في ضيافة مرامي

د.محمد حمدان بن جرش: إذا غابت المعرفة....اندثرت المكتبة الورقية...

د.محمد حمدان بن جرش: إذا غابت المعرفة....اندثرت المكتبة الورقية...


كاتب وباحث إماراتي


لم يكن يسعى لينبري بالمحفل الثقافي ككاتب مستأنساً له وبه، بل هو مَن شد أنامله ليتقلد قلمه ويجود فيه بما يجود من فكر ونتاج يرسم ملامح شخصيته ككاتب وباحث إماراتي. وكان لوالده الفضل بهذا بإبهاره بعالم الثقافة والكتاب، فمضى في لملمة شذراتها مؤسساً بها خلفيته الثقافية، فبات هو والثقافة بمسلكيها" القراءة" و"الكتابة" كياناً واحداً. اجتهد ضيف مرامي الكاتب والباحث الدكتور محمد بن جرش لتسخير طاقاته الكتابية بإغناء المشهد الثقافي بما هو مفيد وبنّاء لواقع مجتمعه الثقافي، التقته مرامي" عن بعد" فاسترسل بحديثه عن مسيرته عبر السطور التالية.
 
• إلى أي حد تتفق مع رؤية "الكتّاب يولدون ولا يُصنَعون" ؟
الكتابة هي استجابة لما يختلج في ذات الكاتب من تساؤلات، ومع ميلاد الإصدار الأول يولد الكاتب ويبدأ حياته الأدبية بجدية والتزام وممارسة يومية حتى يؤسس له قاعده إبداعية راسخة تنمو وتكبر مع الأيام. وللظروف دور مهم في صناعة الكاتب، وهنا يكمن دور المؤسسات الثقافية في تمكين الكاتب وإبرازه للمجتمع. كي يولد الكاتب ويعيش عليه أن يصمد أمام التحديات ويصارع أمواج الحياة بفكر واعٍ حتى لا يغرق في الظلام، الكاتب الحقيقي من يقدس الكتابة ويعشقها وتصبح قطعة من قلبه، ومهما أصدر الكاتب من أعمال خلال مسيرته الإبداعية فإن الإصدار الأول يبقى أثيراً لديه، ويبقى ذلك الإصدار هو نقطة البداية التي انطلق منها، حيث يستنشق منه من مكنونات ذاكرته رائحة البدايات ونكهتها، وكل ما فيها من آمال ورغبات وذكريات.
 
• ما هو الموقف الذي أفصح عن موهبتك بالكتابة فأسرتك عوالمها ومعانيها؟
ليس هناك تجربتان متطابقتان في الإبداع، فلكل كاتب تجربة مختلفة عن الآخر حتى لو كانا يعيشان في البيئة نفسها، فهناك عوامل لا يمكن أن تحصى تدخل في تشكيل خصوصية التجربة الإبداعية، وما تتضمنه من أفكار ورؤى مميزة. ومن المؤكد أنه لا توجد طريقة واحدة أو شكل واحد تتكون فيه الأفكار والرؤى الإبداعية عند المبدع، ولو كان الأمر كذلك لما كان هناك خصوصية في الإبداع، فكل كاتب تتبلور أفكاره من سياق تجربته الخاصة، وكلما كان التنوع كبيراً في حياته زادت لديه القدرة على تكوين الأفكار الإبداعية ليعمل فيما بعد على تنميتها.
تلعب الثقافة دوراً مهماً في لملمة الأفكار المبدعة، فالثقافة تمنح الأفكار العمق المطلوب، لكن هذا لا يعني أن الثقافة والإبداع هما شيء واحد، لكن الثقافة هي الأصل التي بدونها لا يمكن للكاتب أن يتألق ويقدم النتاج الممميز، فهي تشكل ذخراً كبيراً له وتمده بالآليات المناسبة لتطوير أفكاره.
كان للأسرة دور حيوي وهام في تكويني ثقافياً، وقد حرص والدي حمدان، رحمه الله، على أن تكون القراءة هي جسر العبور إلى الحياة، وقد كان حريصاً على زيارة معرض الشارقة الدولي للكتاب ويصحبنا معه، مؤكداً رؤيته بأن عالم القراءة يفتح باب الإلهام ويحرك العقل والقلب نحو الكتابة، وتأثير حكايات الجدات أثارت فيّ الدهشة والمتعة وأمدتني بالشغف لإعادة رواية ما نسمع ونقرأ فكانت بمثابة الشرارة التي تحفز خيالنا لنكتب ونستمر في العملية الإبداعية.
المعلمون كان لهم الفضل بعد الأسرة في تنشئتي الثقافية وفي ترسيخ عادة القراءة وفي تشجيعنا على مواصلة القراءة والكتابة لتكون بعد ذلك أسلوب حياة بل هي الحياة بالنسبة لي الآن، شعاري في الحياة: أنا أكتب أنا أتنفس... القراءة والكتابة توأم روحي. المكتبة البشرية هي التي تنتج المكتبة المعرفية سواء ورقية أم إلكترونية، وهذا ما فعلته القراءة فينا، فلها الفضل ونقول لها شكراً سيدتي على هذه النعمة. ولأننا نعيش في عاصمة الثقافة تأثرنا بالطقوس الثقافية، واليوم أجدني أكوّن صالوناً أدبياً في منزلي أمارس فيه نشاطي الإبداعي فكان حلماً وتحقق، وآمل أن يتحول لمتحف في المستقبل لما يضم من مصادر ومراجع ودراسات ووثائق ومواد مرئية وفقت في جمعها، وبعضها شخصي، ونحن على يقين بأن الثقافة تحتاج إلى تراكم وجهد وتطوير حتى تنتعش وتعزز غرس العطاء الثقافي. 
 
• هل الكاتب "محمد بن جرش" مُتسّيد على " محمد بن جرش" الإنسان بكل إمكاناته؟
إذا جاز التعبير فـ"الكاتب الإنسان" هما معاً، فالكتابة تعيد ترتيب حياة الإنسان وتمنحه الحرية والسكينة وتقوده إلى اكتشاف عوالم مخفية لن يستطيع اكتشافها إلا بالكتابة وحدها. الكتابة تجعلك تكتشف ذاتك وتنميها وتطورها وتطهرها من "الأنا" وهذا ما يعيد تشكيل وعي الكاتب ومساهمته في الخلق والإبداع ومعالجته للقضايا الإنسانية من زاوية إبداعية. الكتابة تؤنسن وتمسح عن النفس الزيف والسراب وتلامس جوهر القضية.
 
• هل تتناغم رؤيتك الثقافية التي أفصحت عنها بمؤلفك "رؤى ثقافية" الصادر عام 2015، مع الواقع الحالي؟
ذكرت في "رؤى ثقافية" أن اختياري لهذا العنوان نابع من قناعتي بأن ما كتبته هو مجرد رؤى، حاولت فيها تناول مواضيع عدة يجمع بينها البعد الثقافي، وتمنيت أن تكون تلك "الرؤى" قد لامست بحدودها الأولية القضايا التي تناولتها، وأن تتمكن من إثارة الأسئلة في ذهن القارئ، وأن تلقى الاستجابة التي يريدها كل كاتب من نقد بنّاء، لأنه الوحيد الذي يساعد الكاتب أو المفكر أو المثقف على تطوير أدواته، تلك الاستجابة التي تشعره بأن ما كتبه قد أصبح مادة للجدل والحياة. هناك ما تحقق، وفي جميع الأحوال المؤشرات تدعو إلى التفاؤل والإيجابية، وكما نعلم المشاريع الثقافية الحقيقية تحتاج إلى تكامل ثقافي في البناء حتى نحصد الإنجازات المنشودة.
 
• هل لقلمك الكاتب عدسة تصور وتوثق ما تراه، وهل نتوقع أن تقتحم به الكتابة الأدبية؟
من المؤكد أن جزءاً مهماً من تأثير الأدب يكمن في أنه لا يتوخى التأثير المباشر، ولا يسعى إلى تغيير الرأي العام بطريقة فجة ومباشرة، ولذلك يبقى تأثيره طويل الأمد ليمتد إلى أجيال كثيرة، والكاتب نفسه لا يعرف كيف سيؤثر بأدبه في الناس، ولا يعرف إن كان ما سيكتبه سيعيش من بعده أم لا. وبالطبع الأدب مرتبط بقيمته الإبداعية. كما أن تأثير الأدب هو مثل رفة الفراشة وإن كان معظمنا لا يشعر بها، لكنها قادرة على ترك الأثر الكبير فينا.
لدي العديد من المؤلفات في كتابة المقال والدراسات والتنمية الذاتية وأدب الطفل وهناك رواية ستكون في متناول القارئ قريباً بإذن الله تعالى.
 
• كم كان للثورة الرقمية أثر في نتاجك الكتابي؟
نحن نعيش في عصر المعرفة وثورة التكنولوجيا والمعلومات وأصبح العالم يتغير بوتيرة متسارعة لا تعطي المتأخر عن الركب الفرصة للتسويف والتأجيل، وقد انتهت سياسة لا تحرك ساكناً، الثورة الرقمية زادت من فاعلية التواصل كماً ونوعاً والتقدم التكنولوجي خدم الكتّاب الحقيقيين كثيرا وكل حسب استثماره للثورة الرقمية ونشير إلى أهمية توظيفها بطريقة مبتكرة لخدمة المثقف وتطوير العمل الثقافي. 
 
• كيف كان أثر امتداد ساعات العمل عن بعد مقارنة بساعات الدوام المكتبي، على مشاريع الكتابة التي كان مخطط لها؟
وجدنا أنفسنا نستمتع أكثر في تأدية المهام وتحقيق رغباتنا وممارسة الكتابة والقراءة، ولم نستسلم للتحديات، بالعكس، اعتبرناها رحلة حاسمة وهامة خططنا وتصورنا الحلول وصرنا نشعر بالسعادة، فمن الضروري تحويل التحديات إلى إنجازات والعقبات إلى قبعات نجاح، ولكل مجتهد نصيب ولا بد من التفاني لنكمل المشوار في الحياة الثقافية والأدبية.
 
• كنتم العنصر الفاعل في إطلاق "مهرجان الشارقة المدرسي" بدورته الأولى، هل يراودكم الحنين لاستغلال نظام الدراسة عن بعد لتنمية مواهب الطلبة بالأدب المسرحي؟
بدا واضحاً من خلال الندوات المتلاحقة التي نظمتها مجموعة مسارح الشارقة -سابقاً- في عام 2010 أن معظم المسرحيين يركزون على العلاقة الوطيدة التي تجمع بين المسرح والتربية حين يتحدثون عن أهداف المسرح المدرسي، وهذه العلاقة تصبح أكثر وضوحاً حين نقف على الدور المهم للمسرح في الحياة نفسها، فالمسرح لا ينفصل عنها، وهو دور متشعب وعظيم الأهمية، خاصة في ما يتعلق بأهمية النقد الذي يوجهه المسرح للظواهر الاجتماعية وغيرها، مما يدفع الناس لإعادة التفكير بسلوكياتهم، أفعالهم، وخياراتهم.
لقد جاءت معظم النظريات التربوية الحديثة لتؤكد الدور المهم للفنون في بناء شخصية الطفل، وإذا تمت ممارسة تلك الفنون داخل فضاء المدرسة فإنها تحدث عظيم الأثر على مستويات عدة، ومن بينها المستوى التربوي ذاته، فالتشكيل والموسيقا والمسرح كلها نوافذ لإطلاق خيال الطفل، وهي في الوقت نفسه مداخل للتعلم، ولتبني قضايا، ومعالجة مشكلات. وكنا نطمح من خلال تنظيم المسرح المدرسي إلى أن يسهم هذا المسرح بمضامين عروضه لمناقشة مشكلات نفسية واجتماعية وتربوية يعاني منها الكثير من الطلبة، ونحن على ثقة بإمكانية المسرح أن يشكل مساحة حقيقية لمعالجة الكثير من القضايا بطرق غير تقليدية، وبذلك نكون قد حققنا تلك المعادلة المنشودة بين المسرح والتربية بمفهومها الشامل.
وحالياً من خلال وجودنا في اتحاد كتاب وأدباء الإمارات قمنا بإطلاق "مختبر الإبداع الأدبي" الذي يهدف إلى تمكين الكُتّاب الشباب وتزويد الكاتب المبتدئ بدليل خطوات وشروط ومهارات الكتابة في شتى الأجناس الأدبية وأيضاً اكتشاف المواهب الأدبية. 
 
• أي منهما كانت الولّادة للثاني، الكاتب أم القارئ؟
الحروف تصنع الكلمات والكلمات تصنع المعنى والحياة والسعادة. القراءة هي الخزان المعرفي الأول وكلاهما يقود إلى تأسيس الكاتب وإثراء موهبته الأدبية بوعي وإدراك، وكما أشرت سابقاً القراءة والكتابة توأم روحي.
 
• تكريمات وشهادات عديدة لنتاجك الغزير، هل ترى فيها حصيلة عطاء أم سراً للعطاء؟
الحياة عبارة عن محطات ودائماً أسأل نفسي: ما هو الإنجاز القادم؟ وأهمها ما ينفع المجتمع قبل المصلحة الشخصية، وأنا على يقين بأن العطاء هو سِرُّ البقاء...كما أن الكاتب في المقام الأول قارئ.
 
• كيف وجدت واقع التنمية الثقافية بدولة الإمارات بين "التكّون" و"التمّكن" حسب ما ورد بمؤلفك الأخير؟
لقد أدرك العالم المعاصر أهمية دور التنمية الثقافية في بناء الأفراد والمجتمعات التي تكون عنصراً أساسياً لكل مشروع تنموي في حياة الإنسان.
حيث تعد التنمية الثقافية بمفهومها العام عملية واعية تتوجه نحو صياغة بناء حضاري اجتماعي متكامل يؤكد فيه الفرد، والمجتمع هويته، وذاتيته، لذلك فهي تقوم على مبدأ المشاركة الجماعية الفاعلة، والإيجابية، وتحمل المسؤوليات، والقدرة على التخطيط والإدارة والتنفيذ، وصولاً إلى الانتفاع بمردودات وثمرات مشاريع التنمية وبرامجها. وتعد التنمية الثقافية وسيلة ومنهجاً يقوم على أسس علمية مدروسة لرفع مستوى حياة الأفراد والمجتمع، وإحداث تغيير في طرق التفكير والعمل والمعيشة في المجتمعات الريفية والمدينية على حد سواء، مع الاستفادة من إمكانيات تلك المجتمعات المادية، وطاقاتها البشرية بأسلوب يوائم حاجات المجتمع، وتقاليده، وقيمه الحضارية. ولا تتحقق هذه التنمية إلا من خلال التكامل بين الاستثمار في الإنسان، والنهضة العلمية والاقتصادية والثقافية.
ولا يمكن أن يكون هناك مشروع ثقافي من دون تصور أبعاد مشروع تنموي؛ فالمشروع الثقافي جزء لا يتجزأ من المشروع التنموي، لذا يجب أن تكون التنمية كمشروع حاضرة في عقل من يخطط للتنمية الثقافية باعتبارها داعماً لهذا المشروع ومكملاً له، بل مؤثرةً ومتأثرةً به.
يتلمَّسُ المتابع لحراك المجتمع الإماراتي تعاظم دور المؤسسات في إدارة شؤون المجتمع، مع ذلك، تعتبر "المأسسة" ظاهرة حديثة في دولة الإمارات العربية المتحدة، وربما كان عقد الثمانينات هو عقد التأسيس الحقيقي للحركة الثقافية الإماراتية المعاصرة، فخلال هذا العقد برزت معظم المؤسسات الثقافية الحديثة التي أخذت تحل تدريجياً محل اللجان الثقافية العديدة في الأندية الرياضية والملتقيات الثقافية الأخرى.
كان من الطبيعي أن يكون التركيز بداية على التنمية الاقتصادية، من أجل إشباع الحاجات الاستهلاكية الضرورية للمواطن الإماراتي، فكان الاقتصاد التقليدي القائم على الصيد والزراعة واستخراج اللؤلؤ والتجارة التقليدية، بحاجة إلى التطوير. لذلك تم استغلال الثروة النفطية منذ الستينيات من القرن الماضي لتحقيق هذا الهدف، ومنذ أواسط السبعينيات بدأت محاولات خلق التوازن بين الجوانب الاقتصادية والجوانب الإنسانية والاجتماعية لخلق تنمية متوازنة. فكانت المؤسسات الاقتصادية هي الأسبق في الظهور لتحقيق التنمية في جانبها المادي، وكان لا بد أن يليها تأسيس وتطوير المؤسسات الثقافية القادرة على رسم السياسة الثقافية لدولة الإمارات، إذ باتت الثقافة اليوم حجر الأساس في عملية التنمية والضامنة لاستدامتها، والمكرسة لبعدها الجوهري المرتكز على الهوية الوطنية للمجتمع والمعزز لها. فلم يعد بالإمكان تحقيق التنمية الاجتماعية الشاملة من دون التنمية الثقافية، ولم يعد بالإمكان المراهنة على مشروعات التنمية التي تستند إلى الرؤية الاقتصادية وحدها. وبعد أن كان النمو الثقافي المتسم بالاعتماد على الرعيل الأول من المثقفين الإماراتيين وجهودهم الفردية، كان من الضروري أن تتولى المؤسسات المسؤولية الوطنية لتحقيق التنمية الثقافية. فأنشئت العديد من البنى والمؤسسات الثقافية التي أنيط بها تحقيق التنمية الثقافية، وسعت من خلال جهودها إلى مواكبة التطورات المتسارعة على المستوى المادي، وبدأت هذه المؤسسات تحتل موقعا استراتيجياً في بناء الإنسان والنهوض بالوعي الاجتماعي والنشاط الثقافي في المجتمع. 
 
• ما جديدك الذي تسر به مجلة مرامي؟
فترة التباعد الاجتماعي بسبب جائحة كورونا زادتنا حماسة كي ننجز الكثير من الأعمال الإبداعية وبالفعل لدينا إصدار بعنوان "مختبر الإبداع الأدبي – تقنيات الكتابة الإبداعية " وإصدار آخر بعنوان "الشباب والأمن الفكري".
التعليقات
خالد بن حسن الشاعر-دبي

31/12/2020 09:11 AM

اندثار المكتبة الورقية هذا خيال لايمكن توقعه وحدوثه، ولو نمت الآلة الرقمية والثقافة الإلكترونية الهشّة. إلا أن الكاتب والكتاب والقارئ أصلاً هم أفراد أسر من رحم واحد..
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم