ريشة وقلم

من يقرأ هذا الكتاب .. يصبح كاتبا!!

من يقرأ هذا الكتاب .. يصبح كاتبا!!



كل منا لديه ما يكتبه .. المهم أن ينتبه إلى ذلك ويبدأ فى صياغة تجربته التى هى بالنسبة للآخرين ليست جديدة فحسب بل تستحق التأمل أيضا، هذا ما لفت الروائى الإنجليزى "جون كوين" فكتب مؤلفه (كيف تكتب رواية فى مائة يوم) معتمدا على خلاصة التجربة لأشهر مؤلفى الروايات فى العالم وترجمه إلى العربية الروائى المصرى "محمد عبد النبى" وفيه يتساءل المؤلف ما الذى يصنع كاتبا؟ ويؤكد على أنه حدث واحد فقط حدث يقع فى وقت مبكر جدا من العمر ويشكل إحساس الدهشة لدى الكاتب ووعيه بذاته. 
• ويبدأ المؤلف من حالة الروائى "جوزيه ساراموجا" أول كاتب يفوز بجائزة نوبل فى اللغة البرتغالية، حيث كان يقضى إجازته مع جده الذى أصيب بالسكتة، ويظل "ساراماجو" يتذكر نفسه وهو يتجول فى حديقة البيت يودع الأشجار ويعانق كل شىء حتى الجدران ويبكى ويقول: (أن تعيش هذا دون أن يترك بصمة عليك بقية عمرك فأنت إذن بلا مشاعر، وبالطبع فى حياة كل منا حادث جلل آثار بقيت آثاره فى الوجدان، فما لبث أن تغيرت دوافعه نحو الحياة بل ولنقل معنى الحياة ذاته. 
• وعلى الرغم من عدم وجود قواعد بشأن أفكار القصص فإن "جون كوين" مؤلف الكتاب يقدم تحذيرا صغيرا فى هذا الشأن، ألا وهو الاستعانة بالأفكار الكبيرة فى محاولة للتوصل إلى قصة تختزل العالم كله بداخلها على اعتقاد أنه كلما كانت الفكرة أكبر كانت أفضل .. وهذا ليس صحيحا .. فلتكن فكرة قصتك صغيرة ومركزة، يقول: "انبش فى روحك المبدعة عن قصة لها مغزى عميق عندك"، وذلك انطلاقا من أننا كلنا أبناء عائلة إنسانية واحدة .. وإذا أبدعت قصة ذات مغزى عميق بالنسبة لك فغالبا ما ستكون كذلك بالنسبة للآخرين.
• ومن هنا ينصح "جون كوين" مؤلف الكتاب بأنه بدلا من أن تكتب عما تعرفه فعليك أن تكتب عما تحبه .. ويقول (لم يكن أبدا الأديب "توم كلانس" ضابطا على غواصة قبل أن يكتب روايته (البحث عن أكتوبر الأحمر)، كما أن "ريتشارد باش" لم يكن نورسا يوما حتى يكتب (النورس جوناثان ليفنجسنون) .. كما لم يكن "آرثر جولدون" مؤلف رواية (مذكرات فتاة جيشا) قدعاش فى اليابان.
• أما الحب فليس من الضرورى أن يكون لموضوع الرواية ذاته قدر ما يكون أيضا لبعض المشاهد، وفى هذا تقول الكاتبة "جوان ديديون" إنها وفى مستهل عملها على روايتها (كتاب الصلاة المشتركة) كتبت مشهدا لشخصية "شارلوت دوجلاس" تذهب فيه إلى المطار وقد أحبت المشهد الذى لم يزد عن بضع صفحات من النثر، غير أنها لم تستطع أن تجد له موضعا ملائما، وتقول: (كلما اخترت له موضعا أجده يعوق تقدم السرد وكان يبدو خطأ فى كل موضع، غير أننى صممت على الاستعانة به، وأخيرا وجدت له بقعة مناسبة فى منتصف الكتاب). 
وإن كان هذا يخالف قول الروائى "ويليام فوكز" (عليك أن تنظف عظام روايتك من الزوائد بأن تتخلص من أعزائك كما اعتاد أن يسمى النثر الفائض عن الحاجة، ولقد عبر "سكوت فيتز جيرالد" عن ذلك أيضا قائلا: (لن تندم أبدا على أى شىء تحذفه من كتاب لك).
• ويتفق "جون كوين" مؤلف الكتاب مع "ألفريد هتشكوك" فى أن تحضر عددا من  البطاقات تكتب على كل واحدة منها اسم شخصية من شخصيات روايتك، مع وصف دقيق لها ولا تترك حتى الهامشيين فى الأحداث مؤكدا على أن شخصيات الرواية سوف تنمو وتتخذ سمات خاصة بها تجعلك موقنا من ما يمكن أن تفعله إحدى الشخصيات فى موقف محدد، مدللا على ذلك بقول كاتب الألغاز "أوكلاى هاك" (على أى كاتب أن ينصت لمتطلبات شخصياته .. فحين تبعث إلى الحياة قد تصر على مصير غير الذى أعطى لها).
من أجل ذلك لابد أن يسعى كاتب الرواية أن يقنع القارىء بأن شخصياته موجودة بالفعل أو يمكن أن توجد ولذلك لا تفصلها عن الحبكة .. فهى ليست شخصيات خشبية سقطت من السماء مكتملة بفعل السحر، قد تخطأ أو تصيب من أجل أشياء منطقية أو غير منطقية وسواء كان الهدف خيرا أو شرا .. المهم أن يرى القارىء أفعالها وأهدافها ويبقى على اهتمامه بها باستمرار. 
ولهذا وذاك ينصح "جون كوين" مؤلف الكتاب كل من ينوى الكتابة بأن ينصت إلى قصة "أرنست هيمنجواى" الذى حين بدأ عمله كمراسل لجريدة (كانساس سيتى ستار) تم تسليمه صفحة بتعليمات محددة وهى:
- استخدام جملا قصيرة.
- استخدام فقرات قصيرة.
- استخدام لغة حيوية.
وعند سؤال "هيمنجنواى" بعدها بسنوات عن تلك القواعد قال: (كانت تلك أفضل قواعد تعلمتها على الإطلاق ولا يوجد أحد يمتلك أدنى موهبة ويشعر ويكتب بصدق يمكنه أن يخفق فى كتابته إذا ما التزم بتلك القواعد).
• يتساءل "جون كوين" مؤلف الكتاب هل بالضرورة أن تكون للكاتب طفولة بائسة؟! ويستعين فى الرد بقول "آرنست هيمنجواى" على الأقل لابد أن يعتقدوا أن طفولتهم كانت كذلك .. وهنا يذكر "دين كونتز" طفلا لأم واهنة جسديا وأب عنيف مدمن للخمور .. أثارت هذه الطفولة الرهيبة شغفا بالكتب فى نفس "كونتز" حتى إنه قرأ رواية (الريح فى الصفصاف) ل" كينيث جراهام" أكثر من خمسين مرة مستمتعا بموضوعها حول الأصدقاء الذين يبقون معا للتغلب على الأشرار .. كما بحث فى قراءة الروايات وكتابتها عن أسر سعيدة ليؤكد لنفسه أن جميع الأسر ليست كأسرته.
أما "شيرلى جاكسن" ربة منزل وأما لأربعة صغار وأستاذة فى الجامعة والتى كانت نادرا ما تجد وقتا للكتابة أثناء النهار، فإن قصة مثل قصة اليانصيب تدفقت منها فى مسودة أولى ممتازة حين جلست إلى مكتبها ليلا، ذلك لأنها كانت تفكر فيها طوال اليوم.
وعليه ينصح "جون كوين" مؤلف الكتاب بالاعتماد على اللاوعى ليتولى المسئولية ويعالج الأفكار التى ترد إليك خلال نهارك.
ولذلك فمن تكونه على الصفحة هو من تكونه فى الحياة بنفس قدر تمرسك وبنفس قدر خبرتك بالحياة والناس أو بنفس قدر انعدام التمرس وافتقار الخبرة.
• حين كان الأديب الأمريكى "سنكلير لويس" يحاضر أمام مجموعة من الطلاب حول حرفة الكتابة وقف على رأس الصف وسأل: كم من الموجودين هنا لديه رغبة جادة فى أن يكون كاتبا؟ وحين ارتفع أمامه عدد كبير من الأيادى تساءل: لماذا لا تعودون إلى بيوتكم لتكتبوا ثم خرج من القاعة.
أقول من يجد لديه الرغبة فى الكتابة فليبدأ الآن ويستمر، متعهدا بأن ينجز ما بدأه، فقد حان الوقت لكى يتوقف كل منا عن مجرد الكلام بشأن صياغة تجربتنا الإنسانية فى رواية، ليصبح واحدا من هؤلاء الذين قال عنهم الشاعر والروائى "جيمس ديكى" إنهم سادة السر الأعظم.
  
     
التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم