موضوعات

لحظات باقية..

لحظات باقية..


إدريس جماع شاعر سوداني أرهقه الذهول


يحفل التاريخ بنماذج من الأدباء والمشاهير الذين ارتدت عليهم سهام الإبداع أو ممن اهتزت بهم القمم التي طالما صدحوا من عليائها، مضت الأقدار ببعضهم إلى نهايات أسيفة لم يتوقعها لهم أحد، طويت صفاحاتهم واحداً بعد واحد تاركين من الآثار الجميلة التي أمدت في أعمارهم بالذكرى.

ومن بين هؤلاء نجد الشاعر السوداني إدريس جماع الذي فشلت جهود إنقاذه من داء الذهول الذي أطبق عليه، فنعي حظه بأسلوب غير مألوف جمع فيه ما بين البساطة والتعقيد من جانب وما بين الغرابة والمألوف من جانب آخر، فهو يعرف كيف يمسك بهذه المتناقضات ويوظفها في غاية من اللطف لتُعبرَ عن ملاح تائه وهو يطوي شراع الأمل الأخير ويعلن الاستسلام: 
إن حظي كدقيق فوق شوك نثروه 
ثم قالوا لحفاة يوم ريح اجمعوه
 صعب الأمر عليهم ثم قالوا اتركوه 
إن من أشقاه ربي كيف أنتم تسعدوه 

 

حياته:
عاش إدريس جماع في الفترة من 1922 وحتى 1980م، وهو سليل أسرة العبدلاب العريقة التي تولت الزعامة منذ قرون، قد آلت إليه المشيخة بعد وفاة والده إلا أنه سرعان ما تنازل عنه لأخيه بعد إصابته بالمرض، كما ينحدر جماع من بيت اشتهر بالشعر.
حفظ جماع القرآن في سن مبكرة ثم أكمل تعليمه الجامعي في مصر، ثم عمل في حقل التعليم في السودان، واشتهر بأنه كان شعلة من نشاط في المدارس وفي المؤسسات الاجتماعية وفي الحيّ الذي يقطنه، مما جعله محبوباً بينهم.
لقد أصيب الشاعر المرهف جماع بنوبات من الاكتئاب والذهول وهو في العقد الثالث من عمره، ولم تفلح جهود الأسرة ولا جهود الدولة في علاجه، ولكن الطائر المغرد لم يكف عن التغريد، فكان ينفح بما يجود به القريض وحتى وهو يعاني من حال الرهق والنصب.
 ويقال إن قصة حب فاشلة قد تقف خلف هذا الحزن والرهق الذي قاد إليه حالة الاكتئاب التي جثمت عليه، حيث نسج بعضهم أن الشاعر تفاجأ بعد عودته من الدراسة بمصر بزواج الفتاة التي أحبها من غيره، إلا أن مقربين من الشاعر أنكروا وشنعوا هذه الرواية من خلال معرفتهم بالشاعر الذي لم يعنون شعره لفتاة بعينها من حسان جيله، وإنما كانت أشعاره ممزوجة بفكرة وتجربة شعورية حية وإحساس مرهف جعله يعيش في عالم مزين بالأخيلة والأحلام.


لحظات باقية:
يحمل ديوان الشاعر جماع اسم (لحظات باقية)، وقد خلد فيه الشاعر مواقف حياته الباكرة، وحوى العديد من أناشيد الاستقلال والانعتاق، بجانب أشعاره في الجمال والإنسانية والطفولة، كما نجده في أشعاره عاشقاً متدلهاً في محراب الطبيعة يجسد مظاهرها ويجعل منها شخوصاً يبثها الحديث ويناجيها، وللشاعر مواقف مشهودة في مناهضة الاستعمار والتبشير بفجر الحرية ودعوة الجيل الجديد إلى التطلع والريادة. 
بالرغم من أننا لا نجد توثيقاً متكاملاً لمناسبات القصائد التي حواها الديوان، إلا أن بعضا من محبي الشاعر قد حرصوا أن يثبتوا على تدوين السيرة ذاتية وشهادة المنشأ لبعض القصائد الشهيرة، وهذا بدوره زاد من إعجاب الشباب به هذا الإعجاب الذي بدا واضحاً من خلال تفاعل المغردين والمدونين من مختلف البلاد العربية مع ما ينشر عن الشاعر في مختلف المواقع والشبكات الاجتماعية.  


تبرير الغزل
 ومن أشهر قصائده المثيرة التي وجدت المتابعة والاهتمام قصيدة "أعَلى ﺍﻟﺠﻤﺎﻝ ﺗﻐﺎﺭُ ﻣِﻨّﺎ؟"، ومناسبتها أن الشاعر قد أخذ يديم النظر لإحدى السيدات الحسان، وكانت في معية زوجها الذي أظهر له التضايق والغضب، فقال وهو يحاول عبثًا رفع الحرج والملام عن كاهل الزوج الغيور:
أعَلى ﺍﻟﺠﻤﺎﻝ ﺗﻐﺎﺭُ ﻣِﻨّﺎ ؟
ﻣﺎﺫﺍ ﻋﻠﻴﻨﺎ إذا  ﻧﻈﺮﻧﺎ
ﻫﻲَ  ﻧﻈﺮﺓٌ  ﺗُﻨﺴِﻲ ﺍﻟﻮَﻗﺎﺭَ 
ﻭﺗُﺴﻌِﺪ ﺍﻟﺮّﻭﺡَ المُعَنَّى
ﺩﻧﻴﺎﻱ ﺃنتِ ﻭﻓﺮﺣﺘﻲ 
 ﻭمُنَى ﺍﻟﻔﺆﺍﺩِ ﺇﺫﺍ تَمنَّى
ﺃنتِ  ﺍﻟﺴﻤﺎﺀُ ﺑَﺪَﺕ ﻟﻨﺎ 
ﻭاﺳﺘﻌﺼﻤﺖ ﺑﺎﻟﺒُﻌﺪِ عنَّا
ولهذه الأبيات قصة مليحة حيث يروى أن الأديب العربي الكبير عباس العقاد لما وصلت إليه هذه القصيدة وعرف مناسبتها، وعلم أيضاً بلزوم شاعرها لمستشفى الأعصاب، ما كان منه إلا علق بذكاء من يعرف الشعر قائلاً:
هذا ﻣﻜﺎنه!! 
فمن يقدر أن يقول مثل هذا الشعر لا بد أن يلزم مستشفى الأعصاب.
 وحرج آخر:
ولم يكن هذا الحرج الوحيد في حياة شاعرنا، فمما يروى أنه أخذ يحدق بنظره في عيني الممرضة الجميلة التي كانت تتعهده، فنصحها الطبيب بارتداء النظارة السوداء لتغير من ملامحها في عيون الشاعر المريض، فما إن أطلت في اليوم التالي حتى فهم القصة، ثم قال:
وﺍﻟﺴﻴﻒ ﻓﻲ الغمدِ ﻻ ﺗُﺨشَى بواتره
ﻭﺳﻴﻒُ ﻋﻴﻨــﻴﻚِ ﻓﻲ ﺍﻟﺤـﺎﻟﻴﻦ ﺑـﺘّـﺎﺭُ
ولم يكن غزل الشاعر من هذا النوع الصاعق والمباغت، فله صبوات تتدفق بالشاعرية والعاطفة الناعمة مثلما في هذه القصيدة المموسقة:
في ربيع الحب كنا نتساقى ونغنى
نتناجى ونناجي الطير من غصنٍ لغصن
ثم ضاع الأمس منا وانطوى بالقلب حسرة 
إننا طيفان في حلمٍ سماويٍ سرينا
واعتصرنا نشوةَ العمر ولكن ما ارتوينا
إنه الحب فلا تسأل ولا تعتب علينا 
كانت الجنة مأوانا فضاعت من يدينا
ثم ضاع الأمس منا وانطوى بالقلب حسرة
كوني كنجم الصبح
ونجد في شعر جماع الكثير من الصور اللطيفة والطريفة، فهو يعاتب 
فتاته التي أفلت من بين ناظريه، حيث يعقد لها محاكمة عتاب تفيض بالغزل وتستدعي صور الفقدان المؤثرة. 
وفي الأبيات يجعل فتاته كالربيع وكالنجم ليس في الجمال والتلألؤ فحسب، بل وفي ميزة أخرى تتمثل في قدرة الربيع والنجم على الوفاء وعدم التواري والغياب على الظهور.
ويقابل هذه الصورة بصورة لماحة  
شاء الهوى أم شئتِ أنتِ فمضيتِ في صمت مضيتِ
أم هز غصنك طائر غيري فطرتِ إليه طرتِ
وتركتني شبحاً أمد إليك حبي أين رحت
وغدوت كالمحموم لا أهذي بغير هواك أنت
أجر .. أفر .. أتوه .. أهرب  في الزحام يضيع صوت
واضيعتي أأنا تركتك تذهبين بكل صمت
هذا أوانك يا دموعي فاظهري أين اختبأت
فإذا غفوت لكي أراك فربما في الحلم جئت
في دمعتي في آهتي في كل شيء عشت أنت
رجع الربيع وفيه شوق للحياة وما رجعت
كوني كنجم الصبح قد صدق الوعود وما صدقت
أنا في انتظارك كل يوم ها هنا في كل وقت.
الإنسانية في شعر جماع
لا تكاد النزعة الإنسانية تختفي في شعر جماع، فهو إنسان بمشاعره وصدقه وبعاطفته وبحبه للإنسان وكما يعبر عن ذلك:
أنت إنسان بحق وأنا
بين قـلبينا من الحب سنا
كل يوم صور عبر الطريق
تزحم النفس بها ثم تفـيق
ليس ما هزك حساً عابرا
 إنه في الصدر إحساس عميق
هو إنسانية قـد وصلت 
كل نفس بك في ربط وثيق
قبل الوداع:
ومثلما نعى جماع حظه فها هو ينعى نفسه في لوحة فنية متفردة، تتماهى فيها الأحاسيس والفلسفة والقيم التي يتمثلها الشاعر في رحلة الفناء.
إذا مِتُّ لا تحزني إنني          تراب يعود إلى بَعضه
لقد جعلتني ليالي العذاب       ألِذُّ الممات على بُغضه
وما كان عيشي هنيئاً فأذ كر  ما كان بالأمس من غضه
ولكن في النفس معنى الرجولة  يحتمل المرَّ من محضه
وفلسفتي في الظلام الكثيـف  ترى لمحة من سنا ومضه
صمت القيثارة:
وفي آخر الرثاء لنفسه يقول مودعاً:
أُشـاهد مـصرعـي حـيـنـاً وحـيـنـــــــــاً
يـخـايلنـي بـهـا أشبــــــــاحُ قبري
حـيـاةٌ لا حـيـاةَ بـهـا ولكـــــــــنْ
بقـيّةُ جذوةٍ وحطـامُ عـمـــــــــــر
وبنهاية عقده الخامس، وبعد أن أرهق المرض كاهل الشاعر العظيم، كف َّ البلبل عن التحليق ثُم ضمَّ جناحيه ليسقط وتسقط معه القيثارة ثم يخلد بعدها للإغماضة الأخيرة في عام 1980 تاركاً خلفه تراثاً من الأدب الجميل.

 

 

التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم