ريشة وقلم

حزن... غير مفهوم!

حزن... غير مفهوم!


تأملات كريمة .. في المقهى


تُدير كريمةُ عَيْنَين منتفختين متراخيتين في أرجاء المقهى حولها.. للمرة الأولى تنتبه إلى المسحة الكئيبة التي تغلف المكان.. الجدران الرمادية، إطار المصابيح الأسود، حتى العروق المذهبة صيغت من اللون الذهبي الباهت. هل كان مصمم الديكور يمرّ بتجربة مماثلة لما مرّتْ به حين صمم هذا المكان؟ 
تُخرجُ آهة طويلة وعميقة تترافق مع وصول النادلة إلى طاولتها.. تتنحنح النادلة بحرج وهي تسألها عما تشربه.. تنظر كريمةُ إليها نظرة مطوَّلة فارغة من أي معنى.. تشرب؟ وكيف سيسري الشراب إلى جوفها وهي تشعر أن حلقها قد تحول إلى صخرة كبيرة تسدّ الطريق أمام الهواء، فضلاً عن أي طعام أو شراب.
تنهمر الدموع من عينيها من جديد.. تغطي وجهها بيديها وهي تشير للنادلة أنْ: لا شيء. يا الله! ما هذا الشعور الذي لم ينفكّ عنها طوال الأيام الثلاثة الماضية والذي يجعل دموعها كالفيض لا يحبسها شيء؟ ليتها فقط تعرف ما الذي يُبكيها! هل هو الحزن على الفقيدة؟ لا! كيف تحزن وقد كانت ألدَّ أعدائها؟ هل هي سعيدة إذن بموتها؟ لا! كيف تفرح بموت أحد مهما كان اختلافه معها؟! قد يكون التشفّي إذن هو ما تشعر به؟ كلا كلا.. التشفّي لا يدفع إلى البكاء! إذن ما هذا بحقّ ربّ السماء؟ 
تأخذ نفَساً عميقاً يعوّض جسمها شيئاً من الأوكسجين الذي فقدْتُه أثناء شهقاتها.. وتحاول العودة إلى البداية، عسى أن تتوصل لفهم حقيقة مشاعرها، فتنفضها عنها وترتاح.
لم تكن منيرة –رحمها الله– يومَ جاءت إلى الجامعة تعني شيئاً لكريمة.. طالبةٌ جديدة انضمت إليهم في التخصص ولا تعرف عنها شيئاً. لكن منيرة دخلت حياتها رغماً عنها. إنها تتعمد استفزازها وتحشر أنفها في أخصّ خصوصياتها! أول موقف تتذكره منها يومَ أن وقفت في طريقها وسألتها بصوت مرتفع أمام صديقاتها: عفواً كريمة.. بكم اشتريتِ حذاءكِ هذا؟ وبتلقائية نظرت كريمةُ إلى قدمَيْها وفغَرت فاها (هل تقصد هذه الفتاة أن تُهينني في اليوم الوحيد الذي خرجتُ فيه بنَعْلِ البيت خطأً؟) أَلْجَمَتْها المفاجأة وسطَ أصوات الضحك المتعالية حولها، ومن يومها، اشتعلت شرارة النفور المتبادَل الذي لم ينتهِ إلا بحَدَثٍ لم يكن بالحُسبان.. أبداً!
تزفر كريمة، وهي تواصل التذكر: بعدها صارت تتعمد تصيُّد أخطائي الأكاديمية أمام أساتذتي: السخرية من إجاباتي، تلفيق اتهامات بسرقة البحوث، إفساد علاقتي بصديقاتي، أنواع مصائب لا حصر لها.. صارت تنهمر على حياتي الجامعية الهانئة حتى صارت أيامي أشبه بحروب لا تنتهي.
نعم، كانت تُتعبني حروبها كثيراً، كانت تعطلني، وكانت تسلبني كلّ طاقةٍ كان يُمكن أن أستثمرها في تطوير نفسي. ولكن أتعلمون ما الجزء الأصعب الذي كان يحتل المساحة الأكبر من تفكيري؟ إنه: (لماذا؟) لماذا تحاربني منيرة؟ لماذا تتعمد إهانتي؟ لماذا جعلت من تشويه سمعتي شاغِلَها الأهم وأنا لم أُبادِرْها بأيِّ سوء؟ حقّاً لماذا؟ ليتني أفهم.
وتسارعت الدموع التي باتت رفيقةَ كريمة هذه الأيام؛ لم تكن تعلم أنها حين تفهم ستتمنى لو أنها لم تفهم.
لقد فهمت حين تلقَّتْ اتصالاً من أم منيرة.. كان كل ما سمعته هو خليطاً من بكاء ونياح وحروف غير مفهومة، بذلت جهداً كبيراً في تهدئتها وفهم الكلمات، لقد كانت تطلب منها أن تُسامح منيرة -رحمها الله- لأنها تعلم أنها كانت تتعمد إيذاءها خوفاً من أن تنافسها في منصب (مساعد التدريس) الذي تسعى إليه بعد التخرج؛ باعتبار أن كريمة كانت منافِسَتَها الأقوى أكاديميّاً. 
هل كان هذا هو السبب إذن؟ ولكن، مهلاً.. ماذا قالت الأم؟ ولماذا تبكي كل هذا البكاء؟ هل قالت (رحمها الله)؟ نعم، رحمها الله!

التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم