ريشة وقلم

تحت كل محنة.. منحة

تحت كل محنة.. منحة


تأملات كريمة.. بلا مقهى!


تقف كريمة أمام نافذة شقتها، ممسكة بكوب الشاي بيديها الاثنتين وكأنها تستمد منه بعض الدفء والحميمية؛ فَفَقْدُها لجلستها المعتادة في المقهى ترك في نفسها فراغًا مؤلمًا لم تستطع مَلْأه بجدولها الذي حَشَتْهُ حشوًا بكل ما يخطر على البال من مهمات وأنشطة وفعاليات.
من كان يظن أن هذا سيحدث؟ بين ليلةٍ وضحاها يتغير نظام العالم كله.. ويُضطَرّ الجميع للجلوس والهدوء والتفكير، وإعادة ترتيب الأوراق.
تفكّر بصديقتها التي كانت تُعدّ لحفل زفافها، قبل أسبوع واحد فقط كانت تناقش معها مدى تناسق لون مفرش الطاولات مع الورود، وما إن كانت التسريحة التي اختارتها تتلاءم مع قَصّة فستانها.. كانت تتحدث بحماسة وقد سيطر موضوع حفل العرس على كل تفكيرها، وبدا أنْ لا شيء في الحياة مهمّ بقدر نجاح هذا الحفل، وأنّ أي خلل في أحد هذه الأمور كفيل بتعكير صفوِ حياتها للأبد.. هل كان يمكن أن يخطر ببالها أنها ستُضطرّ لإلغائه برمّته والاكتفاء بحفل عائلي بسيط؟ هي على يقين أنها لو طرحت على صديقتها هذا الموضوع من قبل لأُصيبت بنوبة قلبية جرّاء التخيُّل فقط! لكنه حدث، ومرّ بشكل طبيعي، ولم تُصَب صديقتها بأيّة نوبة، واكتشفت أنها يمكن أن تعيش دون حفل زفافٍ ضخم ومُترَف!.
أمورٌ تبدو الآن في غاية الكمالية، كانت قبل أسبوع واحد فقط مصيريّة في نظرنا.
وعلى ذكر المرض.. تذكرت (سلمى)، صديقة أمها التي وضعت مولودتها قبل مدة وجيزة، واكتشف الأطباء أن بها فتحةً في القلب مما يستوجب العناية الحثيثة من أمها لها. كانت موظفةً لا تستطيع الاستغناء عن وظيفتها، وقد انتهت فترة أمومتها فوجدت نفسها بين نارَين، وكلّ نارٍ تُوقِدُ دموعًا تتبخّرُ أدعيةً تتصاعد إلى السماء.. هل كانت تظنّ أن يأتي الفرج بهذه الصورة؟ ها هي تعمل وتهدهد طفلتها بيمينها، ولا تكفّ تسبّح خالقها الذي يقلّب الأمور ويصرّفها كما يشاء، فيقلب البلاء إلى فرجٍ لمن يشاء، ويبتلي بالفرج من يشاء.
تأخذ رشفة جديدة من كوب الشاي، فتخرج منها ضحكة خفيفة رغمًا عنها وهي تتذكر صورةَ كوب الشاي التي أرسلتْها أختُها الكبرى لها بالأمس. أختُها ولاء كانت دائمةَ الشكوى من زوجها وطلباته التي لا تنتهي، وعدم تقديره لجهودها في المنزل.. صورة كوب الشاي التي أرسلَتْها لها ولاء بالأمس كانت جزءًا من سُفرة الفطور التي جهّزَها لها زوجها. لقد اكتشف أخيرًا –بعد جلوسه في المنزل- الجهد الخرافيّ الذي كانت تبذله زوجته طوال تلك السنين!، فأَدْرَك أنه من واجبه مساعدتها بين الفينة والأخرى.
تنظر إلى السماء التي هدأت هي الأخرى وتنفّست هواءها النقي دون أن يخرق هدوءَها هديرُ الطائرات ولا دخانها.. إلى الشوارع التي استراحت من ضجيج السيارات العابرة دون توقّف.. إلى الأضواء التي خفتت ولم تعد تُرسل بأشعتها الحامية نحو غلافنا الجويّ لتزيده حرارةً على حرارته. 
تتناهى إلى مسامعها ضحكات والدها في المجلس السفلي، فتبتسم.. متى كانت آخر مرة جلسنا فيها مثل هذه الجلسات العائلية؟ إنه يفرح كثيرًا بالجلوس مع عائلة أخيها وملاعبة أطفاله، لكنهم نادرًا ما كانوا يلتقون -مع أنهم في بيت واحد- نظرًا لانشغال كلٍّ منهم بأعماله. 
نعم.. هي جائحة، نعم.. ندعو الله تعالى أن تزول عنّا في أقرب وقت، وأن يحميَنا من كل الأمراض والأوبئة، ولكن (كورونا) مِثْلَه مِثْلَ أيّ مصيبة أخرى: دائمًا نستطيع النظر لنصف الكأس الممتلئ.. دائمًا هناك جانبٌ إيجابي، وواجبنا أن نعمل على البحث عنه، ثم استثماره.

 

التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم