ريشة وقلم

هل تعرف نفسك؟!

هل تعرف نفسك؟!



هل تعرف نفسك؟ وهل وتثق في أن الصدق والشفافية والإخلاص من شيمها الأصيلة، بل وغير ذلك من أخلاق النبلاء وشجاعة الفرسان، وإقدام من يضعون الله نصب أعينهم، فلا يخافون لومة لائم عن فعل أو قول.
إذن أين تذهب نواقصنا وما تحمله عقولنا من أخطاء إدراك، وما تكتظ به ضمائرنا من خطايا نحاول سترها، بل وأين يذهب كل ما ندعيه وهو ليس فينا على طريقة (أنا لا أكذب ولكني أتجمل)؟ إنه هناك في غير حيز الاعتراف، ويبقى الدليل على وجوده دائماً ذلك التغير الذي قد يصيبنا تجاه نفس الموقف عند ظهور متغير ما، فقد نرى الشيء خيراً ثم نراه شراً، ونعود نتردد بين كونه شراً أو خيراً، ثم قد ينالنا تجاهه شيء من الإهمال وعدم الاكتراث. 
والسؤال: هل يرجع ذلك إلى الجهل بالأشياء والفشل في تحديد مساراتها على النحو السليم؟ لا.. بل يرجع إلى الجهل بالنفس، الذي قد يبقي الإنسان على عهد الثقة العمياء بها عمراً طويلاً.
إذن فلتعرف نفسك، لكن ليس بنفسك كما قال سقراط وسجَّل المثل اليوناني القديم على باب معبد دلف، وإنما بالتأمل في أفعالك، حين تنزل بك المصائب، فيكلفك تخليصك منها أن تختبر قناعاتك وانتماءاتك بل وحبك وكرهك، وأن ترى نفسك على حقيقتها ولو مرة واحدة في العمر، هذا ما قصد إليه الكاتب الفرنسي «بول هرفيو» في تمثيليته (اعرف نفسك) التي ترجمها د. طه حسين مع غيرها مما شاهده على المسرح الفرنسي، ونشرها في كتاب (من أدب التمثيل الغربي) ولم يكتفِ بمجرد التقديم العام للعمل، بل تراه يغوص في أعماقه؛ ليُخرج لك دوافع الكاتب التي عاشها قبيل الكتابة وأثناءها، فكانت دعوة للتعرف على مواطن الخير ومثيرات الشر التي يجهلها الإنسان عن نفسه فينالها بالمكروه حين يريد بها الخير، وينالها بالسوء حين يظن أنه يحسن إليها، ويتضح ذلك جلياً في التمثيلية التي تحكي قصة قائد توفيت زوجته تاركة له ولدين أحدهما بالتبني، وفي تصاعد طبيعي للأحداث يتزوج الأب من فتاة يختارها فقيرة وفي سن صغيرة، حتى تظل في حاجة إلى ماله وسكنه، كما يحتاج هو لودها وعطفها عليه وعلى ولديه، ويرفض الابن بالتبني الاعتراف بهذه الزوجة الجديدة في البداية عرفاناً منه بفضل الزوجة الأولى التي أكرمته في حنان بالغ وأمومة غير مصطنعة، ثم سرعان ما يتغير موقفه حين يشعر تجاهها بعاطفة ما.
يأتي أحد أقارب القائد بصحبة زوجته لزيارته بضعة أيام، وفي أثناء ذلك يلمح الضيف زوجته وقد خرجت لتوها من بيت الابن بالتبني فيسرع خلفها دون أن يمسك بها، وعندما علمت زوجة القائد بواقعة الخيانة تلك أصابها تجاه الابن بالتبني حنق وغيرة ورغبة في الانتقام، كل ذلك جعلها تقترح على زوجها أن يجبر الابن على الرحيل كما يجبر الضيف على تطليق زوجته، ولم تكتفِ بذلك بل أخذت تعنف الزوجة الخائنة في غير هوادة أو تفهّم، والحقيقة ليست كما تبدو في أن منبع ثورتها هذه هو الحرص على الشرف واستنكار الخيانة، وإنما هي الغيرة على هذا الابن لما تكنّ له من حب هادئ يسري في خلجات قلبها.   
وبعد مناقشة طويلة من القائد مع صديقه استشعر خلالها رغبته في الإبقاء  على زوجته الخائنة وعدم تطليقها، لأنه وبصراحة كما أعلن للقائد لا يستطيع الاستغناء عنها بل ويريد أن يسامحها، ويتعجب القائد من أمر هذا الزوج فاقد النخوة ولا يتردد في أن يهدده إذا ما أقدم على هذا الفعل بالقطيعة والاشمئزاز والسخط، فيتراجع الضيف ويعود إلى ما كان قد قرره بالانفصال عن زوجته ثأراً للكرامة والشرف، وعلى الجانب الآخر يجبر القائد ابنه بالتبني على أن يطلب نقله إلى إحدى المستعمرات النائية، ليستجيب الفتى بعد ما فشلت كل محاولات تبرئته لنفسه.
ردود أفعال تبدو طبيعية مقارنة بالفعل نفسه، لكن.. ولأننا لا نعرف أنفسنا كما أراد أن يؤكد لنا المؤلف وكما اختار لنا د. طه حسين ذلك الامتحان العسير، فبظهور عدد من المتغيرات كما هي العادة، انقلبت ردود الأفعال، حتى باتت غريبة عن مقدماتها، على الرغم من أنها تمس قيمة المفروض فيها الثبات ألا وهي الشرف... فكيف كان ذلك؟!
يكتشف القائد أن الطرف الثاني في الخيانة ليس ابنه بالتبني كما كان يعتقد، وإنما ابنه الفعلي الذي كان يترك له أخوه منزله لساعات معدودة كل يوم بناء على طلب منه في إلحاح. وما إن علم هذا الابن بقرار الطلاق الذي كاد الضيف أن يبدأ في إجراءاته، حتى يعلن لوالده أنه قرر أن يتحمل المسؤولية مع الزوجة الخائنة بالزواج منها، وينهار الأب.. كيف يمنع قريب له من الاستمرار مع الخائنة ليقبل زواجها من ابنه؟ فيحاول أن يثني الابن عن فعلته بكل السبل دون جدوى، فتراه وقد تعرف على الجانب الآخر من نفسه، ويقرر أن يثني الضيف عن تطليق زوجته حتى لا يضطر ابنه إلى الزواج منها.
وعلى الجانب الآخر نجد زوجة القائد تطالب الابن بالتبني أن يستمر في إجراءات نقله إلى تلك المستعمرة النائية رغم ظهور براءته، رغبة منها ألا تقع فيما وقعت فيه الزوجة الخائنة، وحتى لا تجد نفسها في حرب ضارية بين الحب والحرمان، فالبعد أفضل في هذه الحالة، ويوافق على أن تمنحه شيئًا يسهل عليه الفراق ألا وهو قبلة تكون شاهدة على خيانتهما أمام القائد الذي يأتي فجأة ليواجه الموقف في صدمة يحاول على إثرها قتل ابنه بالتبني فتثنيه زوجته في رجاء ألا يورط نفسه في جريمة قتل. ويكفيه أن ترحل كما جاءت فقيرة بلا مأوى. وهنا تراه وقد أخذه الضعف والخنوع وأراد لو أن زوجته تعتذر له كما فعلت زوجة قريبه وتطلب العفو ليعطيها إياه، وبعد أن يتواجه الزوجان بما أخذ كلاهما من الآخر وما أعطى، يقتنع الزوج بأنه كان قاسياً على زوجته، حرمها العواطف والحب والحنان، فيطالبها أن تبقى ليعوضها إياهم.
والخلاصة من هذه القصة هي: اعرف نفسك ابتغاءً للسعادة الممكنة دائماً إذا ما وقفت على حقيقتها ومواطن الضعف فيها ومثيرات الشر، أما إذا ابتغيت الزيف لها وأخذك الغرور بها ضللت الطريق إلى السعادة، ولا تلومن إلا نفسك. 

التعليقات
مي شبانة

06/04/2021 11:21 AM

دائما تبهرينا بكتاباتك و انتقاء عباراتك الملهمة
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم