ريشة وقلم

أيقونة الشعر .. التجاني يوسف بشير

أيقونة الشعر .. التجاني يوسف بشير



عاش كسحاب يحمل غيثاً استفاض على الأرض ورحل. كانت سنوات عمره قليلة، ولكنها ذاخرة، أتى بما لم يأتِ به شعراء عصره من جزالة الكلم ورونق الإحساس، قرض الشعر فصوَّر دواخله بتفاصيل مستفيضة على كل من قرأها أو استمع إليها، مدوزنة بالنغم، تلبسته وكأن كاتبها لم يقلها إلا في حضرته وأوانه.. رغم سنوات عمره القصيرة كتب ما كتب فحيَّر وغيَّر؛ غير في مفاهيم كثيرة أهلته لأن يصبح صاحب مدرسة شعرية متفردة أدهشت رواد الثقافة والأدب إلى يومنا هذا. 
حمل أحمد التجاني بن يوسف بن بشير بن جزري الكتيابي فلسفة فكره وأودعها تجربته الشعرية التي قد يتخيلها البعض أنها قليلة منحصرة في سنوات معدودات، ولكن.. هنا يأتي التفرد والعبقرية، وهنا تأتي روعة الهبة الإلهية التي انعكست على غزارة إنتاجه وكأنه ما عاش ثانية منذ مولده إلا وكتب فيها شعراً. كتب للحب وللجمال وللطبيعة وللتصوف، كتب عن معاناته وحيرته وكتب عن الموت الذي كان يزحف نحوه، أحب الحياة بعيون عاشقة وقلب غارق في الحزن. عاش التجاني يوسف بشير حياة كلما استكان لها وأقبل عليها نفرت عنه وأصابته بجرح لا شفاء له. 
بدأت حياته بالصرخة الأولى التي أطلقها بمنزل أسرته بمدينة أم درمان معقل عائلته الممتدة، وانطلق في عوالم الشعر في مرحلة مبكرة أعقبت التحاقه بخلوة عمه الشيخ محمد الكتيابي، حيث حفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب ثم التحق بالمعهد العلمي بأم درمان لدراسة اللغة العربية والفقه. ومما صقل وأثقل عقيرته الشعرية اطلاعاته الواسعة على أمهات الكتب الأدبية والفلسفية، أحب الأدب العربي القديم مثلما اهتم بمتابعة الأدب الحديث، وأعجب بالشاعر أحمد شوقي وأكد أنه أفضل شاعر، ولكن وبسبب آرائه فصل التجاني يوسف بشير عن الدراسة، فحمل قلمه والتحق بصحيفة ملتقى النهرين كاتباً محرراً، ومجلتي أم درمان والفجر، ولكنه قبل ذلك ودع معهده العلمي بقصيدة حملها إحساسه بالظلم والحرمان، قال في مطلعها:  
السحر فيكَ وَفيكَ مِـن أَسبابـه 
دَعـةُ الـمُـدِل بِعَبقـري شَبابـه

يا مَعهدي وَمَحط عَهد صِباي من 
دارٍ تَطرّقُ عَـن شَبـاب نابـهِ

واليَوم يَدفَعُني الحَنيـن فَأَنثني 
وَلهان مُضطَرِبـاً إِلـى أَعتابِـهِ

سَبق الهَوى عَينيّ في مِضمـاره 
وَجَرى وَأَجفَل خاطِري مِن بابهِ

وَدَّعت غَضّ صِباي تَحتَ ظِلاله 
وَدَفنت بيض سني في مِحرابـهِ

نَضّرت فَجر سنـي مِـن أَندائِـهِ 
وَاشتَرت ملء يَديّ مِن أَعنابِـهِ

هُوَ مَعهَدي وَلَئن حَفظت صَنيعه 
فأَنا ابن سرحته الذي غَنـى بِـهِ

بهذه الكلمات استقبل مرحلة جديدة اعترتها المعاناة من كل جانب؛ فعمله في الصحافة لم يكن يسد رمقه أو يسمح له بإعانة أسرته، فالتحق بالعمل في محطة وقود لم يكن عائدها أفضل حالاً، ولكنه المتاح، فانكب على القراءة بشراهة ونهم واستمر يصور لوحات شعرية كان يودعها كل طاقته وعصارة روحه، وكان الفقر يحاصره ويطبق على أنفاسه لتزداد معاناته بالفاجعة والقاصمة عندما تسلل داء السل إلى رئتيه وكان وقتها داء فتاكاً منفراً يحجر مريضه ويعزله إلى أن يموت، فما رافقته إلا قريحته التي أبت مبارحته حتى في أحلك اللحظات وأمرّها. وتدهورت حالته النفسية والمعنوية وصارع المرض إلى أن توفاه الله وهو ابن خمسة وعشرين عاماً، ورحل عن الدنيا تاركاً إرثاً شعرياً، ولحنت بعض قصائده لأغنيات، وأدرجت إحداها ضمن مقررات الدراسة.
رحل الشاعر الشاب تاركاً ديواناً شعرياً خطه وجمع قصائده قبل وفاته بأعوام، ولكنه للأسف لم يولد على يديه ولم يملِّ به ناظريه. كان يحمل عنوان (إشراقة)، وبعد وفاته خرجت إشراقته إلى الدنيا ولكنها تحمل العديد من الأخطاء التي عدت على فطنة الناشر وهناك محاولات لتصحيحها بمعاونة أقاربه وأيضاً جمع ما لم ينشر لتتم طباعته، وهذا يصور الإهمال الذي يلحق بعباقرة قد لا يجود الزمان بمثلهم إلا نادراً، إنه ظلم عانى منه شاعرنا ميتاً وحياً مثله مثل كثيرين لم يجدوا من يقدرهم حق قدرهم.
وتعتبر قصيدة «أنشودة الجن» الشهيرة، التي تغنى بها الفنان السوداني سيد خليفة، من أروع قصائده:

قـم يـا طرير الشباب
غــن لـنـا غـن

يـا حـلو يا مستطاب
أنشودة الـجـن
وأقـطف لي الأعناب
وامــلأ بـها دنـي
مـن عـبقري الرباب
أو حـــرم الـفـن
صح في الربى والوهاد
واسـتـرقص الـبيدا
واسـكب عـلى زناد
مــا يـسحر الـغيدا
وفـجّـر الأعــواد
رجـعـاً وتـرديـدا
حـتى ترى في البلاد
مــن فـرح عـيدا
وامـسح على زرياب
واطـمس عـلى معبد
واغـش كـنار الغاب
فــي هـدأة الـمرقد
وحــدِّث الأعـراب
عـن روعـة المشهد

 

التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم