل التاريخ.. منطقة امتدت حضارتها لسنوات تفوق في عددها امتداد حضارة أطلق عليها (حضارة كوش) اتخذت من منطقة مروي عاصمة لها في ذاك الزمان، فكانت قلبها النابض البجراوية حيث تضم سلسلة من مدافن الملوك الذين تعاقبوا على الحكم. فشيدوا أهرامات كثيرة من حيث العدد رقدت أجسادهم تحتها بعد أن أقيمت لهم الطقوس الجنائزية من تحنيط واستصحاب لكل لوازمهم وأغراضهم الدنيوية.
كانت السيارة تقترب رويداً رويداً عبر طريق عطبرة بولاية نهر النيل، وكنا نفكر كيف ستكون منطقة البجراوية، وهي الوجهة التي تم اختيارنا لها دون غيرها من مناطق الآثار الأخرى لما لها من أهمية تاريخية لا يمكن مقاومتها.
    تقع أهرامات البجراوية على بعد نحو ٢٠٠ كيلومتر من العاصمة الخرطوم، وتعود إلى عصر ما قبل الميلاد (٧٠٠ - ٣٠٠ ق ب)، وسميت بأهرامات البجراوية نسبة لقرية بالقرب من مدينة شندي، وهي أصغر حجماً من أهرامات الجيزة بمصر؛ فلا يزيد ارتفاعها عن مائة قدم، وقد شيدت بواسطة الشادوف، وهي آلة رافعة توضع في وسط الهرم واستخدم لبنائها حجارة أصغر  من المصرية، فصارت بذلك أكثر ضموراً، ومن أكثر الأشياء لفتاً للأنظار تدمير رؤوسها التي تظهر الشكل الهرمي، وقد تم هذا التدمير أو هذه الجريمة على يد المنقب (جوزيبي فريليني) في العام ١٨٣٤م، الذي جاء بحثاً عن ذهب الملوك، وبالفعل عثر على كمية منه فأقدم على طمس شكلها المميز الذي يعرفه علماء الآثار حتى لا ينافسه فيه أحد. ظلت أهرامات مناطق النوبة مجهولة لآلاف السنيين رغم انتشارها وكثرتها، ولم تحظَ بالاهتمام اللازم لعوامل كثيرة أهمها عدم الترويج لها كما يجب، وكادت تندثر وسط رمال الصحراء رغم عراقة الحضارة التي خرجت عنها، وهي الحضارة النوبية الناتجة عن مملكة كوش؛ فمجمل عدد أهرامات النوبة نحو (٢٢٠) هرماً، وهي الأولى والأقدم عمراً، وتضم مدافن الملوك الذين حكموا مصر والسودان في وقت من الأوقات، و١٤ هرماً لنفس السلالة الملكية... ثم تأتي أهرامات نبتة في منطقة نوري على الضفة الغربية لنهر النيل فيما يعرف بالنوبة العليا، وفيها (٥٢) هرماً يرقد تحته ملوك وأمراء وأكبرها هرم الملك تهارقا، وفي مروي التي تقع بين الشلالين الخامس والسادس بنهر النيل وجدت أهرامات لملوك وملكات تعاقبوا على الحكم، وهي (٥٠) هرماً. حوت الأهرامات من الداخل نقوشاً جدارية استدل بها العلماء لمعرفة من تضمهم فقد وجدوا مومياوات محنطة مغطاة بالذهب والجواهر وبجانبها مجموعة من الحلي الزجاجية وأوانٍ فخارية وسهام ورياش، وقد تم اكتشافها في القرنين التاسع عشر والعشرين.
واحدة من أحدث الكشوفات الأثرية التي قامت بها بعثة سودانية تمكنت من العثور على أثر هام سيفك طلاسم تاريخ عدد من ملوك النوبة بدقة، فقد عثرت البعثة تحت الهرم رقم (٩) والخاص بالملك (تابرك) حاكم المملكة المروية بتاريخ (٢٧٠ - ١٦٠ ق. م) على ثلاث غرف جنائزية مطمورة على عمق عشرة أمتار وبداخله هياكل بشرية وحيوانية وأدوات فخارية. 
ولا بد من التأكيد على أزلية الحضارة المروية والتي عرفت التجارة العالمية خاصة مع الهند والصين؛ فقد كانت تنتج كميات مهولة من خام الحديد والحديد المصنع مما جعلها مركزاً لتصديره...كان نظام الحكم ملكياً، ولكن تشارك فيه الملكة الأم، وذلك بشكل خفي أو غير مباشر. وبقي أن أذكر أن للمرويين كتابة خاصة بهم تتكون من (٢٣) حرفاً. 
وعلى سكة العودة من منطقة البجراوية حيث يقبع جزء من أهرامات ممالك النوبة وسط الرمال تدافع علينا الباعة الصغار يحملون مجسمات قاموا بنحتها من الحجر الرملي بجانب بعض الهدايا التذكارية مثل الأسورة التي صنعت من الخرز والحلي الزجاجية، وبعد أن تجاذبنا معهم حوارات تقليدية عن أسمائهم ومناطهم التي يسكنون فيها، وابتعنا من بضائعهم استقللنا العربة عائدين من حيث جئنا، ونحن نبتعد مازلنا نرى أياديهم الصغيرة تلوح لنا مودعة حتى غابت عن أنظارنا وسط رمال البجراوية مرقد الملوك أصحاب الحضارة الكوشية.

 

التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم