ريشة وقلم

فدوى طوقان.. رحلة البذرة في الأرض الجبلية

فدوى طوقان.. رحلة البذرة في الأرض الجبلية



كثيراً ما يردد الآباء والأمهات أن الحمل في هذا الطفل أو ذاك لم يكن بالمرغوب فيه وأنهما حاولا التخلص منه لكنها (إرادة الله)، فهل يمثل ذلك جزءاً من نصيب هذا الطفل في الحياة؟ هل تستقبله الحياة مرحبة مستبشرة أم يلقى منها ما استشعرته من والديه فاحتذت حذوهما؟ الحقيقة أن فدوى طوقان من هذا النوع من الأطفال، حيث إنها تبدأ سيرتها الذاتية التي تم نشرها في كتاب (رحلة جبلية.. رحلة صعبة) بتلك المحاولة للتخلص منها، ورغم سردها مبررات الأم في ذلك من تكرار الحمل، ووهن الجسد، إلا أني أرى أن هذا كان شيئاً مؤلماً بالنسبة لها.
لم تكن محاولة الإجهاض التي رفضتها فدوى واصفة نفسها بالشجرة التي تشبثت بالأرض هي التحدي الوحيد في حياتها، بل هناك أمر أكثر مرارة وربما أعمق دلالة وهو ضياع تاريخ ميلادها ولم يبقَ في ذاكرة الأم عن ذلك اليوم غير أنها كانت تنظف أكواز (العكوب) حين جاءها المخاض، وما كان على فدوى إلا أن تبحث في أي شهور السنة كان موسم العكوب فتجدها شباط وآذار ونيسان (فبراير ومارس وأبريل)، ولتمنح فرصة اختيار شهر ميلادها بنفسها. أمر ثالث كان يوقع نفسها في الحزن والهم، وهو ما كانت تحكيه أمها من طرائف ونوادر عن طفولة إخوتها بينما تتلهف فدوى دورها الذي لم يكن ليأتي قط. 
حقاً إن المشاعر المؤلمة التي نكابدها في طفولتنا تظل تحاصرنا بمذاقها المرير مهما بلغ العمر، ولعل هذا الذي جعل حلماً واحداً متكرراً تذكره فدوى من جملة كوابيس كثيرة كانت تعتريها، فتقول: "أراني وجهاً لوجه مع أمي حتى بعد وفاتها، هي صامتة وأنا يغمرني شعور بالقهر المكتوم وإحساس عنيف بالغيظ والظلم. أحاول الصراخ لأعبر لها عن ظلمها لي ولكن صوتي يظل مخنوقاً في حلقي فلا يصل إليها".

 

عندما تفتح الوجدان
في تلك اللحظة من ربيع 1929 عرفته ليظل يشرنق حول وجودها إلى ما لا نهاية، إنه الحب الذي جاءها محمولاً على زهرة فل عبقت رائحتها وعلقت بجدران قلبها، وتقول: "لا أزال حتى اليوم أحس وكأن يداً خفية تقذف بي إلى ذلك الماضي أو تقذف به إلى كلما نفحتني زهرة فل بعطرها".
كان غلاماً في السادسة عشرة وكان التواصل الوحيد عبر زهرة فل ركض بها إليها، إلا أن شخصاً ما كان يراقب المتابعة، فوشى بالأمر لأخيها يوسف الذي دخل عليها كزوبعة هائجة: "قولي الصدق" وتقول: "قلت الصدق لأنجو من اللغة الوحيدة التي كان يخاطب بها الآخرين مكتفياً بأن أصدر حكمه بالإقامة الجبرية في البيت حتى يوم مماتي". 
في هذا البيت، وبين جدرانه العائلية التي تحجب كل العالم الخارجي عن جماعة "الحريم" الموءودة فيه، انسحقت طفولة فدوى وصباها وجزء غير قليل من شبابها، حيث كان على المرأة أن تنسى وجود لفظة "لا" في اللغة إلا حين شهادة أن (لا إله إلا الله) في وضوئها وصلاتها، أما نعم فهي اللفظة الببغاوية التي تلقنها منذ الرضاع لتصبح فيما بعد كلمة صمغية ملتصقة على شفتيها مدى حياتها كلها. 
ووجدت فدوى ضالتها في عالم الخيال. وتقول: "أخذت تتعاظم قدرتي على الانفصال عن عالم الواقع والاستغراق في أحلام اليقظة، فمن خلال تلك الأحلام كنت أسافر إلى بلاد لا أعرفها وألتقي بغرباء يحبونني وأحبهم، وكنت ألغي دائماً وجود أحد من أهلي خلال أسفاري الخيالية".
على الرغم من التحصن بالعزلة الذي احتمت فيه فدوى ظل يتردد عليها ذلك الحلم الذي قالت عنه: "كنت أراني أركض في زقاق مظلم هرباً من عجوز يركض ورائي تشي سحنته بروح التعدي والأذى، ولكن جداراً مسدوداً كان يحول بيني وبين الهرب، فأتحول إلى زقاق آخر لأجده مسدوداً كذلك، والعجوز يركض ورائي كوحش هائج وأنا ألهث رعباً وتعباً من الجري المستمر بدون توقف، ثم أستيقظ غارقة في العرق لاهثة الأنفاس وصرت أنفر من النوم خوفاً من الأحلام الضاغطة".

 

فنانة في السر
نعم.. إذا كانت البذرة لا ترى النور قبل أن تشق في الأرض طريقاً صعباً، فإن قصة فدوى طوقان هي قصة كفاح البذرة مع الأرض الجبلية، فعلى هذا الطريق رماها المجهول لتبدأ رحلتها، ولتدرك أن العمل هو الوجه الآخر للحلم والإرادة.
ففي عصر ذلك اليوم من أيام حزيران (يونيو) 1955 وقفت في قاعة (وست) في الجامعة الأمريكية ببيروت لتواجه ولأول مرة في حياتها ذلك الحشد الذي دعته الدائرة العربية في الجامعة للاستماع إلى مختارات من شعرها، وما كان لها إلا أن تتذكر وهي تبتسم ذلك اليوم قبل ستة وعشرين عاماً حين كانت تغتنم فرصة غياب الأب وأبناء العم لترتقي السلم الخارجي المكشوف والمؤدي إلى أحد طوابق الدار العليا وتقف متجهة نحو الشجر المنتصب في صحن الدار، وتشرع في إلقاء موشح (أيها الساقي إليك المشتكى) بصوت واثق مرتفع مقلدة بذلك أخاها إبراهيم وتقول: "وأستغرق في تخيل الصورة حتى يكاد يصبح الخيال في إحساسي حقيقة".
وتضيف: "ربما بدت ابتسامتي في ذلك الحين وكأنها تحية للحاضرين وما كانت في الحقيقة إلا تحية لتلك البنت الخيالية البعيدة المأخوذة بقصيدتها وبالحالة الشعرية الصوفية الغامضة التي كانت تعتريها عند إلقاء الموشح على شجر الدار".


صدفة 
وهكذا فإن ما نفكر به ونطمح إليه هو جزء منا، والغرابة في هذه الأمور النفسية أن محركها وباعثها غالباً ما يكون كلمة عابرة أو حادثة بسيطة. وتقول: "قبل الحكم عليَّ بالإقامة الجبرية في البيت بفترة قصيرة نصحتني معلمتي "ست فخرية" أن يعلمني إبراهيم نظم الشعر، ويلتقط عقلي الباطن الملاحظة العابرة ويحتفظ بها في أعماقه الخفية، حتى صرت أنام وأصحو عبر هذه الرؤيا، ورحت في يقظتي أرى بعين خيالي قصائدي التي لم أكتبها بعد منشورة في الصحف تماماً كما تنشر قصائد إبراهيم ورباب الكاظمي". 
حتى جاءت اللحظة التي كان يتحدث فيها إبراهيم إلى الأم بفرح عن تلميذين كانا قد جاءا إليه في الصباح بقصائد من نظمهما خالية من عيوب الوزن والقافية، وبعفوية مطلقة تقول فدوى: "هنيئاً لهما" فينظر إليها إبراهيم قائلاً: "سأعلمك نظم الشعر هيا معي".
وهكذا، ظل إبراهيم يتغلغل بنظره الثاقب في تلك المساحات الواسعة الممتدة في قلبي، ويلمس عذابي وشقوتي بفراغ تلك المساحات، ويحس بطموحي الذي كان يغطيها، كان هو وحده الذي يراني ويحس بكينونتي ووجودي.
والعجيب أن تكون قصيدة في رثاء إبراهيم هي تلك القصيدة التي حملها أخوها يوسف ذات يوم في جيبه وكان قد بدأ الآن يخفف من ثقل ضغوطه عليها ليطلع عليها الشاعر عبد الكريم الكرمي ولتفاجأ بالقصيدة ذات صباح منشورة في جريدة (مرآة الشرق) التي كان يصدرها في القدس الصحافي الفلسطيني بولس شحادة.

 

ازدواجية ونرجسية
لتنطلق فدوى بعدها في نظم الشعر ونشره تعبيراً عن تلك الضغوط التي تعانيها بدعوى التقاليد، ولقد عبرت في قصيدتي "هو وهي" و"وحدي مع الأيام" عن هؤلاء الذين كانوا يرتدون الزى الأوروبي ويتكلمون التركية والفرنسية والإنجليزية ويقعون في الحب ثم يقفون بالمرصاد كلما حاولت إحدى الشاعرات تحقيق إنسانيتها عن طريق التطور الطبيعي أو التطلع إلى الأفضل والأحسن، وتقول: إنهم يمثلون جمود الإنسان العربي وانقسامه شطرين: أحدهما مع التطور والتجاوب مع روح العصر، والآخر مشلول الأقدام مسكون بالأنانية المترسبة في نفس الرجل العربي بكل ما فيها من عنجهية شرقية. والغريب أن يأتيها أبوها في ذات اللحظة التي تعاني فيها من الحصر النفسي والضيق والاغتراب وهو الذي لم ينتبه يوماً إلى موهبتها ولم يبدِ أية رغبة في سماع ما تكتبه طالباً منها كتابة الشعر السياسي. وتقول: "كان ذلك يشعرني بالعجز، وكان صوت في داخلي يرتفع بالاحتجاج الصامت، كيف وبأي حق أو منطق يطلب مني نظم الشعر السياسي وأنا حبيسة الجدران لا أحضر مجالس الرجال ولا أسمع النقاشات الجادة ولا أشارك في معمعة الحياة؟ حتى وطني لم أكن قد تعرفت على وجهه بعد، فقد كان السفر محرماً علي وباستثناء القدس التي عرفتها بفضل احتضان إبراهيم لي حين كان يعمل في الإذاعة الفلسطينية لم أكن أعرف مدينة أخرى غير نابلس".


قلبي حديقة للحب
كان الحب عندها فكرة مجردة وعالماً مطلقاً كما ظل (الآخر) تجسيداً لتلك الفكرة التي لم تهجر آفاقها أبداً. وتقول: "لم يكن لتلك الفكرة شواطئ ولا مرافئ أرسو عندها، كانت مراهقتي العاطفية حادة مشتعلة، نفس مكبوتة تتفتح لأول كلمة حب تأتيها على صفحة رسالة، فكانت المراسلة والخيال هما ميداني الضيق الواسع في آن"، وتضيف: "كنت جائعة إلى شيء غير موجود، ضائعة وحيدة لا أملك شيئاً سوى هذا الخيال المشتعل، ولذلك ظل قلبي حديقة للحب لا تذبل أشجارها أبداً".
فالحب لديها دائماً ما كان يصنع هالة سحرية تطوق الإنسان المحبوب فتضفي عليه ما ليس فيه، كما ظل المثاليون في نظرها يشكلون طبقة فاشلة من المحبين، كما آمنت أن الحب ثروة لا ندرك قيمتها إلا بعد أن نكون قد أنفقناها أو خسرناها في مضاربة، وأنه لا غرابة في أن يحب القلب الواحد أكثر من مرة، إنها ظاهرة طبيعية أن تنشأ في القلب وفي كل مرة تكون للعاطفة نفس القوة السابقة والصدق والفوحان ولا مكان هنا للأهواء العرضية والطيش والعربدة".


الحياة حلوة
خرجت بنت الحياة إلى أمها الحياة، وحان الوقت لأن تتكلم وتقول: "كانت أول مرة أنخرط فيها مع الجماعة حيث كنت واحدة من أعضاء النادي، وحين شبت نار العدوان الثلاثي على مصر أصبح جو النادي يتوهج بالانفعال؛ كانت قلوبنا متعلقة بشعرة تتأرجح بين الأمل والخوف من انكسار جديد، كما كنا نقضي أمسيات فنية في بستان ياسمين الجميل رام الله، في بيتها عرفت جميل البديري الذي كان يحب شعري ويطلب مني دائماً الخروج من دائرة الذات وعرفت أيضاً الشاعر كمال ناصر، وهناك في بيتها  أيضاً تركنا النفوس على سجيتها فكانت أحاديثنا تدور حول الأوضاع القائمة والشعر والحب والموت والنضال والانتحار كما نقرأ الشعر ونحزن ونفرح ونأمل ونيأس". 
وفي تلك الأيام اكتشفت فدوى الفرق بين إحساس الإنسان وتفكيره وهو يعمل منفرداً وإحساسه وتفكيره وهو يعمل مع الجماعة، وتبقى مشكلتها في ذلك الحماس الآني الذي يهجم مع المناسبات الساخنة ويتراجع مع انتهائها، وتتساءل: "هل من الممكن أن يتجرد الإنسان الشاعر من ذاتيته إلى هذا الحد المطلوب منه في هذا العصر؟ ثم، لماذا يساق الشعراء بهذه العصا الواحدة عصا السياسة فقط؟ إن جوانب الحياة كثيرة ووجوهها متعددة والنزعة الذاتية هي أحد هذه الوجوه وهذه الجوانب، فلماذا تلغى من الشعر ما دام الشعر هو انعكاس الحياة بكل أوضاعها المختلفة؟".
وكانت تجيب عن قناعة بأن الشاعر إنسان قبل أن يكون أي شيء آخر؛ قبل أن يكون سياسياً، ولتجد في هذه الإجابة مبرراً لأن تظل أسيرة الحالات العاطفية والنفسية التي تباغت فجأة وتذهب فجأة. 
ولأن البحث الدائب عن أقاليم جديدة حتى لو كان بحثاً ميؤوساً منه هو الذي يمنح الحياة غناها وكثافتها تقول: "شرعت أبحث عن مخرج فكانت إنجلترا حلماً من أحلامي البعيدة التي تراودني باستمرار لأمضي بقطار العمر في رحلة جديدة إلى محطة جديدة لاختراق آفاق جديدة أغيب في قلب الحضارة هناك، وغادرت البلاد في أواخر مارس 1962 وفي قلبي نسمات تهفهف رطيبة ناعمة".

التعليقات
امل غنيم

12/12/2020 07:20 AM

من اروع ما قرأت عن الشاعره الكبيره فدوى طوقان 💗
د. ايمان كامل غانم

09/12/2020 11:07 AM

سيرة الشاعرة فدوى طوقان تثبت ان المحن والظروف القاسية تصنع العظماء .كما تعتبر سيرتها درس لابد وان يتعلم منه الاجيال ...كما أشكر الاستاذة الصحفية دعاء السنجرى على مالها الرائع واحييها على طريقة سردها لقصة الشاعرة الجميلة فدوى
داليا بيومي

08/12/2020 03:28 PM

مقال أكثر من رائع
منى السنجرى

08/12/2020 02:01 PM

بالتوفيق يا رب
م / رامي محمود

08/12/2020 02:18 AM

الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان طالما أمتعتنا بأشعارها و كتابتها ... شكرا أستاذة دعاء انك أعطينا الفرصة أن نتعرف عن حياة شاعرتنا
محمد فتحي

08/12/2020 01:06 AM

مقال جميل جدا واسلوبه اجمل♥️
د/ مي

08/12/2020 12:01 AM

فدوى طوقان شاعرة عظيمة ،أسلوب راقي، كلمات مميزة ... هي من أهم شاعرات فلسطين و دائماً كانت تعبر عن تجارب المرأة و قد أحسنت الكاتبة دعاء السنجري سطر رحلة شاعرتنا العظيمة
Maha diaa shabana

07/12/2020 11:49 PM

فدوى طوقان شاعرة مميزة أسلوبها راقي يتميز انه السهل الممتنع
Karim

07/12/2020 09:45 PM

أجمل ما سمعت من شعر كان شعر فدوي طوفان....شكرا للاستاذة دعاء السنجري علي العودة بنا للزمن الجميل
محسن الشمري

07/12/2020 09:30 PM

رحمة الله على الشاعرة الفذة فدوى طوقان ككل شعراء فلسطين الرائعين، ذكرتنا الكاتبة بقصائدها و دوانينها التي مازالت تعيش معنا الى اليوم، تحياتي للكاتبة المتميزة و لكل أهل مصر.
Islam

07/12/2020 07:56 PM

مقال محترم عن شخصية فريدة من كاتبة متألقة.... واللتي دائما مااتمتعنا بمقالاتها الدسمة ثقافيا وانسانيا... وهذا ماعهدناه من الرائعة أ/ دعاء السنجري.. كل الامنيات بالتوفيق والنجاح ومزيد من التألق......
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم