ناس وحكايات

التنمر بين مطرقة المبادئ الضائعة وسندان التربية الأسرية المفقودة

التنمر بين مطرقة المبادئ الضائعة وسندان التربية الأسرية المفقودة



مطلقة.. فاشلة.. وصمة عار على عائلتها... ألفاظ تعودت إلهام سماعها علانية من قبل المحيطين بها. كانت بداية تترك داخل النفس لديها ألماً نفسياً يصعب وصفه، لكن وبمساعدة صديقتها المقربة استطاعت إلهام تجاوز منظومة "التنمر" التي عانتها طويلاً وتعلمت أن تبني من كل تلك الصخور اللفظية درجات تصعد بها إلى بداية جديدة في رحلة الحياة.
التنمر ظاهرة بات الكل يشتكي منها ويعاني من ويلاتها، ويبحث المهتمون به وبالعملية التربوية وبنشأة الأجيال سبل علاجها لخطورتها، وذلك منذ وقت طويل. ويمكننا أن نستخلص تعريفاً شبه جامع للتنمر من خلال الاطلاع على كتابات
المتخصصين الغربيين الذين سبقونا برصد هذه الظاهرة في بلدانهم فنقول: إن التنمر هو ذلك السلوك العدواني المتكرر الذي يهدف إلى إيذاء شخص آخر جسدياً أو معنوياً من قبل شخص واحد أو عدة أشخاص، وذلك بالقول أو بالفعل للسيطرة على الضحية وإذلالها ونيل مكتسبات غير شرعيه منها.
وتروي رولا محمد قصتها مع التنمر وبنبرة حزينة تسرد لمرامي قائلة: لا ذنب لي أن والدتي، رحمها الله، كانت تعاني مرضاً نفسياً عصبياً طوال عمرها جعلنا نحيا أنا وأختي الوحيدة وسط عائلة غيب فيها المرض الأم وجعل حضورها وسط عائلتها مجرد جسد بلا عقل، كنا محط سخرية من الجيران، ما دفعني أنا وأختي لبذل مزيد من الجهد من الدراسة والتفوق ولله الحمد، وكما يقولون إن الدنيا –دولاب- فقد أنصفنا الله سبحانه وتعالى وزرقنا العوض الجميل عن كل ألم أحسسنا به سابقاً.

أما قصة ريم نظام مع التنمر الاجتماعي فكانت بسبب محبتها وعطفها على الحيوانات الأليفة في محيط سكنها وتعرضها بشكل مستمر للسخرية والاستهزاء من الصغير قبل الكبير. وتوضح لمرامي بابتسامه هادئة: ربتني والدتي حفظها الله منذ نعومة أظفاري على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "في كل كبد رطبة أجر".. وأن امرأة دخلت النار في هرة حبستها فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض، والراحمون يرحمهم الله، ولن أتوقف لآخر يوم من عمري عن إطعام أو إنقاذ حيوان أبكم ضعيف؛ فالرحمة في القلب قوة ومن تواضع لله رفعه.
وتروي فتحية القرني قصة صديقتها المقربة مع معاناتها من زميلاتها في الصف وسخريتهن منها بسبب إصابة الأخيرة بمرض الصرع ونفور الكثيرات من التعامل معها بحجه أن الصرع مرض معدٍ وهو حكم نتج عن الجهل بطبيعة هذا المرض. وتوضح القرني بقولها لمرامي: امتنعت صديقتي عن الذهاب إلى المدرسة طوال الفصل الأول تقريباً، مما دفع الأهل إلى تحذير مديرة المدرسة بتصعيد شكواهم لوزارة التربية في حال لم يتم حل الموضوع من أساسه، وتم استدعاء الفتيات اللواتي تسببن في أزمة صديقتي النفسية مع أهاليهن وإمضاء تعهدات بعدم تعرض أولئك الفتيات لصديقتي التي استغرقت وقتاً طويلاً حتى استردت عافيتها النفسية وتفوقها الدراسي.
أما لين سنجقدار فتروي لمرامي معاناة إحدى صديقاتها فقط لأنها جاءت إلى هذه الحياة كبنت ولم تكن الولد المنتظر من الأب وأسرته والمجتمع. وتوضح سنجقدار لمرامي بقولها: صديقتي كانت ومازالت من المتفوقات في المدرسة والجامعة هي وأخواتها البنات، لكن للأسف كانت إنجازاتها الدراسية الرائعة تتم مقابلتها بالسخرية من قبل الأب وبكلمته الدائمة "إنك بنت" كأنها يجب ألّا تنعم إلا بأقل حقوقها... تزوج الذكور وانشغلوا بزوجاتهم وكل بحياته الجديدة تاركين وراءهم أباً كان يفضلهم على أخواتهم من البنات اللواتي لم يمنعهن الزوج أو الأولاد من خدمه والد مسن ومريض بلغ من العمر ما بلغ يستجدي سؤال أولاده الذكور عنه بين فترة وأخرى، وأدرك بعد زمن طويل أن البنات هن المؤنسات الغاليات.
"ابنك سمين وحركته ثقيلة لا نريده معنا في الملعب".. كلام صدم لميا هيلم عندما عاد ابنها إليها باكياً بسبب سخريه الأولاد منه ورفضهم اللعب معهم بكرة السلة في الملعب. تقول: طفلي ذو العشرة أعوام يعاني نسبة بدانة وقد نصحه خبير التغذية الذي يتابعه بممارسة رياضة يحبها مع أطفال من سنه، ولكن للأسف كانت صدمتي قوية من كم التنمر الذي تعرض له ابني من هؤلاء الصبية، ولا يعكس ذلك إلا التربية الخاطئة لأهاليهم لهم، متناسيين أن جوهر ديننا الحنيف يحث على الرحمة بالضعيف والصغير واحترام الكبير والإحسان له. هو دين احترم النفس البشرية حيث رفع الله سبحانه وتعالى من مكانة الإنسان وكرمه وجعل الناس كلهم سواسية كأسنان المشط؛ الأبيض مثل الأسود والغني مثل الفقير لا فرق بينهم، والرسول عليه الصلاة والسلام أوصانا بالابتعاد عن السخرية من بعضنا وهذا ما ورد في سيرته النبوية العطرة عليه أفضل الصلاة والسلام، وذلك بالنظر إلى مكانة الصحابي الجليل بلال بن رباح رضي الله عنه وكيف تحولت حياته من عبد كان يعاني من العبودية إلى صحابي جليل مؤذن.

التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم