مـرامـينـا

مواقع التواصل الاجتماعي إلى أين؟



لن نختلف مع أحد على أهمية التكنولوجيا في حياتنا المعاصرة، وما أتاحته من اتصال واسعٍ لا حدود له بين البشر في كل مكانٍ عدا تلك الفئات التي نقرأ عنها أحياناً ونستغرب بقاءها في أماكن مجهولة بالكاد تكتشف، وتعيش حياة بدائية راضية بما تتيحه لها طبيعة الله من موارد تساعد على بقائها وعلى أسلوب حياة اعتادت عليه، ولم يمر في بالها فكرة أن تغيره. فهذه الفئات التي تنتمي عادة إلى قبائل محددة لم تسمع عن أساليب الحياة المعاصرة، ولا عن "مواقع التواصل الاجتماعي الإلكتروني" التي غرست لها مكاناً في حياتنا المعاصرة، وتوجت نفسها واقعاً علينا أن نؤثر فيه أو نتأثر به، وإلا أصبحنا في عداد المتخلفين عن الركب، نُشَبَّهُ بتلك القبائل التي ارتضت أن تعيش وراء الواقع غير آبهة بما يحدث فيه.

وبالرغم من أن أهمية هذه المواقع في حياتنا أددت إلى أن تتقلص آلياتها حتى تصبح كائناً يتحرك داخل حقائبنا الصغيرة وجيوبنا، إمعاناً في جعلها تحمل صفة "الانتشار" بكل ما تعنيه الكلمة من سرعة وسعة نطاق، فإن ما يبدو أن تلك القبائل البدائية قد فاتها الكثير من انغلاق نطاقها في وجه هذه المواقع؛ فاتتها – مبدئياً – الدهشة والانبهار، وفاتها أن تجعلها وسيلة لأن تعرف وتتعلم، وأن تفتحها نافذةً على أناسٍ آخرين غير نمطيين بإمكانها أن تتواصل معهم وتشكل وحدة إنسانية لتعمير الكون؛ فاتها مشاهد الإنسان الذي يؤسس لحياة مبشرة، ويبني، ويرفع البنيان، ويقوي أركان علاقته مع الله سبحانه، ومع الناس؛ أهله وجيرانه وغيرهم، ويدرب نفسه على أفضل الممارسات الراقية التي تحافظ على نظافته الشخصية والفكرية والأخلاقية.
فاتتها فرصة أن تختار ذلك كله وغيره من رسائل مضيئة نحسب أنها إحدى النوايا الحسنة لهذه المواقع؛ لأنها قد تختار رسائل أخرى ولكنها ليست بتلك الإضاءة.
هل ستفوت إنسان القبائل البدائية مشاهد الظلم والكراهية؟
هل ستتجاوزه رسائل الظلام التي ستطلب منه الخروج عن قافلة البشرية بكل تجاربها الحياتية ومشاعرها المتضاربة المصوغة من طبيعة الإنسان الميال إلى البحث ومواجهة التحديات؟
هل ستسكرُهُ الصدمة من وسائل التجهم الحاقدة على الأفراد والمجتمعات والأمم؟
هل حياته الآن أفضل مما لو أدخل فيها هذا النموذج الإلكتروني، أم حياته ستكون أفضل لو أدخلها باعتبار أن أساسها جعل كل إنسان على هذه الأرض صديقاً أو أخاً للناس جميعاً مهما اختلفت جنسياتهم أو أعراقهم أو دياناتهم وثقافاتهم؟
أشياء في حياتنا تبدأ جميلة ومدهشة، نقبل عليها بكل شغف كي نحقق بها أحلامنا الوردية المتمثلة بالكشف عما نبحث عنه من علوم ومعارف، وبتحقيق علاقات ودية إنسانية واسعة يختلف أطرافها في ثقافاتهم وانتماءاتهم كي نزداد -ويزدادوا- ثقافةً، لنكتشف بعد مرحلة ما أن لوجودها مساراتٍ أخرى معاكسة تحقق أهدافاً لصالح منشئيها. 
من يفتح هذه المسارات؟ ومن يمشي فيها وينجذب إلى انعطافاتها؟
مستخدمُها الذي يبدو في مركبة من مراكب السرعة الخيالية تسير فيه غير مطلع أو مهتم حتى.. إلى أين؟

التعليقات
اترك تعليقاً


آخر مقالات في القسم