ريشة وقلم

الملهمة.. في أشعار حسين بازرعة

الملهمة.. في أشعار حسين بازرعة



    شكَّلت الكلمة المشحونة بالشجن العميق النواة الأساسية في قصائد الشاعر السوداني "حسين بازرعة" والتي عرَّجت نحو اللونية الغنائية المتدثرة بعبق المكان وأنفاس المحبوبة العصية الوصل التي ملكت ناصية قلبه ووجدانه ثم وجدان كل من استمع إلى كلماته المترعة بالبعد والحرمان وعاشت في ألحان صدح بها نفر من مطربين وجدوا ضالة إحساسهم فيها، ولكن كان القدح المعلى لرفيق دربه الذي شكَّل معه ثنائية خلدت وجده وذكرى حبه، وهو الوحيد الذي اختصه بسر غرامه الخفي،ذلك هو الفنان الراحل عثمان حسين، فقد صاغها لحناً فأبدع حتى قيل إن الجن هي من وضعت لحنها بدلاً عنه، وهو على سبيل المبالغة لكثر الانسجام بين الكلمة واللحن حتى أضحت وكأنها ولدت هكذا تسمعها فتخال أنك ترى المحبوبة الملهمة وهي تجالس شاعرنا الفتى المرهف على مقعده الإسمنتي  على شاطئ البحر الأحمر قبل أكثر من نصف قرن، ذلك المقعد الذي شهد ميلاد أروع القصائد المغناة فكان أشهر من نار على علم في مدينته وطن المحبوبة بورتسودان، فصار معلماً معروفاً كأنه نصب تذكاري للحب والمحبين، تذكار لأروع قصة توَّجها الزمان في تلك المدينة الصاخبة بحركة السفن القابعة على مينائها، فيرى الزائرون على رمال الشاطئ أضواءها تتلألأ من بعيد لتضفي على المكان سحراً وإثارة. 
في مثل هذا الجو المشحون بالمشاعر المتدافعة تدافع موج البحر في ليلة ذات قمر قدر الخلود لأروع قصة حب خلدها الشاعر بكلماته فصارت ذكرى تضاهي ذكرى قيس وجميل.. كل غرد على ليلاه... فكان البعد والحرمان قاسماً مشتركاً بينهم، عدا أمراً واحداً؛ فالجميع عرف ليلى وبثينة بكل شجرة عائلتهما، ولكن لا أحد عرف ملهمة بازرعة عدا صديقه الذي حفظ معه سرها ليعيش بين ثناياهما ولم يبوحا به، وقد حاول بعضهم استنطاقه ليفصح عنها حتى تعرف من كانت ملهمته، ولكنه تسامى عن ذلك معللاً بأنها قد رحلت عن الدنيا مبكراً. وجاء رحيلها بعد وقت بسيط من هجرته للسعودية تاركة ذكراها له فانفطر قلبه حزناً على حزنه. رحلت الملهمة وهي لا تدري أنها ستبقى في حنايا تاريخ العشق السرمدي والأدب الغنائي الرفيع.. صارت الملهمة المجهولة أشهر من نظم في حقها القصيد وهي تعد من المفارقات أن تكون مجهولة ومشهورة في وقت واحد.
يقول الشاعر حسين بازرعة المولود بمدينة سنكات بشرق السودان: إنه انتقل لمدينة بورتسودان المتاخمة للبحر الأحمر ثغر السودان ومنفذه للعالم. تلك المدينة الساحرة التي عبر من خلالها فطاحلة الفن والأدب والتي كان شاعرنا قد ألفها ومكث فيها ما يكفي لشحذ قريحته، فقد ارتاد مع صحبه آفاقاً من الإبداع والتدارس وأثروا النقاش وأطَّروا لتلاقح عصارات من الفن والإبداع، ثم انتقل تصحبه أشواقه لرمال الشاطئ والصحبة الطيبة لمدينة أم درمان، التي كانت في أوج عظمتها باحتضانها لمن كانوا يتنفسون الإبداع بكل ألوانه وأشكاله، فعاش معهم تحت سماء واحدة تضم الكواكب الزواهر وتعطر لياليها صادح الكلم.
 كانت أم درمان، المدينة التي لا تنام، جمعت كل أعيان الفن والأدب والسياسة في بوتقة واحدة. لم تكن تحوي المباني الفخمة، ولكنها كانت كذلك بناسها؛ كانت حكاية وكانت محطة لشاعرنا الملهم شاعر الحداثة والحب والجمال والشجن. قضى فيها زماناً أضاف له الكثير، ثم ارتحل مهاجراً لمدينة جدة في الشاطئ الشرقي للبحر الأحمر يرسل أشواقه مع الطير للشاطئ الغربي لمدينته المحبوبة وطن المحبوبة فيقول: "كل طائر مرتحل عابر البحر قاصد الأهل حملته أشواقي الدفيقة لك يا حبيبي... للوطن... للدار الوريفة"... هكذا جاءت (قصتنا)، ولدت في بلاد الغربة يغلفها الحنين.      
قضى بازرعة في غربته ردحاً من الزمان حاملاً أشجان الماضي متلمساً سعادة الأيام الخوالي؛ عاش بازرعة ومازالت حبيبته تحتل قلبه بعد أن صارت ذكرى بعيدة المنال، فلم يتبقَّ له غير مقعده ليناجيه. رغم سوء حظه في الحب والارتباط كان بازرعة محظوظاً بالصحبة الطيبة في حله وترحاله وأميزهم كان الأمير السعودي الشاعر عبدالله الفيصل، الذي جمعته به صداقة متينة جعلته لا يحتمل البقاء بعد رحيله في مدينة جدة فعاد إلى السودان ليستقر بمدينة الذكريات بورتسودان ليعيش آخر أيامه في هدوء وعلة صاحبته، حتى رحل تاركاً فراغاً عاطفياً. وكما من الحب واللوعة لمعجبيه الذين أحبوه وحزنوا على فراقه مثلما حزن لفراق ملهمته التي نظم من أجلها أروع كلمات الحب سعد بها الكثيرون إلا هو؛ فقد جاء على لسانه في إحدى المرات أنها تمثل له ذكرى حزينة تزداد حزناً بتلك الألحان التي تتقطر شجناً... هكذا كانت قصائده بالنسبة له، لكم عانى ذلك القلب الرقيق وقاسى مرارات الغربة والحرمان! نثر الحب وأبقى أشواكه تدمي قلبه الكبير الذي اتسم بالطيبة والوفاء لذكرى المحبوبة الملهمة التي استبقاها لنفسه بكل ما تحمله من ألم ولوعة.

التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم